كيف تدفع الأزمة الاقتصادية الأميركية ترامب إلى القيام بمغامرات عسكرية خارجية؟
الأزمة الاقتصادية الأميركية الداخلية وسوء الأداء الاقتصادي لإدارة ترامب تدفعانه لمغامرات خارجية بغية السيطرة على أسواق الطاقة العالمية.
-
الأزمة الاقتصادية الأميركية والمغامرات العسكرية.
تثير تصرّفات دونالد ترامب الاستغراب لجهة تناقضها مع الشعارات التي سبق ورفعها خلال حملته الانتخابية والتي تعهّد فيها بوقف الحروب التي اتهم سلفه جو بايدن بإثارتها حول العالم. ففي مقابل هذه التعهّدات نجد أنه منذ وصوله إلى السلطة واصل دعمه لآلة الحرب الإسرائيلية في عدوانها على غزة ولبنان وسوريا، فيما واصل تزويد أوكرانيا بالسلاح بما يطيل أمد الحرب الأوكرانية بعدما كان تعهّد بإنهاء الصراع بعد 24 ساعة على تولّيه منصبه كرئيس للولايات المتحدة.
بل إنّ ترامب، وخلافاً لسلفيه الديمقراطيين، جو بايدن وباراك أوباما، جعل الولايات المتحدة تتورّط مباشرة بضربات عسكرية ضدّ بلدان أخرى من ضمنها قصفه لإيران في حزيران/يونيو 2025، وهجومه على فنزويلا في أوائل العام 2026 مختطفاً رئيسها المنتخب نيكولاس مادورو. وقد وصل به الحد إلى التهديد بغزو إقليم تابع لدولة حليفة للولايات المتحدة حين لوّح بإرسال قوات لضمّ غرينلاند التابعة للدنمارك بالقوة إلى الولايات المتحدة لتصبح الولاية الحادية والخمسين.
لكن قد يبطل العجب حين نربط بين ما يقوم به ترامب من "مغامرات" بالوضع الاقتصادي المتردّي داخل الولايات المتحدة. فواشنطن التي تحاول الحفاظ على ريادتها الاقتصادية العالمية في مواجهة الصين، والتي يعاني اقتصادها من مشكلات بنيوية، تجد نفسها أمام تحدّيات متعدّدة الأوجه فاقمتها الأزمات التي ضربتها في السنوات الأخيرة وعلى رأسها جائحة كورونا التي كان من مفاعيلها فشل ترامب في الانتخابات في العام 2020 في مواجهة جو بايدن.
ولقد كان من شعارات ترامب خلال حملته الانتخابية إعادة دفع عجلة الاقتصاد الأميركي و"جعل أميركا عظيمة مجدّداً"، إلا أنّ السنة الأولى من ولايته أظهرت أنّ أداءه الاقتصادي كان سيئاً جداً خصوصاً إذا ما قارناه بالسنة الأولى من ولاية سلفه جو بايدن. من هنا قد يكون اللجوء إلى المغامرات "الحربجية" الخارجية محاولة من ترامب لعجزه عن تحقيق إنجازات اقتصادية حقيقية على الصعيد الداخلي.
أرقام سلبية في نسب التضخّم والوظائف الجديدة
فبناء على تقارير اقتصادية حول أداء الاقتصاد الأميركي خلال السنة الأولى من ولاية ترامب، أظهرت بيانات الناتج المحلي الإجمالي الأميركي نمواً متذبذباً، إذ شهدت بداية العام 2025 انكماشاً قوياً قبل أن يحصل تعافٍ نسبي للأداء الاقتصادي خلال الربعين الثاني والثالث لكنه بقي بعيداً عن الأرقام التي وعد بها الرئيس الأميركي.
وإن كان أداء الاقتصاد خلال العام الأول أعلى من فترات معيّنة من ولاية بايدن، إلا أنه لم يحقّق النقلة النوعية التي وعد بها ترامب والتي كان من عواملها ارتفاع أسعار النفط عالمياً، علماً أنّ الولايات المتحدة تعتبر المنتج والمصدّر الأول للنفط على صعيد العالم.
وقد تمثّل الفشل الأكبر لترامب في تقليص نسب التضخّم التي قلّصت من نسب النمو الفعلي للاقتصاد الأميركي حيث لم يتمكّن ترامب من تقليص نسب التضخّم إلى الرقم الذي حدّده البنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي وهو 2 بالمئة، حيث بقيت نسبة التضخّم أعلى من 2.7 بالمئة، وفقاً لأرقام شهر كانون الأول/ديسمبر 2025. هذا بحدّ ذاته يعني أنّ الضغوط لا تزال متواصلة على القدرة الشرائية للأميركيين رغم مزاعم ترامب من أنّ الأسعار تنخفض.
ارتفاع نسب التضخّم هي التي دفعت بحاكم البنك الفدرالي الأميركي إلى رفض خفض أسعار الفائدة بناء على طلب ترامب خوفاً من ارتفاع نسب التضخّم وتأثيرها سلباً على الأسعار من جهة، وعلى فرص التوظيف من جهة أخرى.
وقد أثار هذا حفيظة ترامب الذي يعتبر أنّ رفع أسعار الفائدة يضرّ بالاقتصاد الأميركي ويبطئ النمو ويضعف سوق الأسهم ويضرّ بالصادرات الأميركية. وبما أنّ ترامب يأخذ الخلافات ببعد شخصي فلقد اعتبر أنّ حاكم البنك الفدرالي جيروم بأول يسعى لعرقلة أجندته الاقتصادية، فقام بتوجيه اتهامات له بالفساد على خلفيّة أعمال ترميم في مبنى البنك الفدرالي.
إضافة الى ذلك فلقد شهد العام الأول من ولاية ترامب تباطؤاً غير معهود في معدلات التوظيف بالمقارنة مع السنوات التي سبقته حيث تمّ تسجيل نحو 600 ألف وظيفة جديدة خلال العام 2025 في مقابل 6.6 ملايين وظيفة جديدة خلال السنة الأولى من ولاية بايدن في العام 2021، و3.7 ملايين وظيفة جديدة في العام 2022، و3 ملايين وظيفة جديدة في العام 2023، ومليوني وظيفة جديدة في العام 2024 وفقاً لأرقام مكتب إحصاءات العمل الأميركي.
هذا دفع ترامب إلى اتهام مفوّضة مكتب إحصاءات العمل الدكتورة اريكا ماكينتارفر بالتلاعب بالنتائج وإلى إقالتها من منصبها في آب/أغسطس الماضي.
تباطؤ النمو الاقتصادي الأميركي
أدّى تعذّر قدرة ترامب على السيطرة على نسب التضخّم وعلى تحقيق وعوده بخلق ملايين الوظائف الجديدة إلى التأثير سلباً على نسب النمو الاقتصادي خلال السنة الأولى من ولايته بالمقارنة مع السنة الأولى من ولاية بايدن والسنوات الأخرى من ولاية الرئيس الديمقراطي. ففي فترة بايدن، سجّل الاقتصاد الأميركي نمواً قوياً تجاوز المتوسط التاريخي بعد الانكماش الناجم عن الجائحة، مدفوعاً ببرنامج إنعاش اقتصادي واسع.
في المقابل فإنّ السنة الأولى من ولاية ترامب سجّلت انكماشاً في النمو الاقتصادي كان ليصبح كارثياً لولا عوامل خارجية خفّفت نسبياً من سوء الأداء الاقتصادي، وعلى رأس هذه العوامل ارتفاع الطلب العالمي على النفط والاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وقد يكون العامل النفطي هذا هو الذي يفسّر مغامرات ترامب للسيطرة على مصادر نفطية رئيسية مثل مغامرته في فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، إضافة الى تهديداته للجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تعتبر منتجاً رئيسياً للنفط.
لذا يمكن الانطلاق من الأداء السلبي للاقتصاد الأميركي لتحليل التوجّهات الاقتصادية والسياسية لترامب على صعيد السياسة الخارجية. فوفقاً للقانون الأميركي، فإنّ الرئيس لا يملك سلطة على السياسات التي يرسمها البنك الاحتياطي الفدرالي وهو ما جعله يدخل في صراع مع حاكم البنك الفدرالي ويسعى للإطاحة به.
وبنتيجة عدم قدرة ترامب على خفض نسب الفائدة فإنّ هذا أثّر سلباً على تنافسية البضائع الأميركية في الأسواق العالمية، ما جعل الرئيس الأميركي يلجأ إلى فرض رسوم جمركية على الواردات من الدول الأخرى كوسيلة لتحفيز الصناعة الأميركية وإعادة التوازن للميزان التجاري الذي يميل لغير صالح الولايات المتحدة.
إلا أنه كانت لهذه السياسات آثار سلبية من ضمنها رفع أسعار الكثير من السلع المستوردة ما أثّر سلباً على القدرة الشرائية للمواطن الأميركيّ وأثّر سلباً على التوظيف في قطاعات معيّنة، إضافة إلى التأثير سلباً على نسب النمو الاقتصادي.
بنتيجة ذلك، وفي خطوة يائسة لرفع عدد الوظائف، فلقد شنّ ترامب حرباً على الهجرة شرعيّةً كانت أم غير شرعية ما أثّر سلباً على سوق التوظيف في ظل نقص العمالة في عدة قطاعات من الاقتصاد الأميركي، ما أدى الى تقليص إضافي في نسب النمو.
وبنتيجة سياسات ترامب الاقتصادية فلقد سجّلت التقارير الاقتصادية أيضاً اتساع الفجوة بين الطبقات الأكثر ثراء والطبقتين الوسطى والفقيرة، حيث استفادت الشرائح الأعلى دخلاً من السياسات الاقتصادية أكثر من الطبقات الوسطى والفقيرة، ما يعزّز الاستياء العامّ ويضع ضغوطاً سياسية على إدارة ترامب قبل الانتخابات النصفية.
من هنا فإنّ الاحتجاجات التي انطلقت في منيسوتا رداً على مقتل امرأة أميركية على يد شرطة الهجرة لم تكن لتحدث لولا وجود بيئة نقمة اجتماعية واسعة داخل المجتمع الأميركي.
التأثير على السياسة الخارجية
بناء على ما تقدّم يمكن فهم الخطوات أو المغامرات التي أقدم عليها ترامب على صعيد السياسة الخارجية. فمغامرته في فنزويلا تعكس اهتماماً بالوصول إلى احتياطات الطاقة وتحويلها إلى حليف اقتصادي في مواجهة المنافسين الدوليين، وهذا يفسّر استخدام ترامب للقوة العسكرية المفرطة بغية إظهار قوة الولايات المتحدة في مواجهة منافسيها وعلى رأسهم الصين وروسيا.
أما في ما يتعلّق بغرينلاند فإنّ سعي ترامب للاستحواذ على الجزيرة لا ينطلق من رغبة بالاستحواذ العقاري فقط، بل يرتبط باستراتيجية جيوسياسية أميركية تسعى للسيطرة على القطب المتجمّد الشمالي بغية التحكّم بالمسارات البحرية والموارد الطبيعية.
أما في ما يتعلّق بالتهديدات الموجّهة ضدّ إيران، فإنها ترتبط بسعي ترامب لمحاصرة خصوم الولايات المتحدة وضمان السيطرة على سوق الغاز والنفط العالمي، ولا سيما أنّ إيران تعتبر منتجاً رئيسياً للنفط وهي تمتلك واحداً من أكبر احتياطيات الغاز في العالم.
من هنا فإنّ الأزمة الاقتصادية الأميركية الداخلية وسوء الأداء الاقتصادي لإدارة ترامب تدفعانه إلى مغامرات خارجية بغية السيطرة على أسواق الطاقة العالمية من أجل تعزيز الموقف الأميركي في الأسواق العالمية، وخلق نفوذ سياسي ينعكس على مفاوضات تجارية واستثمارات مع منافسي الولايات المتحدة الاقتصادين والجيوسياسيين وعلى رأسهم الصين وروسيا.