بين الحقول والمناحل والدكاكين.. مهن جنوب لبنان تقاوم العدوان والركود

برغم الاحتلال والاعتداءات وغياب الدعم الرسمي، يواصل أبناء القرى الحدودية الجنوبية في لبنان الزراعة والصيد والتجارة والحِرف، مكرّسين عودة الحياة إلى قراهم بالإصرار والعمل.

  • أهالي القرى الجنوبية الحدودية مستمرّون في أعمالهم ومصالحهم
    أهالي القرى الجنوبية الحدودية مستمرّون في أعمالهم ومصالحهم

إصراراً على تثبيت الحياة في قراهم، يواصل أبناء القرى الحدودية في جنوب لبنان أعمالهم ويفتحون مصالحهم برغم هدير المسيّرات الإسرائيلية وصدى القذائف والقنابل الصوتية. لم تُرهِبهم التحديات، ولم تدفعهم المخاطر إلى التراجع عن السعي وراء أرزاقهم. بقي الجنوبي في أرضه وعلى شاطئ بحره، يتمسّك بلقمة عيشه، في ظل غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة وأي دعم فعلي يُذكر.

بين قرى الحافة الأمامية والقرى الخلفية، تنبض محاولات يومية لإعادة الحياة إلى تفاصيلها الصغيرة والكبيرة. الأهالي هناك متمسّكون بأرضهم ومهنهم، يعيدون فتح الدكاكين، ويحرثون الحقول، ويؤسسون لبقاءٍ يتحدّى الخطر، رافضين التخلي عن قراهم مهما تعاظمت التضحيات.

"سنزرع كل شبر من أرضنا"

في بلدة عيترون، يقيم حسن فارس في أرضها منذ أكثر من خمسين عاماً، ملازماً ترابها كما لو أنه جزء من تكوينه. المزارع الذي ورث الزراعة أباً عن جد، يواصل عمله برغم العدوان الإسرائيلي الذي استهدف معظم المساحات الزراعية والاستهدافات المتواصلة لبلدته، رافضاً أن تنقطع الصلة بينه وبين الحقول التي نشأ فيها.

إلى جانب زراعة التبغ والحبوب، انخرط فارس في ما يُعرف بـ"الزراعة البديلة" كالينسون والكمّون وغيرها، وهو مسار حديث نسبياً في الجنوب. غير أن الإنتاج الزراعي تراجع بصورة حادّة، بعدما أصبحت نحو 80% من أراضي البلدة غير صالحة للزراعة بفعل الاحتلال والاعتداءات المستمرة. ومع ذلك، يتمسّك فارس بعمله، مؤكداً أنه "لا يوجد متر واحد يمكن الوصول إليه ولم تتم زراعته".

كان يزرع سابقاً نحو 130 دونماً من التبغ إلى جانب الحبوب والخضار، أما اليوم فلا تتجاوز المساحة المزروعة 30 دونماً. وهذا الواقع ينسحب على أكثر من 1360 مزارعاً في البلدة. ويشير إلى تكافل واضح بين الأهالي، وإلى دعم يقدّمه المغتربون، في مقابل غياب شبه كامل لأي دور رسمي.

وبرغم المخاطر الإسرائيلية وغياب الدعم، يجزم بأنه سيواصل الزراعة "ولو بقي شبر واحد منها". وبعد استشهاد ثمانية أفراد من عائلته في الحرب الإسرائيلية الأخيرة، يصف علاقته بالأرض بأنها علاقة "روحية وعضوية"، لأن "ترابها جُبل بدماء أكثر من 150 شهيداً من أبنائها".

 "مستمرّون ببركة دماء الشهداء"

في بلدة البيّاضة الحدودية في قضاء صور، يواصل أحمد أمين مهنة تربية النحل منذ أربعة عقود. وبعد احتراق معظم "المنحل" خلال الحرب، بما يفوق 60 قفيراً، تمكّن من إعادة تأهيل 21 قفيراً فقط.

وتعرّض "وادي حامول"، حيث يقع المنحل، لحريق واسع خلال الصيف، كاد يلتهم القفائر نتيجة القنابل الحارقة التي ألقاها الاحتلال الإسرائيلي لإشعال الحرائق. وبرغم المخاطر اليومية والمسيّرات التي لا تفارق سماء الوادي، أصرّ أمين على إبقاء منحله في مكانه، ونجح هذا العام في إنتاج نحو 200 كيلوغرام من العسل، مقارنة بـ500 كيلوغرام قبل الحرب. وينسحب هذا التراجع على نحو 100 نحّال في قرى قضاء صور.

ويؤكد أمين، الذي يجمع بين تربية النحل وصيد السمك، أنه غير مستعد للتخلي عن مهنته برغم انخفاض مردودها، معرباً عن ثقته بأن "الأحوال ستعود أفضل مما كانت". ويستعيد تجربة عام 2006 حين عاد الإنتاج وازداد لاحقاً، مشدداً على أن الفضل في ذلك يعود دائماً إلى "بركة دماء الشهداء".

ويشير إلى أن النحّالين وصيادي الأسماك لم يحصلوا إلا على وعود بالمساعدة من بعض الجمعيات، فيما بقيت الوزارات المعنية غائبة عن المشهد منذ أكثر من عام.

 الصمود برغم ضعف المردود

في البيّاضة أيضاً، وبرغم تعرّض منزله لدمار جزئي نتيجة غارة حربية، بادر النجّار باسم عليّان إلى ترميم ما استطاع منه، وحوّل إحدى الغرف المُصلحة إلى ورشة نجارة.

يرتّب عليّان أدواته وأخشابه في زوايا الغرفة، وينفّذ ما يتوافر من طلبات، رافضاً الاستسلام للضغوط المعيشية. يعتمد تسعيراً يراعي ظروف الناس، ويقدّم أحياناً خدمات صيانة مجانية لبعض العائلات.

وبرغم أن مردوده اليومي لا يتجاوز أحياناً 20 دولاراً، يصرّ على البقاء في بلدته، ويكمل عمله بأشغال إضافية لتأمين احتياجاته، متنقّلاً بين القرى المجاورة لإنجاز ورش مرتبطة بمهنته، في صورة تختصر إصرار أبناء الجنوب على العمل والبقاء، مهما اشتدّت التحديات. 

مصالح تجارية تتوسّع برغم الظروف

في بلدة الطيبة، صمد حسن حمود طوال فترة حرب الإسناد"حتى أيامها الأخيرة، ولم يُقفل دكانه ولا محال الخضار التي يملكها، لتأمين احتياجات أبناء البلدة الذين بقوا فيها. وبعد نزوح استمر 66 يوماً، عاد سريعاً وأعاد فتح متجره، ولو بإمكانات محدودة.

يدير "أبو علي" عمله اليوم بمساندة زوجته، ويؤكد أنه لو توفرت له فرصة توسيع متجره وتطويره لما تردّد. ويعكس حاله واقع عدد من أبناء البلدة الذين استدانوا لإعادة فتح مصالحهم، تمسّكاً بالبقاء في قريتهم.

وبحسب حمود، يبلغ عدد المقيمين حالياً نحو 550 شخصاً، وتتوفر في البلدة خدمات أساسية تشمل دكاكين وسمانة ومحال لبيع اللحوم والدجاج والخضار وصيدلية وأفران. كما يلفت إلى أن الأهالي النازحين يحرصون عند زيارتهم على شراء حاجاتهم من البلدة دعماً لأبنائها، فيما يعتمد أصحاب المصالح أسعاراً تشجيعية، حتى لسكّان القرى المجاورة.

اخترنا لك