تعرفة قياسية للكهرباء في سوريا.. بين وعود الإصلاح وصرخة الفقراء
أثارت التعرفة الجديدة للكهرباء في سوريا موجة غضب واسعة في دمشق، بعدما ارتفعت الأسعار بين 50 و100 ضعف، لتتجاوز قيمة الفواتير رواتب آلاف الأسر، في بلد يعيش فيه نحو 90% من السكان تحت خط الفقر.
-
تعرفة قياسية للكهرباء في سوريا.. بين وعود الإصلاح وصرخة الفقراء
لم تكن الاعتصامات الشعبية التي شهدتها العاصمة السورية دمشق مؤخراً مجرد ردّ فعل على قرار الحكومة الانتقالية برفع أسعار الكهرباء إلى مستويات قياسية، بل جاءت بمثابة انتفاضة بوجه الواقع المعيشي المتردي الذي يعيشه السوريون منذ أشهر.
وزارة الطاقة في الحكومة الانتقالية أعلنت في 30 تشرين الأول/أكتوبر الماضي اعتماد تعرفة جديدة للكهرباء موزعة على شرائح استهلاك مختلفة، حيث تعتمد التعرفة المنزلية على شريحتين رئيسيتين، الأولى: الاستخدام حتى 300 كيلوواط/ساعة، يكون السعر 600 ليرة للكيلوواط/ساعة (نحو 0.05 دولار أميركي)، والثانية: استخدام أكثر من 300 كيلوواط/ساعة فيكون السعر 1400 ليرة للكيلوواط/ساعة.
القرار الأخير أثار ردود أفعال غاضبة بين السوريين، فالتعرفة الجديدة ارتفعت بمقدار 50 إلى 100 ضعف تقريباً، وهو ما تم اعتباره تكلفة باهظة مقارنة بمصادر الدخل المحدودة.
وردّاً على القرار، نظّم الآلاف من أهالي دمشق اعتصامات تطالب الحكومة الانتقالية بالعودة إلى الأسعار القديمة، لأن الإصرار على التعرفة الجديدة يعني تدمير الطبقة الفقيرة في البلاد، كما أنه سيؤثر بشكل سلبي على مختلف نواحي الحياة الأخرى لأن الكهرباء هي عصب الاقتصاد.
الحكومة الانتقالية اعتبرت القرار ضرورة ملحّة ضمن خطة إصلاح قطاع الكهرباء وتحقيق الاستدامة، لكن الأصوات الشعبية الغاضبة قالت إنه ينسف الوعود الحكومية السابقة، حيث تعهدت وزارة الطاقة قبل أشهر بتأمين ساعات تغذية كهربائية طويلة على مدار اليوم، لكنها لم تنجح في الإيفاء بوعودها، وبدلاً من ذلك رفعت الأسعار بشكل جنوني.
"الفاتورة أكبر من راتبي التقاعدي؛ بدهم يانا نشحد؟"، بهذه الكلمات بدأ العم محمود عيسى (62 عاماً) حديثه للميادين نت، حول صدور فواتير الكهرباء الجديدة بأسعار مضاعفة.
يؤكد عيسى أن قيمة فاتورة الكهرباء لمنزله خلال الدورة الحالية وصلت إلى أكثر من 800 ألف ليرة سورية (75 دولار أميركي)، مقارنة بنحو 25 ألف ليرة فقط في الدورات الماضية، بينما يبلغ راتبه التقاعدي حالياً 800 ألف ليرة، ما يعني أن الراتب لا يغطي قيمة فاتورة الكهرباء الجديدة.
يقول عيسى: "بعد سقوط نظام الأسد؛ توقعنا أن الأوضاع المعيشية ذاهبة نحو التحسّن، لكن الواقع كان عكس ذلك تماماً، فالأسعار تضاعفت والقدرة الشرائية تراجعت، ليأتي قرار رفع أسعار الكهرباء ويشكّل الضربة القاضية ضد الفقراء، فبدلاً من تقديم يد العون لهم، قررت الحكومة قتلهم اقتصادياً".
عبء معيشي ثقيل
الزيادة الحادة في أسعار الكهرباء وضعت آلاف الأسر السورية في مأزق لا يمكن الخروج منه، حيث تحولت الكهرباء فجأة إلى عبء معيشي ثقيل، في وقت تشهد فيه البلاد واحدة من أقسى أزماتها الاقتصادية، ما أثار قلقاً كبيراً حول قدرة العائلات على تحمّل تكاليف خدمة أساسية مثل الكهرباء.
ويعيش اليوم نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، وفق إحصائيات الأمم المتحدة، لكن الحكومة الانتقالية قررت الانتقال من سياسة دعم واسع للسلع الخدمية الأساسية، إلى سياسة تحميل المستهلك الجزء الأكبر من التكلفة، ما يطرح أسئلة جوهرية حول جدوى الإصلاح حين تكون الكلفة أكبر من قدرة المواطن على الدفع؟
وبرغم التأثير الأكبر لتعرفة الكهرباء الجديدة على الطبقة الفقيرة، إلا أنها أيضاً وجهت صفعة قوية للتجار وأصحاب المعامل والمنشآت الاقتصادية، فالكهرباء تشكّل عصب الاقتصاد السوري، لذلك فإن الأسعار الفلكية التي حددتها الوزارة ستؤدي إلى إلحاق خسائر كبيرة بالصناعيين، وهو ما سينعكس أيضاً على الأسعار في الأسواق المحلية.
وفي هذا السياق، يقول التاجر في سوق "الحميدية" بدمشق عامر تريكو للميادين نت إن القرار الجديد سيؤثر بشكل مباشر على القطاع الصناعي في البلاد، وسينعكس سلباً على حركة البيع والشراء في الأسواق، فالوزارة تتعامل مع التجار الصغار وأصحاب المحال المهنية كأنهم رؤوس أموال ضخمة، حيث جاءت التعرفة الجديدة بشكل لا يتناسب مطلقاً مع إمكانياتهم.
ويتابع تريكو: "فواتير بعض المحال التجارية في السوق وصلت إلى 20 و30 مليون ليرة سورية، في حين سجلت فواتير الكهرباء للمصانع والمعامل أضعاف ذلك، فكيف يمكن لرجل الأعمال الحفاظ على نشاطه التجاري إذا لم يرفع الأسعار؟"، ويضيف: "من لا يستطيع دفع فواتير الكهرباء سيضطر بكل بساطة لإغلاق مصانعه، وهذا الحديث بدأ ينتشر بين التجار مؤخراً، حيث توجد نية لدى شريحة واسعة من رجال الأعمال لإيقاف نشاطاتهم إذا لم تتراجع الوزارة عن قرار رفع الأسعار".
سهام موجهة نحو العاصمة
لم تمر الاعتصامات التي شهدتها العاصمة دمشق مرور الكرام، فالانتفاضة الشعبية الرافضة لرفع أسعار الكهرباء شكّلت صدمة لدى بعض صنّاع المحتوى والناشطين المحسوبين على الحكومة الانتقالية، فما كان من هؤلاء إلا أن شنّوا حملات إعلامية تحريضية ضد مدينة دمشق وأهلها، في محاولة لإسكات أصوات الدمشقيين المنددين بالأوضاع المعيشية المتردية.
وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مجموعة من المقاطع لناشطين ومؤثرين موالين للحكومة تنتقد أهالي دمشق لمشاركتهم في الاعتصامات، ووجّهوا إهانات عنصرية وشتائم ضد مختلف أطياف الشارع الدمشقي، وهو ما استدعى قيام بعض محامي العاصمة برفع دعاوى قضائية ضد الناشطين الذين هاجموا العاصمة وأهلها.
وفي هذا الاتجاه يؤكد الناشط السياسي فراس عبد القادر للميادين نت أن الهجوم غير المبرر على أهالي دمشق يساهم في زيادة الشرخ الاجتماعي داخل سوريا، خاصّة أن الانتقادات لأهالي دمشق جاءت بنزعة مناطقية ولغة تحريضية وتضمنت تهديدات علنية، وهو ما أثار غضب أهالي دمشق الذين انتفضوا ضد الظروف المعيشية في عموم سوريا ولم ينتفضوا لأسباب خاصّة بهم.
ويضيف عبد القادر بأن الحملات التحريضية على أهالي دمشق كانت ممنهجة ومدروسة، ولم تُواجَه بأي ردّ فعل من جانب الحكومة الانتقالية، كما أن هذه الحملات باتت سمة بارزة في المشهد السوري خلال الأشهر الماضية، حيث يتعرّض كل من ينتقد الحكومة وقراراتها الاقتصادية لحملات مماثلة، في محاولة لإسكات أصواتهم وترهيبهم في كثير من الأحيان.
إن أزمة فواتير الكهرباء الأخيرة في سوريا تكشف عن تعقيدات أوسع تتجاوز مسألة الأرقام والتعرفة الجديدة، لتلامس الواقع المعيشي المتردي الذي يعيشه ملايين السوريين، كما تكشف الأزمة حجم الفجوة بين القرارات الحكومية وهموم المواطن البسيط، وهو ما يتطلب تغيير آلية العمل الحكومي لتعكس تطلعات السوريين لا أن تشكّل عاملاً ضاغطاً على أزماتهم المعيشية المتراكمة.