التعليم كساحة صراع: من يحمي أطفال سوريا من وقود التلقين الطائفي؟
تشهد سوريا تصاعداً مقلقاً في توظيف التعليم لتلقين الأطفال أفكاراً دينية وطائفية متشددة، وسط انهيار المنظومة التعليمية ومخاوف من نشوء جيل مؤدلج في مجتمع ممزّق بالحرب.
-
التعليم كساحة صراع: من يحمي أطفال سوريا من وقود التلقين الطائفي؟
في روضة تعليمية ضمن منطقة "بُصرى الشام" بمحافظة درعا جنوب سوريا، ظهر رجل مسلّح وهو يعلّم الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم الخمس سنوات طرق حمل السلاح، مع تلقينهم شعارات طائفية لترديدها.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تداول ناشطون مقاطع مصوّرة تظهر مجموعة من الأطفال وهم يجولون على الأحياء السكنية في مدينة حمص أثناء ترديدهم لشعارات وهتافات طائفية.
كما أظهرت مقاطع أخرى وجود عدد من رجال الدين في المدارس أثناء تلقين الطلاب لتعاليم دينية متشددة، في حين بدأ الطلاب بترديد شعارات تدعو إلى التطرف و"الجهاد".
تلك الأخبار كانت جملة من عشرات الحوادث التي انتشرت في سوريا خلال الأشهر الماضية، واستهدفت الأطفال بالدرجة الأولى، ما أثار قلقاً كبيراً في المجتمع السوري من تحول المدارس إلى أداة سياسية لتنفيذ مشاريع دينية متشددة قد تؤدي إلى ضرب المجتمع السوري.
التعليم أداة سياسية
في بداية العام 2025، أعلنت وزارة التربية في الحكومة الانتقالية عن جملة واسعة من التعديلات على المناهج التعليمية، شملت حذف مقاطع من كتب العلوم والتاريخ، وشطب شخصيات وطنية وتاريخية سورية، بالإضافة إلى استبدال النصوص التي تتعلق بحرب تشرين التحريرية عام 1973 بوجه الاحتلال الإسرائيلي، والاكتفاء بذكر حرب 1973، كما شملت التعديلات إضافة وحدات دينية ذات طابع محافظ.
وبرغم إعلان الوزارة في تلك الفترة أن التعديلات مؤقتة، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى أمر واقع، يعكس سيطرة التيار الديني المتشدد على مفاصل الدولة، واستخدامه المدارس كأداة لتمرير مشاريعه المتطرفة عبر تلقين الطلاب لتعاليم ومفاهيم جديدة.
لاحقاً، أعلنت الرئاسة السورية عن تأسيس "المجلس الأعلى للتربية والتعليم" بهدف إيجاد "مظلة وطنية لتوحيد المناهج وربطها بسوق العمل، وتحقيق التحول الرقمي"، إلا أن التركيبة الفعلية للمجلس وترؤس الرئيس الانتقالي أحمد الشرع له، أكدا وظيفة المجالس السياسية لا التربوية.
وتزامن الإعلان عن المجلس، مع تزايد الخطاب الطائفي في المدارس السورية، حيث انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من مقطع يوثق قيام بعض المدراس والمدرسين والموجهين بتلقين الطلاب لخطابات طائفية تمييزية، إضافة إلى تكرار حالات الطرد أو الاعتداء على طلاب من الأقليات الدينية بدون أن تتحرك وزارة التربية السورية لمواجهة الخطاب المنتشر في مدارسها.
ويخشى نشطاء سوريون من الانزلاق المتسارع في سوريا نحو توظيف التعليم كأداة لنشر سرديات دينية متشددة، في محاولات لإعادة صياغة وعي الأجيال الجديدة وفق إيديولوجيات إقصائية قائمة على وجهة نظر واحدة توجهها الحكومة الانتقالية لتعزيز مكانتها وترسيخ وجودها.
وفي هذا السياق، تؤكد الناشطة فرح خير الله للميادين نت ضرورة حماية الأطفال من التلقين الطائفي داخل المدارس، مشيرة إلى ضرورة اعتماد الحكومة الانتقالية على سياسة تعليمية أكاديمية، قائمة على الأسس العلمية لا على التشدد الديني.
وتضيف خير الله أن سوريا لا تزال تعيش إلى اليوم شبح الحرب، وهذا الأمر يفرض تحديات مُضاعفة على كافة فئات المجتمع، ولذلك يجب إبعاد الأطفال عن مفاهيم التعصب الديني داخل المدارس والتركيز على أفكار المواطنة، في سبيل ترميم الشرخ القائم في المجتمع.
كما تحذّر خير الله من أن الطريقة المتبعة في المدارس حالياً، قد تؤدي إلى نشوء جيل كامل مؤدلج دينياً وعقائدياً وفكرياً لا يتقبل الآخر، وهذا بحد ذاته كارثة اجتماعية وإنسانية.
لا يقتصر التلقين السياسي للأطفال على المدارس الخاضعة لسيطرة الحكومة الانتقالية، فالمدارس في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية – "قسد" شمال شرق البلاد باتت تعتمد مناهج دراسية تكرّس مفاهيم "الدولة الكردية" وحدودها، كما تعتبر اللغة الكردية هي الأساس في التعليم، كما رفضت "قسد" تدريس المناهج الحكومية في مدارسها، وهذا الأمر لا يزال إلى اليوم نقطة خلاف جوهرية بين الكرد وحكومة دمشق الانتقالية.
وفي السويداء جنوب سوريا، فرض الوضع الأمني داخل المدينة واقعاً جديداً على الأهالي، حيث عزفت بعض العائلات عن إرسال أبنائها إلى المدارس خوفاً على حياتهم، كما تسببت المعارك التي وقعت في تموز/يوليو الماضي إلى تدمير عدد من المدارس في المناطق الريفية، وبقاء مئات الطلاب بعيدين عن مقاعد الدراسة.
إحصائيات مرعبة
تُقدّر الأمم المتحدة أن أكثر من 75% من أطفال سوريا -البالغ عددهم 10.5 مليون طفل- قد وُلِدوا خلال الحرب التي استمرت 14 عاماً، فعاشوا طفولتهم بأكملها في ظل التهجير والعنف والدمار.
وفي تقرير لها، وثّقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" وجود 2.4 مليون طفل سوري محروم من التعليم منذ آذار/مارس 2011 وحتى نهاية عام 2023، إضافة إلى وجود أكثر من 6.5 مليون طفل تأثروا بالحرب بشكل أو بآخر.
وأكدت "يونيسيف" أن أكثر من 40% من أصل حوالى 20 ألف مدرسة في البلاد لا تزال مغلقة، ما يترك أكثر من 2.4 مليون طفل خارج الفصول الدراسية وأكثر من مليون في خطر ترك الدراسة.
كما ذكر التقرير أن أكثر من 500 ألف طفل دون الخامسة يعانون من سوء التغذية المهدّد للحياة، وهناك مليونا طفل آخرون على حافة سوء التغذية.
إلى ذلك كشف التقرير أن 5 ملايين طفل على الأقل لا يزالون معرضين لخطر بقايا الحرب التي لم تنفجر، بسبب وجود قرابة 300 ألف من البقايا القابلة للانفجار في جميع أنحاء البلاد.
إن أول ما تحتاجه سوريا اليوم، في ظل الانقسام المجتمعي الحاد، هو تحرير التعليم من سطوة الإيديولوجيا الدينية، والشروع بكتابة عقد اجتماعي وتعليمي جديد يستند إلى مبادئ العدالة والكرامة، ويعزز مكانة الطفولة في بيئة تعليمية ومجتمعية آمنة، لا تكرّس القتل كسبيل للنجاة ولا رفض الآخر كطريق للبقاء.