الياميش في مصر.. من طقس رمضاني إلى رفاهية تثقل كاهل الأسر

ارتفاعات قياسية في أسعار الياميش وتراجع القدرة الشرائية يحولان تقليداً رمضانياً عريقاً في مصر إلى عبء طبقي يكشف اتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء.

0:00
  • الياميش في مصر.. من طقس رمضاني إلى رفاهية تثقل كاهل الأسر
    الياميش في مصر.. من طقس رمضاني إلى رفاهية تثقل كاهل الأسر

بدت أرفف محلات العطارة والمتاجر في أقدم الأسواق الشعبية بمصر مكدسة ببضاعة "الياميش" الموسمية التي يزدهر تداولها خلال شهر رمضان المبارك، غير أن حركة البيع والشراء شهدت ركوداً واضحاً وتراجعاً في إقبال المستهلكين منذ شهر شعبان وحتى الأسبوع الأول من شهر رمضان.

والياميش طقس سنوي اجتماعي في مصر، يشهد حالياً ارتفاعات تاريخية تكوي جيوب الطبقات الفقيرة والمتوسطة، التي كانت تتزاحم على شراء تلك المنتجات، المعروفة في المغرب بـ"فاكية رمضان"، وفي تونس بـ"جرمشيات رمضان"، وفي العراق باسمَي "الزبيبة" و"الطرشانة".

 بضاعة أتلفها التضخم وتردي الاقتصاد

تحت ضغوط التضخم وتآكل الدخول وتردي الاقتصاد، "صار الياميش ليس أولوية لملايين الأسر بل السلع الغذائية الأساسية بدلاً من الفواكه المجففة والمكسرات"، بحسب حديث عايدة محمد، ربة منزل، لـلميادين نت.

حالة الفقر التي ترتسم على وجهها تكشف حال الطبقات التي تنتمي إليها، إذ ترى في الياميش "ترفاً يمكن الاستغناء عنه، وتراجع من طقس اجتماعي إلى كاشف طبقي فاضح بين الطبقات في بلد واحد".

وتتساءل الأم لستة أطفال: "كيف أشتري ياميش لا نمتلك سعره؟ أولويتنا توفير السلع الأساسية، بينما الياميش نشتريه وفق احتياجنا اليومي".

وسجلت أسعار الياميش هذا العام ارتفاعات غير مسبوقة، فبلغ سعر الفستق المقشر 1800 جنيه للكيلو (90 دولاراً)، والمشمشية التركي 600 جنيه (نحو 13 دولاراً)، والبندق 365 جنيهاً (8 دولارات)، والبرقوق المجفف الشيلي 350 جنيهاً، وجوز الهند 260 جنيهاً، والكاجو 700 جنيه (14 دولاراً)، وقمر الدين 3 دولارات.

 "فاكهة الضحك" تبكي المصريين

يعود تاريخ الياميش في مصر، وفق مؤرخين، إلى عصر الفراعنة، حين صنعوا من المكسرات واللوز والجوز والزبيب مجسماً لأسد صغير أطلقوا عليه اسم "الإله بس"، إله الضحك والسخرية، لإسعاد الأطفال.

وبرغم توقف العادة لفترة، بحسب كتاب "شهر رمضان في الجاهلية والإسلام" للكاتب أحمد المنزلاوي، فإنها عادت مع الدولة الفاطمية كطقس اجتماعي، حيث كان الحكماء يوزعونها على الفقراء، وتبدّل اسمها من "يامش" إلى "ياميش".

لكن فاطمة محمد، التي تجولت في "سوق الساحل"، تقول: "الإله بس بات يبكينا لا يضحكنا"، مضيفة أن الغلاء "ينهش جيوبنا، فلا بهجة ولا طقوس برمضان إلا من الصلاة والصوم، فالياميش فاكهة للأغنياء ولمن يستطيع".

وتشير إلى أن "كيلو المشمش المجفف يتخطى 800 جنيه، وهي ميزانية أكل وشرب أسبوع لأسرتي، وجوز الهند 600 جنيه، أسعار ليست للفقراء".

 شكاوى التجار وتراجع الإقبال

في أسواق باب الشعرية وباب البحر والعطارين بالأزهر والساحل، يشكو التجار من ضعف الإقبال، إذ يسأل الزبائن عن السعر ثم يغادرون.

خديجة المحلاوي وقفت أمام أحد محلات سوق العطارين، قبل أن تبتعد بخطوات ثقيلة بعد رؤية الأسعار، لأنها "غير قادرة على شراء سلعة ترتفع أسعارها عاماً بعد آخر".

وتقول الأرملة الأربعينية: "كنا نشتري من الياميش ما يكفينا، الآن ننتظر توزيع كراتين رمضان من الجمعيات الخيرية".

ويصف عبد القادر عبد الله، أحد تجار السوق، مستوى الإقبال بالمتوسط بسبب ارتفاع كلفة الاستيراد.

 تقليد سنوي يتحول إلى رفاهية

يرى كريم عمار، معلم بالمرحلة الثانوية، أن "الياميش بقى زي الذهب ورفاهية بعد أن كان تقليداً أسرياً تاريخياً"، مشيراً إلى أن الفقراء يكتفون أحياناً بنوعين مثل البلح الجاف أو التمر الهندي، وقد يشترون باقي الأصناف بالجرامات، لافتاً إلى تزامن رمضان مع النصف الثاني من العام الدراسي كأولوية إنفاق للأسر.

في المقابل، تروّج متاجر إلكترونية لـ"بوكسات" رمضانية فاخرة تصل أسعار بعضها إلى 10 آلاف جنيه (حوالى 200 دولار)، يشتريها الأثرياء، الذين يرون في الياميش طقساً لا يمكن الاستغناء عنه.

وتعترف الحاجة زينب عبد المجيد بأن بعض المنتجات ليست في متناول الفقراء، لكن القادرين لا يستطيعون التخلي عن العادة لالتزامات اجتماعية.

 الاستيراد بين الانكماش والتحسن

ويشير تجار إلى أن أسعار الياميش ارتفعت بنحو 20% هذا العام، وأن غالبية الأصناف مستوردة: اللوز والبندق من أميركا، والمشمشية من تركيا، والقراصيا من المغرب والأرجنتين، فيما يُنتج محلياً الزبيب وقمر الدين.

ويؤكد محمد الشيخ، أحد كبار المستوردين، أن فاتورة الاستيراد تراجعت بنحو 30%، ووصلت ببعض الأصناف إلى 80%، بسبب التضخم وانكماش الطلب.

لكن وائل سعدة، عضو شعبة العطارة بالقاهرة، يقول إن حركة الاستيراد تحسنت هذا الموسم بعد انفراجة الإجراءات المصرفية وتوافر العملة الأجنبية، برغم ارتفاع أسعار بعض المنتجات 50%.

 تدخل حكومي ومبادرات دعم

ودشنت الحكومة مبادرات لتوفير الياميش بأسعار مناسبة، عبر 360 فرعاً من معرض "أهلاً رمضان" و600 سوق ضمن "أسواق اليوم الواحد"، بتخفيضات تصل إلى 30%.

كما أطلقت مرحلة جديدة من مبادرة "كلنا واحد" عبر 4697 منفذاً تجارياً، وقرابة 8 آلاف منفذ لوزارة التنمية المحلية و600 منفذ للزراعة، وضخت السلع وياميش رمضان بأسعار مخفضة، بل منحته عبر بطاقات التموين.

وأقرت حزمة للحماية الاجتماعية تتضمن دعماً نقدياً مباشراً للفئات المستحقة، وهي مبادرات يراها رزق جمال، عضو شعبة المواد الغذائية، "جيدة وتلعب دوراً فاعلاً في تخفيف أعباء المصريين".

اخترنا لك