الزراعة تنتعش والمنازل تنهار: وجهان متناقضان للسيول في العراق

اجتاحت السيول محافظة السليمانية مسبّبةً خسائر بشرية ومادية كبيرة، وكاشفةً عجز شبكات التصريف أمام الهطولات الغزيرة. وبينما تتواصل التحذيرات من منخفضات جديدة، يعوّل العراق على الأمطار لإنعاش الزراعة برغم تفاقم أزمة الجفاف المزمن.

0:00
  • الزراعة تنتعش والمنازل تنهار: وجهان متناقضان للسيول في العراق
    الزراعة تنتعش والمنازل تنهار: وجهان متناقضان للسيول في العراق

لم يكن أهالي محافظة السليمانية في إقليم كردستان شمال العراق، يعتقدون أن الأمطار التي انتظروها هذا الشتاء ستكون نقمة عليهم، فالهطولات المطرية الغزيرة سرعان ما تحولت إلى سيول جارفة اجتاحت الأحياء السكنية، ووصلت إلى المنازل والمحال التجارية، متسببة بأضرار بشرية ومادية كبيرة.

3 وفيات وعشرات الإصابات خلّفتها السيول الجارفة التي اجتاحت المحافظة خلال الشهر الحالي، في حين تمكنت فرق الدفاع المدني من إجلاء عدد من المدنيين الذين احتجزتهم المياه ضمن مناطق يصعب الخروج منها.

منازل طينية تهدمت، وأبنية سكنية تضررت، ومحلات تجارية تحطمت، وجسور عديدة انهارت، هكذا بدا المشهد في السليمانية بعد انحسار موجة السيول العنيفة التي اجتاحت المحافظة.

"لا أعرف أين الإجراءات الوقائية اللازمة للتعامل مع مثل هذه الكوارث؛ لقد تحول بيتي إلى ركام"، هكذا عبّر عثمان بابان من محافظة السليمانية عن وضعه للميادين نت، بعد انهيار أجزاء من بيته من جراء السيول الجارفة التي اجتاحت المحافظة قبل أيام، في ظل عدم قدرة شبكات التصريف على مواجهة الهطل المطري الغزير.

يقول بابان وهو بائع خضار متجول على عربة صغيرة: "هذا المنزل الصغير هو المكان الذي يأوي عائلتي المكونة من 5 أفراد. إعادة الترميم ستكلّفني مبالغ كبيرة، ولا أعرف إن كانت الجهات الحكومية في كردستان ستتكفل بمساعدتي لإعادة المنزل إلى وضعه الطبيعي".

ومع الحديث عن وجود منخفضات جوية مقبلة في فصل الشتاء، طالب بابان بإيجاد حلول سريعة وفعّالة لمساعدة الأهالي على مواجهة حالات الطوارئ والسيول المحتملة، وخاصّة ما يتعلّق بأبناء الطبقة الفقيرة من أصحاب البيوت القديمة غير القادرة على مواجهة الكوارث البيئية.

الواقع في محافظة السليمانية بعد الأمطار الغزيرة لا يختلف كثيراً عما جرى في باقي المحافظات العراقية، والتي تحولت شوارعها إلى بركات مائية عائمة نتيجة الهطل المطري الغزير، حيث عجزت شبكات تصريف المياه عن مواجهة السيول الجارفة، مما أدى إلى تضرر واسع في البُنى التحتية.

تحذير جوي

ترافقت الأمطار في المدن العراقية خلال الأيام الماضية مع تشكل ضباب كثيف، ما أدى لتعليق الرحلات الجوية لفترات متقطعة ضمن مطارات البلاد، إضافة إلى وقوع حوادث سير على الطرقات السريعة بين المحافظات.

الهيئة العامة للأنواء الجوية والرصد الزلزالي حذّرت من استمرار الحالة الجوية الممطرة، وما يصاحبها من اضطرابات جوية في مناطق الوسط والجنوب والشرق، مع احتمالات مرتفعة لتشكل السيول في عدد من المحافظات. 

وشددت الهيئة على خطورة الأمطار الغزيرة المصحوبة بالعواصف الرعدية، داعية المواطنين إلى الابتعاد عن الأودية والمناطق المنحدرة، خصوصاً في شرق محافظات ميسان وواسط وديالى، التي تبقى فيها احتمالات السيول قائمة. 

كما أعلن قسم التنبؤ الجوي في العراق، عن تأثر البلاد بحالة جوية نادرة متعددة المسارات، تتسبب بهطول أمطار متفاوتة الشدة في عدد من المحافظات، مع تقلبات واضحة في مسار المنخفض الجوي.

انتعاش الأراضي الزراعية

في ظل استمرار الهطولات المطرية على مختلف المحافظات العراقية، أعلنت وزارة الزراعة عن إعداد خطة لزيادة المساحات الزراعية، وخاصّة محصولي الحنطة والشعير.

وقال وكيل وزارة الزراعة، مهدي سهر الجبوري، إن الأمطار الأخيرة وفّرت ريّة كاملة للمحاصيل المزروعة، كما أسهمت في رفع مناسيب نهري دجلة والفرات وزيادة التخزين المائي في السدود، ما قد يعزز استقرار الموسم الزراعي الحالي.

ودعت الوزارة المزارعين إلى الإسراع في تهيئة الأراضي وزراعة الحنطة والشعير العلفي، واستثمار الظروف المناخية الملائمة لزيادة المساحات المزروعة، مع الالتزام بزراعة المحاصيل في مواسمها المحددة.

وأكدت الوزارة أن هذه الخطوة تأتي ضمن جهود دعم القطاع الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي، من خلال تحسين إدارة الموارد المائية وزيادة إنتاج المحاصيل الاستراتيجية في البلاد.

المزارع علي جابر من محافظة كربلاء يقول للميادين نت إن الأمطار التي هطلت خلال الأيام الماضية أنعشت الموسم الزراعي وأعادت الحياة للأرض بعد أشهر طويلة من الجفاف وشح المياه، الذي تسبب بخسائر كبيرة للمزارعين في ظل غياب الموارد المائية اللازمة لحقولهم الزراعية، لكن الأمطار الأخيرة غيّرت كل شيء.

ويتابع جابر: " لا يمكن للفلاحين الاعتماد بشكل مستمر على مياه الينابيع أو استجرار مياه الأنهار، فمعظم الينابيع في الأراضي الزراعية على أطراف كربلاء تعرّضت للجفاف، كما انخفضت مياه الأنهار إلى مستويات متدنية، والأرض بحاجة إلى الأمطار لتعويض النقص الحاد في المياه، وربما تكون الهطولات الأخيرة مقدمة لموسم مطري غني يعيد الحياة للأنهار والسدود والأراضي الزراعية.

هل تتغلب الأمطار على الجفاف؟

يواجه العراق أزمة جفاف غير مسبوقة تعد الأسوأ منذ أكثر من 90 عاماً، حيث أطلقت وزارة الموارد المائية العراقية قبل أشهر تحذيراً من تداعيات الجفاف الخطيرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

وأكدت الوزارة أن هذا العام هو الأكثر جفافاً منذ عام 1933، مبيّنة أن إيرادات نهري دجلة والفرات وصلت إلى 27% فقط مقارنة بالعام الماضي، وأن مخزون المياه في السدود والخزانات انخفض إلى 8% من قدرتها التخزينية بنسبة تراجع بلغت 57% عن العام الماضي.

أمام هذا الواقع، أعادت الهطولات المطرية الأخيرة الحديث عن إمكانية حل مشكلة الجفاف أو الحد منها على أقل تقدير، لكن المعطيات الحالية تؤكد أن كميات الأمطار، برغم غزارتها في بعض المناطق، لم تُحدث تحولاً جوهرياً في واقع التخزين المائي، ولا تزال الحاجة قائمة لحلول مستدامة وجذرية.

وفي هذا السياق، كشف مرصد "العراق الأخضر" أن الأمطار الأخيرة، برغم غزارتها، لم ترفع التخزين المائي سوى بنسبة تتراوح بين 1 إلى 2%.

وذكر المرصد أن محافظة السليمانية تصدرت المناطق من حيث كمية الأمطار بـ86 ملم، تلتها ذي قار بـ11.5 ملم، بينما سجلت مدينة الأعظمية أعلى كمية هطول في بغداد بـ11.4 ملم.

ونظراً لخطورة الوضع المائي، دعا المرصد إلى استغلال الموجات المطرية في تعزيز مياه السدود والخزانات، خاصة في المحافظات التي تعاني من نقص مزمن في المياه، وتحديداً في الأهوار التي لا تزال بحاجة ماسة لمزيد من السيول لإعادة التوازن البيئي والمائي.

وتكشف مصادر حكومية أن العراق بحاجة إلى أكثر من 100 مليار متر مكعب من المياه، بعد انخفاض المناسيب في نهري دجلة والفرات، مما أدى إلى حدوث موجات جفاف واسعة في المناطق الجنوبية والوسطى والأهوار.

وفي ظل الواقع الحالي؛ يعوّل العراق اليوم على استمرار الهطولات الغزيرة خلال الشتاء الحالي، لتعويض النقص المائي الحاد وترميم مخزون الأنهار والسدود، بالمقابل فإن الجهات الحكومية مطالبة بإيجاد حلول واقعية ومُستدامة مع دول الجوار، وخاصّة تركيا، من أجل إطلاق كميات إضافية من مياه نهري دجلة والفرات لمواجهة حالة الجفاف المستمرة داخل العراق، كما أن الأجهزة الحكومية مطالبة أيضاً بترميم شبكات التصريف لتكون أكثر قدرة على مواجهة الهطولات المطرية، وإعداد خطط طوارئ للتعامل مع الكوارث البيئية لمنع تكرار ما حصل خلال الأيام الماضية.

اخترنا لك