الرعاية الصحية والسياسة في فرنسا: ألف يورو لكل ولادة؟
في ظل الضغوط المالية والديموغرافية، أطلقت بلدية سان أمان-مونرو في فرنسا مبادرة منح قسائم شراء لتحفيز النساء على الولادة في مستشفى محلي، في محاولة لإنقاذه من الإغلاق.
-
الرعاية الصحية والسياسة في فرنسا: ألف يورو لكل ولادة؟
تعيش فرنسا منذ سنوات حالة نقاش مفتوح حول مستقبل مستشفيات التوليد الصغيرة، وسط ضغوط ديموغرافية ومالية لا تنفك تتصاعد. وفي هذا السياق، برزت خطوة غير مألوفة في بلدية سان أمان-مونرو، حين قرر رئيسها إطلاق مبادرة بدت لكثيرين محاولة رمزية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما اعتبرها آخرون خروجاً عن منطق السلامة الطبية وتحايلاً على جوهر المشكلة.
الحالة نفسها تمثل موضوعاً بالغ الأهمية في دول غربية عديدة، حيث يتسع الجدل حول الولادات بصورة عامة، وحول هوية هذه الولادات بصورةٍ أكثر خصوصية، والنمط الدارج الآن من السياسات المنطلقة من مخاوف يمينية حول هوية الدول الغربية والتهديدات التي تلحظها تلك القوى، من أن تذوب الأغلبية البيضاء في ديموغرافيا متحركة يعيد المهاجرون تشكيلها، بناءً على ضروراتٍ اقتصادية، ومعطيات ديموغرافية سلبية في المجتمعات الرئيسية.
الفكرة الفرنسية الجديدة تقوم على منح قسيمة شراء قيمتها ألف يورو لكل امرأة تختار أن تلد في مستشفى التوليد المحلي خلال عام 2026. خطوة تبدو للوهلة الأولى كعرض تحفيزي بسيط، لكنها في العمق تعكس قلقاً متراكماً من إغلاق المستشفى الوحيد الذي بقي في المنطقة. فعدد الولادات السنوي انحدر إلى نحو 200 ولادة، في حين تشترط المعايير الفرنسية ألا يقل العدد عن 300 ولادة للحفاظ على مستوى مقبول من الخبرة والتأهب. أي اختلال في هذا الشرط يعني عملياً أن المستشفى يقف على حافة قرار إداري قد يسلب المنطقة إحدى أهم خدماتها الأساسية.
بالنسبة إلى رئيس البلدية، إيمانويل ريوته، القضية لا تُختصر بلغة الأرقام. فهو يرى في المستشفى أكثر من وحدة طبية، بل جزءاً من هوية المنطقة وركناً من أركان بقاء السكان في محيطهم. إغلاقه سيعني -بنظره- دفع الأهالي إلى القبول بانسحاب الدولة من مسؤولياتها، والقبول بأن الخدمات العامة تتقلص كلما ابتعدت المدن الصغيرة عن المراكز الكبرى. لذلك يتعامل مع مبادرته بوصفها محاولة لإنعاش نبض المكان، وليس مجرد عملية حسابية لرفع عدد الولادات.
لكن هذا المنطق لم يلقَ استقبالاً طيباً لدى النقابات الطبية. فعدّة نقابات وصفت المبادرة بأنها "غير أخلاقية"، لأن السلامة الطبية لا يُفترض أن تخضع للإغراءات المالية. فالمشكلة، كما تقول هذه النقابات، لا تكمن في عدد الولادات وحده، بل في ما يترتب على هذا الانخفاض من ضعف في التدريب العملي والطوارئ والاستجابة السريعة. والمستشفيات الصغيرة، عندما يقل نشاطها إلى حدّ معيّن، تفقد تلقائياً شروط الأمان التي تعتمد عليها السلطات في تقييم جاهزيتها.
رأي الأطباء المحليين في هذه القضية يكتسب أهمية كبيرة، إحدى هؤلاء الطبيبة آن غيفروا-فيرنيه التي صرحت لوكالة إعلامية أوروبية بما هو أبعد من ذلك، معتبرة أن المكافأة قد تدفع بعض النساء إلى تفضيل مستشفى أقل تجهيزاً من مراكز أخرى أقرب وأكثر مأمونية، فقط للحصول على الحافز المالي. بالنسبة إليها، المشكلة بنيوية: نقص في الطواقم، صعوبات في تأمين المناوبات، واستحالة استمرار وحدات توليد صغيرة في وقت تعاني فيه حتى المستشفيات الكبرى من نقص حاد في الأطباء والممرضين. وتضيف أن المبادرة، مهما بدت جذّابة، لن تغيّر شيئاً في العام التالي، لأن الجذور العميقة للأزمة ستبقى على حالها.
البعد السياسي حاضر دائماً في أي نقاشٍ اجتماعي
ولم يغب البعد السياسي عن هذا الجدل. ففريوته ينتمي إلى حزب "الجمهوريون" ويخوض انتخابات بلدية بعد أشهر، ما دفع بعض خصومه إلى اتهامه بتسخير ملف حساس لمصلحة معركة انتخابية. لكنه يرفض هذا الاتهام، مؤكداً أن النقاش حول مستقبل المستشفى يعود إلى سنوات، وأن المبادرة ليست وليدة حملة انتخابية بل نتيجة شعور حقيقي بأن المرفق يتجه نحو الإغلاق ما لم يحصل تحرك فعلي.
اللافت في هذه القضية أنها لا تتعلق ببلدية واحدة، بل تفتح الباب على سؤال أوسع: كيف يمكن لفرنسا أن توفّق بين الكفاءة الطبية من جهة، والعدالة الجغرافية من جهة أخرى؟ إذ يزداد الإحساس في المناطق البعيدة عن باريس والمراكز الكبرى بأن السياسات الصحية تعتمد منطق التركيز، أي تعزيز المراكز الكبيرة وترك الوحدات الصغيرة تموت تدريجياً. هذا التوجّه، وإن كان منسجماً مع حسابات السلامة والتكلفة والفعالية، يترك أثراً اجتماعياً عميقاً، إذ يجعل السكان يشعرون بأنهم يُدفعون إلى الهامش.
من منظور البلدية، الولادة ليست فعلاً طبياً فحسب، بل علاقة بين المجتمع والبنية التحتية التي تحمله. ولهذا السبب خصّص ريوته القسيمة بحيث تُصرف لدى صغار التجار المحليين، في محاولة لربط إنقاذ المستشفى بدعم الدورة الاقتصادية. وكأنه يريد القول إن إنعاش المستشفى هو جزء من إنعاش الجماعة بأسرها.
لكن هذا الربط لا يغيّر الحقيقة الأساسية: الحلول الماليّة لا تكفي ما لم يُعاد النظر في طريــقة توزيع الخدمات الصحية على المستوى الوطني. النقابات ترى أن إعادة هيكلة القطاع لا تحتمل المجاملة، وأن الضرورات المهنية تقتضي دمج أو إقفال بعض الوحدات، مهما كانت رمزيّتها. البلدية ترى العكس: التخلي عن المستشفى خطوة تعني التخلّي عن السكان.
وبين هذين الموقفين، تقف المسألة عند تخوم سؤال أكبر: ما هي معايير الدولة في تحديد ما يجب الحفاظ عليه، وما يمكن تركه لاعتبارات الكلفة والسلامة؟ وكيف يمكن حماية المناطق الطرفية من أن تصبح مجرّد فراغ صحي وتجاري؟
نموذج رعاية معقد
مبادرة سان أمان-مونرو، بقدر ما تبدو بسيطة، تكشف تعقيدات نموذج الرعاية الصحية في فرنسا، وتسلّط الضوء على أزمة تمتد من نقص الطواقم إلى تغيّر الخريطة السكانية. وهي في الوقت نفسه تطرح سؤالاً ملموساً: هل يُمكن إنقاذ مستشفى عبر تحفيز مالي، أم أن الإنقاذ الحقيقي يمرّ عبر إصلاح أعمق يعيد الاعتبار لتوازن العلاقة بين الدولة ومواطني المناطق الطرفية؟
الأسابيع المقبلة ستشهد نقاشاً داخل مجموعة البلديات ثم داخل مجلس البلدية. لكن الجدل، بكل أبعاده، سيبقى مفتوحاً: هل هذه المبادرة استثناء ظرفي أم مؤشراً على مرحلة جديدة من صراع الهوامش مع المركز؟ وهل هي مؤشر على الحالة المتسعة من التساؤلات حول الولادات، وأثرها في التركيبة السكانية برمتها؟