العقيق والتربة والسبح.. الزيارات الدينية تُحيي الحرف التقليدية في كربلاء

الزيارات المليونية إلى كربلاء أعادت إنعاش الحِرف التقليدية وخلقت فرص عمل واسعة، برغم استمرار تحديات البنية التحتية وضعف الاستثمار والترويج.

0:00
  • الحرف التقليدية في كربلاء.. سبات تنعشه السياحة الدينية
    الحرف التقليدية في كربلاء.. سبات تنعشه السياحة الدينية

في منطقة "البوبيات" على أطراف سوق "السدرة" القريب من مقام الإمام الحسين في مدينة كربلاء العراقية، يقف حسين محمد داخل محلّه الصغير المخصص لصناعة خواتم الفضة، وأمامه مجموعة من الزوّار البحرينيين، ليشرح لهم قيمة أحد الخواتم التي يصنعها بيده بطريقة حرفية، وكيف أثقلها بحجر "العقيق" المميز حتى أصبح الخاتم تحفة فنية فريدة. 

محل الحاج "أبو علي" الصغير يستقبل طوال العام زوّاراً من مختلف البلدان الإسلامية، الذين يقصدون كربلاء المقدسة لزيارة الإمام الحسين، وهو ما مكّن "أبو علي" من الحفاظ على مهنته برغم الصعوبات الكبيرة التي تواجهها، وخاصّة ما يتعلق بالمنافسة التجارية مع محلّات الفضيّات الحديثة التي تعتمد على الآلات المتطورة في العمل.

وفي هذا السياق يؤكد حسين محمد للميادين نت أن السياحة الدينية النشطة على مدار العام في كربلاء ساهمت إلى حدٍ كبير في إنعاش القطاع الحرفي التقليدي والحفاظ على وجوده كقوة فاعلة في الاقتصاد العراقي، إضافة إلى تأثيرها المباشر على زيادة النشاط التجاري وخلق فرص العمل والحفاظ على مهن عديدة من الاندثار، وخاصّة خلال السنوات الأربع الماضية، حيث شهدت هذه الفترة زيادة كبيرة في عدد الزوار، ليس فقط في المناسبات الدينية الرئيسية وإنما طوال العام.

ويشير "أبو علي" إلى أن الفترة التي تبعت إسقاط صدام حسين ودخول الاحتلال الأميركي كانت سلبية للغاية، واختفت المهن اليدوية بشكل شبه كامل، واستمر هذا الأمر لأكثر من 12 عاماً، لافتاً إلى أنه اضطر للعمل على سيارة أجرة لتأمين مصروف عائلته، قبل أن يعود في العام 2016 للعمل في مهنته الأساسية.

يقول "أبو علي": "واجهت في البداية صعوبات كبيرة، فأصحاب المحلّات التجارية تحوّلوا إلى الآلات الحديثة في العمل، والتي لا تعتمد على الجودة بقدر ما تعتمد على الكم الكبير من الإنتاج، كما أن المهنة باتت مُباحة أمام التجار الذين يستوردون الفضيّات من الخارج ويبيعونها في الأسواق المحلية بقصد التجارة. أما الصعوبة الأكبر فكانت بتوافد الزائرين في المناسبات الدينية الرئيسية مثل زيارة الأربعين وزيارة النصف من شعبان، لكن السياحة الدينية شهدت قفزة هائلة منذ العام 2022، وهو ما ساعدني في الحفاظ على مهنتي وتطوير عملي".

حال "أبو علي" لا يختلف كثيراً عن حال أصحاب المهن الحرفية في مدينة كربلاء، فالسياحة الدينية وارتفاع معدلات الزوّار إلى مستويات قياسية ساهم في الحفاظ على المهن التقليدية القديمة مثل: صناعة الترب والسبح، وصناعة الفخار والكاشي الكربلائي، وصياغة الذهب، وخياطة العبي، والنجارة.

خلق فرص العمل

بالقرب من محل حسين محمد في منطقة "البوبيات"، يقف عدد من أصحاب العربات الخشبية، ذات الثلاثة إطارات، بانتظار حافلات الزوّار اليومية الوافدة إلى المنطقة، حيث تكمن مهمة هؤلاء في نقل الحقائب والأمتعة إلى داخل "الولاية" - المنطقة المحيطة بمقامي الإمام الحسين ومقام أخيه أبي الفضل العباس وسط كربلاء والتي يُمنع دخول السيارات إليها - مقابل الحصول على أجر مادي.

وأدى انتعاش السياحة الدينية داخل كربلاء إلى خلق مئات فرص العمل للفئات الأشد فقراً، حيث عمد الكثيرون إلى شراء عربات خشبية بتكلفة مالية قليلة للعمل بمجال النقل الشخصي، عبر الوقوف عند المداخل الرئيسية لـ "الولاية"، ونقل حقائب الزوّار من الحافلات إلى الفنادق، وبالعكس، مقابل الحصول على مبلغ يتراوح بين 2000 إلى 5000 دينار (3 دولارات)، حسب المسافة والكمية.

كما فتح قطاع السياحة الدينية الباب أمام توفير آلاف فرص العمل للشباب العراقي في قطاعات مختلفة، مثل: الفنادق، والمطاعم، والمواصلات، والصناعات التقليدية.

هذا الأمر يكشف أهمية السياحة الدينية في تحريك الاقتصاد المحلي، ودورها الفعّال في مشروع تنويع مصادر الدخل الوطني، من خلال تقليل الاعتماد على الاقتصاد الريعي القائم على النفط، وفتح آفاق جديدة لزيادة الإيرادات المالية بالاعتماد على السياحة، بدون إغفال دور هذا القطاع في تعزيز الصورة الحضارية للعراق أمام العالم.

الأسواق الشعبية تضجّ بالزوّار

وسط سوق "السدرة" في كربلاء، يصل أحد الأفرع إلى مقام علي الأكبر ابن الحسين، والذي يقع في قلب حيّ شعبي؛ منازله قديمة، وحاراته ضيّقة، إلا أنه يعتبر موطناً لمحلات المهن التقليدية، ولا سيما صياغة الذهب والفضة، والزخارف، وصناعة الترب والسبح، وتحوّل هذا المكان خلال السنوات الماضية إلى مقصد للزوّار العرب والأجانب الذين يقصدون كربلاء.

وتُعتبر صناعة الترب والسبح في كربلاء إحدى أهم الحرف اليدوية التي ترتبط بالتراث الديني والثقافي للمدينة، فهي تمثل رمزاً للولاء والمحبة للإمام الحسين، وغالباً ما تستخدم التربة للتبرك والاستشفاء والسجود.

وفي هذا السياق يقول الحرفي جعفر غيث للميادين نت إن صناعة التربة هي عملية متقنة، تبدأ من استخراج تراب كربلاء القريب من مقام الإمام الحسين، وخلطه بالمياه، ثم طحنه وتصفيته لإزالة الشوائب منه، ليتم تشكيل التربة أو السبحة بطريقة يدوية أو من خلال استخدام آلات حرفية مخصصة لهذه الغاية.

ويضيف غيث: "واجهت هذه المهنة خلال السنوات الماضية مزاحمة المصانع الحديثة، التي تعتمد على إنتاج كميات ضخمة من الترب والسبح، بدون مراعاة للقيمة الدينية والأثرية لنوع التراب المستخدم أو لطريقة الصناعة التقليدية، وغالباً ما تُباع هذه المواد بأسعار زهيدة للغاية ما يجعلها مرغوبة من شرائح واسعة، لكن بالمقابل فإن الترب والسبح الأصلية المشغولة بطريقة يدوية ما تزال تحظى بمكانة فريدة، خاصّة لدى الزوّار غير العراقيين، الذين يقصدون كربلاء للحصول عليها والتبرك بها".

ويؤكد غيث أن الزوّار العرب والأجانب هم المحرّك الرئيسي للحرف اليدوية في كربلاء، وهم السبب في إعادة الحياة إلى عشرات المحلات والورشات الصغيرة، بعد أن كانت في طريقها إلى الاندثار نتيجة الظروف القاسية التي واجهها العراق عقب الاحتلال الأميركي.

تحديات كبيرة

تعد السياحة الدينية في كربلاء مورداً اقتصادياً هاماً، وتستقطب ملايين الزوار سنوياً لزيارة العتبات المقدسة، وخلال العام الماضي بلغ عدد زوّار المدينة خلال الزيارة الأربعينية أكثر من 21 مليون زائر، وفق ما أعلنته العتبة العباسية المقدسة، في إحصائية توثّق المكانة الفريدة التي تتمتع بها المدينة على مستوى العالم، إلا أن قطاع السياحة الدينية يواجه تحديات عديدة على مستوى الخدمات الأساسية والبُنى التحتية.

وتؤكد مصادر محلية أن قطاع السياحة الدينية في كربلاء يعاني من نقص الاستثمار في الفنادق، وعدم توفّر وسائل النقل المريحة، وغياب تعبيد الطرق، وضعف خدمات الاتصالات، على الرغم من الجهود الحكومية المبذولة لتلافي هذه المشاكل، وتحديداً فيما يتعلق بتعبيد الطرق بين المحافظات.

وعلى الرغم من وجود أكثر 450 فندقاً سياحياً في كربلاء، إلا أن البنية الفندقية والخدمية لا تزال قاصرة عن تلبية الاحتياجات المتزايدة للكم الهائل من الزوّار سنوياً، خصوصاً أن الاعتماد شبه الكامل في القطاع الفندقي يقع على عاتق القطاع الخاص.

ومن التحديات التي يواجهها قطاع السياحة الدينية في كربلاء أيضاً ضعف التسويق والترويج، حيث تُعتبر الحملات الترويجية الدولية نادرة، مع غياب المحتوى الإعلامي الحديث لإبراز مكانة المدينة الدينية والتاريخية.

وبرغم ذلك تظل السياحة الدينية في العراق ثروة دينية وثقافية واقتصادية هائلة، لكنها بحاجة إلى مزيد من الدعم والاستثمار الأمثل لتحقيق الازدهار المنشود، مما يتطلب إرادة حقيقية وخططاً مدروسة لتجاوز التحديات القائمة، حتى تتحول إلى محرك أساسي للتنمية المستدامة والشاملة.

اخترنا لك