احتجاجات طلابية تهز فرنسا.. لماذا استنفرت السلطات؟

تتسع احتجاجات الطلاب في فرنسا لتشمل الجامعات والنقابات وأولياء الأمور، وسط انتشار أمني وارتفاع أعداد الموقوفين والإصابات. لماذا استنفرت السلطات الفرنسية؟

0:00
  • احتجاجات طلابية تهز فرنسا.. لماذا استنفرت السلطات؟
    احتجاجات طلابية تهز فرنسا.. لماذا استنفرت السلطات؟

دخلت حركة طلاب المدارس الثانوية في فرنسا، أمس الثلاثاء، أبرز اختبار وطني لها منذ انطلاق الاحتجاجات في ضواحي باريس منتصف سبتمبر/أيلول الفائت، مع اتساع رقعة التعبئة لتشمل طلابًا جامعيين ونقابات وأولياء أمور، بالتوازي مع إضرابات في قطاع التعليم وتظاهرة كبيرة في العاصمة، في واحدة من أوسع موجات التحرك الشبابي التي تشهدها فرنسا منذ عقود.

وقدّرت أجهزة الأمن أعداد المشاركين في مظاهرة باريس بنحو 20 ألف شخص، بعدما حذرت مسبقًا من احتمال أن يكون الوضع "أكثر توترًا" مقارنة بالأسبوع السابق. وانطلقت التظاهرة بعد الظهر من ساحة الجمهورية، أعقبها اجتماع عام لطلاب المدارس لبحث مستقبل الحركة ومطالبها.

وزير التربية: التظاهر حرية يجب حمايتها

وفي موقف تزامن مع يوم التعبئة، أكد وزير التربية أن التظاهر "حرية يجب احترامها وحمايتها"، خلال زيارة إلى إحدى المدارس الثانوية في إقليم إيفلين، مع تمسكه في الوقت نفسه بضرورة العودة التدريجية إلى الدراسة.

وفي مقابل قرارات إدارية اتُخذت لمنع التجمعات أمام بعض المدارس، علّقت المحكمة الإدارية في إقليم دروم قرارًا كان يحظر التجمع أمام ست مؤسسات تعليمية، معتبرة أن الإجراء غير متناسب.

وندد "الاتحاد الطلابي" بما وصفه بأنه "إرادة لإخافة الشباب الذين يتحركون"، معلنًا انضمامه إلى التعبئة، بعد اضطرابات شهدها ما بين 30 و40 موقعًا جامعيًا خلال الأسبوع السابق.

كذلك انضم الاتحاد العام للعمل CGT إلى الاحتجاجات الطلابية، فيما حددت نقابات في قطاع التعليم موعدًا جديدًا للإضراب في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

احتجاجات الطلاب في فرنسا وانتشار أمني كثيف

في المقابل، اتخذت السلطات الفرنسية إجراءات أمنية مشددة في مواجهة التحركات. وتحدثت وزارة الداخلية عن أعمال "عنف حضري"، فيما تعمل الحكومة على إعداد مشروع قانون تحت عنوان "المخربون يدفعون"، يهدف، وفق ما أعلنته، إلى تحميل مرتكبي أعمال التخريب كلفة الأضرار الناجمة عنها.

لكن إدارة احتجاجات الطلاب في فرنسا باتت بدورها موضع نقاش متزايد، ولا سيما في ظل صغر سن نسبة كبيرة من المشاركين، وتسجيل إصابات، وارتفاع أعداد الموقوفين إلى مستويات غير مسبوقة في حركة يقودها طلاب ومراهقون، يخوض كثير منهم تجربته الاحتجاجية والسياسية الأولى.

ودافعت نقابات الشرطة عن تدخل قوات الأمن، مؤكدة أن عناصرها يواجهون أوضاعًا ميدانية معقدة وأعمال عنف ترافق بعض التحركات. كما نشرت دليلًا موجهًا إلى الشباب يشرح قواعد التعامل مع الشرطة خلال المظاهرات.

آلاف الموقوفين وإصابات خطيرة

وجاءت تعبئة 6 أكتوبر/تشرين الأول بعد أسبوع اتسم بتوتر أمني حاد. وبحسب بيانات وزارة العدل، وُضع 6060 شخصًا قيد التوقيف لدى الشرطة منذ بداية الحركة، بينهم 4406 قاصرين.

وسُجلت إصابات بالغة الخطورة. ففي مدينة لانس، بُترت يد طالب يبلغ 15 عامًا بعدما التقط مقذوفة أطلقتها قوات مكافحة الشغب. وفي إيكس أون بروفانس، أوقف فتى يبلغ 17 عامًا للاشتباه في إلقائه حجرًا تسبب في فقدان امرأة إحدى عينيها.

وبالتوازي، فتحت المفتشية العامة للشرطة الوطنية تحقيقات في ست قضايا تتعلق بإصابات خطيرة تعرض لها طلاب.

وانتقدت رابطة حقوق الإنسان أسلوب إدارة الاحتجاجات، متحدثة عن "انحراف شامل عن دولة القانون"، فيما دعت منظمة العفو الدولية السلطات الفرنسية إلى إعطاء الأولوية لخفض التصعيد.

ولم تقتصر الإصابات على المتظاهرين، فقد أعلنت الشرطة الوطنية إصابة أكثر من 715 من عناصر الشرطة والدرك، إضافة إلى تعرض مدرسين لاعتداءات، فيما قُدرت الخسائر المادية بعشرات ملايين اليورو.

وطالب 97 عضوًا في مجلس الشيوخ ينتمون إلى حزب الجمهوريين بترشيح شرطي تعرض للاعتداء لنيل وسام جوقة الشرف.

لماذا استنفرت السلطات الفرنسية في 6 أكتوبر؟

تعاملت وزارة الداخلية مع يوم الثلاثاء باعتباره محطة شديدة الحساسية في مسار الاحتجاجات في فرنسا. وقرر وزير الداخلية لوران نونيز الاستعانة بقوات الأمن الجمهوري CRS والدرك المتنقل بهدف "إعادة فرض النظام في الجمهورية".

وشهدت باريس انتشارًا أمنيًا كثيفًا، خصوصًا عند نقطة انطلاق المسيرة في ساحة الجمهورية، وعلى المحاور المؤدية إلى مسار التظاهرة، إضافة إلى المؤسسات والمواقع الحساسة وشبكة النقل.

وطلبت بلدية الدائرة السابعة عشرة من السكان عدم إخراج حاويات النفايات، خشية استخدامها في إقامة الحواجز أو إشعال الحرائق.

وقال ستانيسلاس غودون، المندوب الوطني لإحدى نقابات الشرطة، إن "أعدادًا كبيرة" من العناصر جرى حشدها، وإن القوات كانت مستعدة للتدخل في حال خروج المظاهرات عن السيطرة.

وترافقت هذه التدابير مع مخاوف أمنية من محاولة مجموعات متشددة تنظيم مسيرات جانبية أو اختراق التحركات الطلابية بهدف الدخول في مواجهات مع الشرطة أو تنفيذ أعمال تخريب.

ميلانشون وروسيل وأولياء الأمور يدخلون على خط الاحتجاجات

سياسيًا، ازداد انخراط قوى اليسار واليسار الراديكالي في التعبئة. ووصف زعيم "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول بأنه "نقطة انطلاق"، رافضًا في الوقت نفسه اتهامات الحكومة لحزبه بمحاولة توجيه الطلاب أو التلاعب بحركتهم.

وفي مواجهة ما وصفه بـ"انفلات العنف الشرطي"، دعا ميلانشون أولياء الأمور إلى مرافقة الشباب خلال التظاهرات، واقترح عليهم ارتداء خوذات أو شارات بيضاء وتشكيل طوق حول المسيرات.

بدوره، دعا زعيم الحزب الشيوعي فابيان روسيل الناشطين إلى المساهمة في "تأمين مسارات" التظاهرات.

ويأتي هذا الانخراط السياسي العلني في وقت تبدي فيه الأجهزة الأمنية مخاوف من استغلال مجموعات تنتمي إلى اليسار المتشدد للحشود الطلابية من أجل الدفع باتجاه مواجهات مع قوات الأمن.

احتجاجات اجتماعية على وقع أزمة مالية

يتزامن اتساع الحركة الطلابية في فرنسا مع وضع مالي يحد من قدرة الحكومة على الاستجابة لمطالب مكلفة، في ظل مستويات العجز والدين العام.

وتعيد هذه التعبئة إلى الذاكرة احتجاجات طلاب المدارس الثانوية عام 1990، التي انتهت آنذاك بإعلان وزير التربية ليونيل جوسبان خطة طوارئ بقيمة 4.5 مليارات فرنك.

وتدافع الحكومة عن حصيلة النظام التعليمي، إذ أكد وزير التربية أنه "لا يمكن السماح بالقول إن حالة المدارس الثانوية سيئة عمومًا في فرنسا".

في المقابل، يواصل الطلاب رفع مطالب تتصل بنقص المدرسين والموظفين، والاكتظاظ داخل المؤسسات التعليمية، وحالة المباني، إضافة إلى المشكلات المرتبطة بالقبول الجامعي.

وبذلك، تجاوزت الحركة التي بدأت من المدارس الثانوية حدود المطالب التعليمية المباشرة، لتتحول إلى اختبار أوسع للحكومة في كيفية إدارة احتجاجات الطلاب في فرنسا وتعبئة شبابية متصاعدة، وسط تقاطع ثلاثة ضغوط في آن واحد: مطالب اجتماعية وتعليمية، وتصاعد الجدل حول أساليب حفظ الأمن، ودخول النقابات والقوى السياسية بصورة متزايدة على خط الاحتجاجات.

اخترنا لك