الدور "الغامض" لأسلحة الطاقة الموجهة في فنزويلا
عام، تستخدم أسلحة الطاقة الموجهة، الموجات الكهرومغناطيسية المركزة، بدلاً من القذائف التقليدية، لتنفيذ المهمات الدفاعية أو الهجومية، لا سيما مهمات اعتراض التهديدات وتحييدها، ما علاقة كل ذلك بما حصل مع مادورو؟
-
أسلحة الطاقة الموجهة.. ما علاقة اعتقال مادورو؟
عقب العملية العسكرية الأميركية، التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الإعلامية، سردية غير موثقة تفيد باستخدام القوات الخاصة الأميركية المشاركة في هذه العملية، "سلاحًا صوتيًا" غامضًا، لشلّ حركة قوات الأمن الفنزويلية التي تتولى تأمين مادورو وحمايته.
وقد استندت هذه الادعاءات بشكل أساسي، إلى مضمون مقابلة مصورة، يصف فيها أحد أفراد الحرس الوطني الفنزويلي، كيف تعرض هو وزملاؤه لقوة صوتية هائلة، تسببت في فقدانهم القدرة على الحركة، وأصابتهم بعوارض عدة من بينها النزف من الأنف والأذن، وفقدان التوازن، والقيء المستمر، وهو مضمون تم ترويجه بشكل أكبر، بعد أن أعادت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، نشره على صفحتها الشخصية بموقع "إكس".
وعلى الرغم من غياب أي مؤشرات ميدانية أو دلائل مستقلة، تؤكد هذه السردية، فإن هذا الطرح أعاد مرة أخرى تسليط الضوء على ملف "أسلحة الطاقة الموجهة" - أو ما يعرف اختصاراً بـ "DEW" - والذي يعدّ من أهم الملفات المحددة لمستقبل اتجاهات التسلح الدولي، التي تؤطرها بشكل أساسي، الرغبة في الموازنة بين "التكلفة المحدودة" و"الأثر التدميري الكبير".
أسلحة الطاقة الموجهة ومسارات التطوير
من منظور عام، تستخدم أسلحة الطاقة الموجهة، الموجات الكهرومغناطيسية المركزة، بدلاً من القذائف التقليدية، لتنفيذ المهمات الدفاعية أو الهجومية، لا سيما مهمات اعتراض التهديدات وتحييدها.
يمكن إجمال أنواع الأنظمة المستخدمة في مثل هذا النوع من الأسلحة، ضمن أربعة تقسيمات رئيسية، أهمها أسلحة الليزر عالية الطاقة، والتي تستخدم أشعة الليزر المركزة لتسخين أو إذابة الأهداف المعادية، بما في ذلك الأهداف الجوية.
هذا الجانب من جوانب أسلحة الطاقة الموجهة، يعدّ الأكثر تطوراً، وشهد قفزات مهمة خلال السنوات الأخيرة، حيث طورت كل من الولايات المتحدة الأميركية، والصين والمملكة المتحدة وروسيا، و"إسرائيل" والهند، منظومات قتالية فعالة، تعتمد على أشعة الليزر المكثفة، بقدرات تتراوح بين 30 و50 كيلو واط، لتنفيذ مهمات دفاعية وهجومية مختلفة، لا سيما مهمات الدفاع الجوي، والتعمية والتشويش على الأنظمة المعادية.
وقد تمت التجربة العملية لنجاعة مثل هذه المنظومات، على مستوى الدفاع الجوي، في مناسبات عدة خلال العام الماضي، أهمها التجربة التي تمت في شباط/فبراير الماضي، ونجحت خلالها إحدى المدمرات الأميركية، في اختبار إطلاق نظام الليزر عالي الطاقة "HELIOS" لإسقاط طائرة من دون طيار، وكذلك تجربة مماثلة تمت في تموز/يوليو الماضي، تم خلالها تنفيذ أول تجربة عملية لاستخدام أسلحة الطاقة الموجهة في مهمات الدفاع الجوي، حين تم بنجاح استخدام نظام الدفاع الجوي الليزري قصير المدى "DE M-SHORAD"، المثبت على مركبة مدرعة من نوع "Stryker"، لاعتراض سرب من الطائرات المسيرة المعادية.
القسم الثاني من أقسام أسلحة الطاقة الموجهة، هو أسلحة الميكروويف عالية الطاقة - المعروفة اختصاراً بـ "HPM" - والتي تعتمد بشكل رئيسي على إصدار موجات كهرومغناطيسية مركزة، لتعطيل الأنظمة الإلكترونية الخاصة بالمنظومات المعادية، خصوصاً الرادارات وأنظمة الاتصالات، وكذلك أنظمة تشغيل الطائرات المسيرة والصواريخ الجوالة. تشكل هذه النوعية من الأسلحة، حلاً فعالاً لمعضلة تواجه أنظمة الدفاع الجوي التقليدية، ألا وهي صعوبة مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة الصغيرة بكفاءة اقتصادية، حيث يميل ميزان التكاليف لصالح المهاجم بشكل كبير. وقد غيّرت الأسلحة العاملة بموجات الميكروويف هذه الديناميكية، إذ وفّرت القدرة على تكرار عمليات الاعتراض للأهداف الجوية، بأقل تكلفة ممكنة لكل طلقة، وتقتصر التكلفة في هذه الحالة فقط على الوقود وعمليات الصيانة الدورية، ناهيك بالاستغناء عن عمليات إعادة التذخير التي تحتاجها عادة أنظمة الدفاع الجوي.
يجدر بالذكر هنا، أن الصين قد كشفت مطلع كانون الثاني/يناير 2026، عن أحدث الأنظمة المنتمية إلى هذا القسم، وهو نظام الميكروويف القتالي "هوريكان-3000"، الذي يعمل بالموجات الدقيقة، خلال عرض عسكري بُثّ على التلفزيون الصيني الحكومي. هذا النظام ذاتي الحركة - والذي تبلغ طاقته 80 ألف فولت - يتخصص بشكل أساسي في عمليات الدفاع الجوي، ويمكنه رصد أهدافه رادارياً من مدى 6 كيلومترات، وتأكيد الأهداف كهروبصرياً بمدى 4 كيلومترات، ومن ثم تدمير الأنظمة الإلكترونية لهذه الأهداف داخل دائرة قطرها 3 كيلومترات.
في الشهر نفسه، كشفت شركة "إبيروس" الأميركية، عن إجراء تجربة لنظام الميكروويف القتالي عالي الطاقة الجديد "ليونيداس فيكل كيت"، أواخر العام الماضي، نجح خلالها النظام الجديد، في تعطيل طائرة مسيرة مُوجّهة بالألياف الضوئية، لتمثل هذه التجربة بذلك، أول حالة موثقة لاستخدام التشويش الكهرومغناطيسي، لإسقاط طائرة مُسيّرة، عبر توجيه نبضة كهرومغناطيسية مُحدّدة برمجيًا، بواسطة إشعاع غير مؤين، لتحييد إلكترونيات الطائرة المُسيّرة أثناء تحليقها. مثلت هذه التجربة، أوضح دليل حديث على بدء الولايات المتحدة الأميركية، في توسيع نطاق اختبارات أنظمة الطاقة الموجهة، المصممة لمواجهة التهديدات غير المأهولة، بدءاً من الطائرات المسيرة التجارية، وصولاً إلى طائرات الاستطلاع العسكرية.
أسلحة الموجات المليمترية … وعملية كاركاس
القسم الثالث - والأهم - في أسلحة الطاقة الموجهة، هي الأسلحة العاملة بالموجات المليمترية - المعروفة اختصاراً بـ "MVW" - وهي تشبه في آلية عملها أسلحة الميكروويف، لكن بأطوال موجية أقصر، وبالتالي لا تسبب في حدّ ذاتها أضراراً "قاتلة" للبشر أو الأنظمة المعادية، بل تتسبب فقط في إصابات وأضرار متوسطة أو طفيفة، وأسلحة هذا القسم تعدّ الأقرب إلى احتمالية استخدامها ضمن الهجوم الأميركي على فنزويلا.
من ضمن الأسلحة العاملة بهذا المبدأ، تلك الأنظمة التي تعتمد على الموجات الصوتية، لإلحاق الأذى بالعنصر البشري، وحقيقة الأمر أن استخدام "الصوت"، اتخذ منذ قديم الأزل أشكالاً عدة، بدءاً باستخدام الأبواق والطبول والمزامير لإرهاب الأعداء، مثل المزامير الأسكتلندية، التي ظلت - للمفارقة - مصنفة كسلاح ضمن أسلحة الجيش البريطاني، حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي. لكن بدأ التطوير الجدي للأسلحة العاملة بالموجات الصوتية، خلال الحرب العالمية الثانية، مع تطوير أنظمة عالية الصوت لدرجة إحداث أضرار مادية بمجرد رفع مستوى الصوت، مثل مدفع "شالكانون" الألماني، الذي كان قادرًا على تمزيق طبلة الأذن من مسافة خمسين مترًا. ومع ذلك، كان هذا أقل فعالية بكثير من الأسلحة التقليدية.
وقد توسعت عمليات تطوير الأسلحة العاملة بالموجات المليمترية، خلال الحرب الباردة، ويعتقد أن الاتحاد السوفياتي كان المبادر بتطوير مثل هذه الأسلحة، حيث تشير التقديرات الأميركية، إلى أن الجيش السوفياتي قد وجّه موجات مليمترية، تتراوح قدرتها بين 2 و4 جيجا هيرتز، على مبنى السفارة الأميركية في موسكو، خلال الفترة بين عامي 1953 و1976، ما تسبب في إصابات متفاوتة على المدى الطويل بين موظفي السفارة، من بينها إصابات بمرض سرطان الدم.
في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، أمضت الولايات المتحدة عقودًا في البحث عن تقنيات غير فتاكة أو أقل فتكًا مصممة لشلّ حركة الخصوم من دون اللجوء إلى إطلاق النار التقليدي، وذلك اعتماداً على استخدام الموجات المليمترية، وذلك في إطار أنشطة "مديرية الأسلحة غير الفتاكة المشتركة" التابعة للبنتاغون، والتي أعيدت تسميتها لاحقًا باسم "مكتب قدرات القوات المشتركة متعددة الوسائط". وقد خصصت الولايات المتحدة موارد ضخمة لهذا المكتب، بهدف تطوير أسلحة غير فتاكة، أو أقل فتكًا، لتعطيل أو إضعاف الأفراد من دون إلحاق الأذى بهم.
فقد كانت الفكرة المحركة لهذا التوجّه، أن الحروب المستقبلية - وخصوصاً حركات التمرد - ستتطلب استخدامًا دقيقًا ومدروسًا للقوة، على سبيل المثال عند التعامل مع أعمال الشغب وأعمال المقاومة مثل رشق الحجارة، والمواجهات داخل المدن، قد تتداخل هذه الأعمال مع أعمال أخرى من الضروري تنفيذها، مثل أعمال الإغاثة وحفظ السلام، وعليه كان من الضروري إيجاد وسائل دقيقة للتعامل مع التهديدات بشكل دقيق، من دون التسبب في سقوط وفيات.
من أبرز الأمثلة على الأنظمة الأميركية التي تم التوصل إليها في هذا النطاق، نظام الردع النشط "ADS"، الذي يعد أحد أكثر تطبيقات تكنولوجيا الطاقة الموجهة تطورًا في أنظمة الدفاع الحديثة، ويستهدف بشكل أساسي فرض الحصار على المناطق، والسيطرة على الحشود، وتأمين المحيط. يستخدم هذا النظام إشعاعًا كهرومغناطيسيًا مركّزًا بموجات مليمترية يبلغ ترددها 95 جيجا هيرتز، بمدى 500 متر، لإحداث إحساس حراري شديد ومؤقت على الجلد، فعندما يصطدم هذا الشعاع بجلد الإنسان، فإنه يخترق سطحه بعمق 0.4 مليمتر فقط، وهو ما يكفي لإثارة جزيئات الماء في البشرة، ومن ثم التسخين السريع للطبقة الخارجية من الجلد، ما يُنتج إحساسًا حارقًا شديدًا يُشبه لمس جسم ساخن، ويكون الألم فوريًا وقويًا، ما يجبر الأفراد على الابتعاد من دون التسبب في إصابات دائمة.
بدأ تطوير هذا النظام، منتصف تسعينيات القرن الماضي، تحت إشراف مختبر أبحاث القوات الجوية الأميركية "AFRL"، ومديرية الطاقة الموجهة، بالتعاون مع برنامج الأسلحة غير الفتاكة المشترك التابع لوزارة الدفاع الأميركية "JNLWP"، بهدف ابتكار سلاح غير فتاك قادر على السيطرة على الحشود المعادية أو ردع المتسللين، مع تقليل الخسائر والأضرار الجانبية إلى أدنى حد، لا سيما في العمليات الحضرية المعقدة أو عمليات حفظ السلام. وقد تم الكشف عن أول نموذج لهذا النظام بشكل علني عام 2007، ومن ثم تم إخضاعه لاختبارات مكثفة من جانب مشاة البحرية الأميركية والقوات الجوية الأميركية، ومن ثم تم اعتماده للاستخدام الميداني عام 2010. ورغم إثبات فعاليته، ونشره لفترة وجيزة في أفغانستان عام 2010، لأغراض الاختبار، إلا أن استخدامه العملياتي كان محدودًا بسبب مخاوف أخلاقية وبعض التعقيدات اللوجيستية.
من الأنظمة الأخرى المماثلة التي يمكن ذكرها في ما يتعلق بأسلحة "الموجة المليمترية"، أجهزة الصوت بعيدة المدى "LRAD"، التي تُصدر أصواتًا عالية جدًا ومركزة. هذه الأسلحة تُسوّق في المقام الأول كأدوات اتصال وإنذار، لكنها قد تُصدر ضوضاء مؤلمة ومُربكة. هذه الأجهزة تمتلكها القوات العسكرية والأمنية في الولايات المتحدة، وسبق واحتج نشطاء الحقوق المدنية، من استخدام الشرطة الأميركية لهذه الأجهزة ضد بعض التظاهرات.
جدير بالذكر، أنه في أواخر العقد الماضي، وقّع سلاح مشاة البحرية الأميركية، عقداً مع عدد من المخترعين، الذين توصلوا إلى تقنية تعرف باسم "نظام التحكم الكهرومغناطيسي لتعطيل الأفراد" - ويعرف اختصاراً بـ "EPIC" - من خلالها يمكن استخدام طاقة الموجات المليمترية، لتعطيل الأذن الداخلية للأفراد المستهدفين، وتحديداً "الجهاز الدهليزي"، المسؤول عن التوازن والتوجيه المكاني، ما قد يؤدي إلى سقوطهم على الأرض، وفقدانهم للتناسق الحركي، وشعورهم بغثيان شديد.
حتى الآن، لا يوجد دليل مُعلن على أن نظام "EPIC" قد تم إنتاجه بشكل عملي، أو تم اختباره ميدانياً، رغم أن تقنيات الموجة المليمترية، قد تم استخدامها بالفعل في عدة دول لتفريق المتظاهرين، مثل صربيا، ناهيك بأن هذه التقنية، يشتبه أنها وراء ما يعرف بـ "متلازمة هافانا"، التي أصابت عام 2016، دبلوماسيين أميركيين يعملون في كوبا، وعانوا خلالها من مستويات حادة من الصداع والدوار والغثيان. يضاف إلى ذلك أن الجيش الصيني قد استخدم عملياً الموجات المليمترية، خلال الاشتباكات الحدودية التي تمت بينه وبين الجيش الهندي عام 2020.
القسم الرابع والأخير من أسلحة الطاقة الموجهة، يتمثل في أنظمة قيد التطوير والبحث، مثل أسلحة الليزر الكيميائي، وأسلحة حزم الجسيمات، والتقنيات المعتمدة على البلازما. الأكيد أن مثل هذا النوع من التقنيات التسليحية، المعتمدة على الطاقة الموجهة، ستشهد توسعاً مطرداً خلال السنوات القادمة، خصوصاً أن بعض تطبيقات هذه التقنية، تم دمجها بالفعل في أنظمة تسليحية قائمة بالفعل، مثل المدافع الكهرومغناطيسية، التي تستخدم الموجات الكهرومغناطيسية، كقوة دافعة للقذائف التقليدية، ما يوفر سرعات فائقة لهذه المقذوفات، تصل إلى ستة أضعاف سرعة الصوت.
في الخلاصة، يمكن القول إنه على الرغم من أن الإصابات الموصوفة في الرواية المتعلقة باستخدام أسلحة الطاقة الموجهة في فنزويلا، كالنزيف وفقدان التوازن والعجز، لا تتطابق تمامًا مع الآثار المعروفة لأنظمة الدفاع الجوي الحالية العاملة بالطاقة الموجهة، وهو ما يضعنا أمام احتمالين، إما أن الظروف الميدانية للهجوم، أدت إلى حدوث حالة سوء إدراك من جانب أفراد الجيش الفنزويلي الذين كانوا موجودين في المواقع التي تمت مهاجمتها، أو أن القوات الأميركية قد اختبرت بالفعل في هذا الهجوم، نظاماً جديداً من أنظمة الطاقة الموجهة، مثل نظام "EPIC"، أو نوعاً أكبر وأكثر قدرة من أسلحة الصوت بعيدة المدى.