العدوان الكيميائي على القرى الحدودية: إبادة زراعية جنوبيّ لبنان
تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الجنوبية في لبنان، حيث تُستخدم الطائرات الإسرائيلية لرش مواد كيميائية تدمّر الزراعة وتؤثر على البيئة في قرى الحافة الأمامية، مما يفاقم من معاناة المزارعين والقطاع الزراعي.
-
العدوان الكيميائي على القرى الحدودية: إبادة زراعية جنوبيّ لبنان
تستمرّ الاعتداءات الإسرائيلية على القرى والبلدات الجنوبية في لبنان، باستخدام أساليب متعددة تقضي على كافة مقومات الحياة. فلم يكتفِ الاحتلال الإسرائيلي بتدمير المباني السكنية والبنى التحتية، ولا بتهجير أهل الأرض، بل عمد أيضاً إلى استهداف سُبل عيش الجنوبيين المرتبطة بشكل مباشر بالأراضي الزراعية، وذلك من خلال رشّه، يوم الاثنين الماضي، مواد مبيدة للنباتات والأشجار والكائنات الحية، في محاولة ليست الأولى، لكنها الأكثر وضوحاً.
ووُصفت المواد الكيميائية التي رُشّت على أحراج وأراضي القرى الحدودية الواقعة في القطاع الغربي والأوسط بالمجهولة. وتعقيباً على الحادثة، يؤكد وزير الزراعة اللبناني نزار هاني في حديث للميادين نت، أن المادة التي رشتها طائرات الاحتلال في عيتا الشعب ورامية ومروحين هي "مبيد أعشاب"، واستناداً إلى نتائج فحوصات مخبرية أُجريت على 4 عينات تسلمتها وزارة الزراعة، تضمنت عينات من التربة، والأعشاب، وأوراق الأشجار، أفاد بأنّ المادة المستخدمة هي Glyphosate، وهي مادة سُجلت كمبيد في الولايات المتحدة الأميركية سنة 1974.
وأوضح هاني أن هذه المادة ممنوعة الاستخدام في لبنان والاتحاد الأوروبي بحسب القوانين، وتهدف إلى القضاء الكامل على الغلاف النباتي، وتحويل المناطق المُستهدفة إلى أراضٍ خالية من النباتات والأشجار، ما يُخلف آثاراً سلبية وخطيرة على التربة والمياه الجوفية وصحة السكان. وأكد أنّ ما جرى يعدّ "كارثة بيئية"، خصوصاً عند مقارنته باستخدام الفوسفور الأبيض سابقاً، والذي أدى إلى خسارة مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية والأحراج، ما يُعتبر "إبادة زراعية مُمنهجة يجري استكمالها على طول الحدود الجنوبية، بالإضافة إلى التدمير المُستمر، والتهجير القسري، منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان".
تحذيرات ومطالب بتحرك دولي عاجل عقب نثر طائرات الاحتلال مواد كيميائية فوق أراضٍ في الجنوب.#لبنان #الميادين_لبنان pic.twitter.com/SEVZlCukgl
— الميادين لبنان (@mayadeenlebanon) February 3, 2026
من جهتها، أكدت مصادر في اليونيفيل للميادين نت أن تحليق الطائرات الإسرائيلية فوق الأجواء اللبنانية يُعدّ انتهاكاً للقرار 1701، ويثير قلقاً بالغاً لأنه يُعرّض قوات اليونيفيل والمدنيين للخطر. وأشارت المصادر إلى أن القوات ألغت أكثر من اثنتي عشر نشاطاً، بعد أن طلب منها جيش الاحتلال الإسرائيلي صباح الأحد عدم الاقتراب من المنطقة التي ستُلقى فيها المواد الكيميائية.
ويكشف بحث لفريق الهندسة المعمارية الجنائية – Forensic Architecture في لندن، عن اعتماد جيش الاحتلال الإسرائيلي عمليات تجريف الأراضي الزراعية والسكنية بالقرب من الحدود الشرقية لقطاع غزة عام 2014، باستخدام الرشّ الجوّي غير المعلن من خلال مبيدات الأعشاب. ويذكر البحث أن هذه الممارسات التي استمرّت طيلة السنوات السابقة، لم تدمر المساحات الزراعية الشاسعة على طول السياج الحدودي فقط، بل دمرت المحاصيل والأراضي الزراعية على عمق مئات الأمتار داخل الأراضي الفلسطينية الواقعة خارج سيطرة الاحتلال حينها.
انهيار القطاع الزراعي يُهدد الواقع الاجتماعي والاقتصادي
"ليست هذه المرة الأولى التي ترشّ طائرات الاحتلال الأراضي الزراعية بالمواد المجهولة، وفي العملية الأخيرة جرى رش أكثر من 100 هكتار"، يقول رئيس بلدية رامية عباس عيسى للميادين نت. وأشار إلى أن رامية من أكثر القرى تضرراً من جراء عمليات القصف والرش المتكررة، مؤكداً أن عمليات الرش ليست جديدة، إلا أنها كانت تُنفذ في السابق من خلال الطائرات المسيرة الصغيرة – الدرونز، أما العملية الأخيرة فكانت باستخدام طائرة زراعية كبيرة. ولفت إلى أنّ البلدة تعرضت للرش في بداية جبهة الإسناد عام 2023، وخلال معركة أولي البأس عام 2024.
وتُعدّ رامية القرية الأكثر استهدافاً في المنطقة، بحسب عيسى، حيث يكاد الرش يشمل كامل مساحتها نظراً لاحتوائها على أحراج واسعة وبساتين زيتون وسنديان، وأراضٍ زراعية في مرج رامية. واللافت، هو توقيت عملية الرش الأخيرة، قبل بداية فصل الربيع، حيث تبدأ النباتات بالنمو.
وينعكس الضرر الزراعي على الواقعين الاجتماعي والاقتصادي في البلدة، فمع تدمير كل مقوّمات الصمود الزراعي، لم يعُد للأهالي ما يمكن إنتاجه للاستهلاك أو البيع، في ظل اعتماد عدد كبير من العائلات على مردود الزيتون كمصدر أساسي للدخل. ويكاد إنتاج الزيتون يكون معدوماً بالكامل هذا العام مقارنة بالسنوات السابقة. فأكثر من 300 منزل كانت تنتج حوالى 20 إلى 30 تنكة زيت للبيت الواحد، أصبح إنتاجها اليوم صفراً نتيجة منع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم، إضافة إلى عمليات القصف والرش المتكررة. وبرغم محاولة عدد من الأهالي جمع المحصول، لكنهم لم يجدوا ما يمكن حصاده. وقد انعكس هذا الواقع على الصعيد الاجتماعي، فقد كانت عائدات الزيتون تشكل مصدراً رئيسياً لتأمين تعليم الأبناء في المدارس والجامعات، فيما بات اليوم المدخول معدوماً في ظل عجز الأهالي عن تحمّل تكاليف التعليم.
ولم يقتصر الضرر على الزيتون فقط في بلدة رامية، حيث توقفت زراعة التبغ بالكامل (من 26 ألف شتلة إلى صفر)، وفق عيسى، كما فُقد موسم الخضروات من البندورة والخيار واللوبيا، عوضاً من شجر الغار الذي كان يُستخدم في صناعة صابون الغار. وتم القضاء على الأزهار ما أدى إلى تدمير موسم النحل أيضاً. ومن أبرز النتائج المضرة للرش بالمواد الكيميائية، هو تحول لون الحشيش اليابس إلى البني الغامق بدلاً من الأصفر.
يقول المُزارع فضل صالح، ابن بلدة رامية: "أملك سبعة دونمات من الزيتون، كنت أنتج منها سنوياً نحو 15 تنكة زيت، لكن خلال السنتين الماضيتين 2024-2025، لم أحصد ولا حبة واحدة، بسبب عدم حمل الأشجار". ويرجح صالح أن الاحتلال رشّ مواد كيميائية خلال فترة جبهة الإسناد، لأن زهر الزيتون لم يعقد، ولم يحصد أي من أهالي البلدة شيئاً. ويضيف: "كان لدي أيضاً عشرة دونمات أزرعها حبوباً وخضروات، وكانت تؤمن لي مدخولاً يقارب 2000 دولار شهرياً، أما اليوم فلم نعد قادرين على زراعتها ولا الاستفادة منها".
كما اضطر إلى نقل خلايا النحل التي يملكها إلى الساحل، ما ارتدّ عليه بخسارة كبيرة، فلم يعد ينتج منها سوى موسم واحد فقط. ويرى فضل صالح أنّ المبيدات التي جرى رشّها تُلحق أضراراً كارثية بالأراضي الزراعية المعتمدة على الأسمدة العضوية، وتؤدي إلى إتلاف الأزهار وتيبيس الأشجار والسنديان، كما حصل خلال عمليات الرشّ السابقة. علماً أن هذه المواد تقضي على النحل والحشرات، ما يوقف الإنتاج الزراعي ويهدد صحة الإنسان والبيئة، فضلاً عن تلويث المياه الجوفية. وكتأثير مباشر أيضاً، كان اعتماد الأهالي في فصل الشتاء على الأعشاب البرية مثل الزعتر والهندبة والعكّوب وقرص عنّة والبقلة والشومر، وصيفاً على ورق العريش، للأكل والاستهلاك، لكن هذه النباتات اختفت اليوم نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالأراضي الزراعية.
وفي حديث مع رئيس بلدية عيتا الشعب أحمد سرور حول تعرض البلدة للرش، أكد للميادين نت أن المواد الكيميائية والقصف أدى إلى تراجع عدد المزارعين في القرية، التي تعتمد بشكل كبير على زراعة التبغ والحبوب. وبرغم حماسة الأهالي للعودة إلى الزراعة، لكن القيود المفروضة واستمرار العدوان يحولان دون ذلك.
تجدر الإشارة إلى أن القطاع الزراعي جنوبي لبنان يحتاج إلى ما يُقارب 263 مليون دولار أميركي، لإعادة الإعمار والتعافي، مع إعطاء أولوية للعام 2025/26 لما يُساوي 95 مليون دولار. وهناك حاجة إلى 32 مليون دولار للمساعدة الطارئة في إعادة تشغيل الزراعة وتربية الماشية ومصايد السمك. وقد تكبد القطاع أضراراً بقيمة 118 مليون دولار، وخسائر بقيمة 586 مليون دولار أميركي بحسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة حول الأضرار الزراعية نتيجة العدوان الإسرائيلي (تشرين الأول 2023- تشرين الثاني 2024).