التعاون المغربي - الصهيوني يزداد كثافة.. ماذا عن الأمن القومي الجزائري؟

الشراكة العسكرية الاستراتيجية الإسرائيلية المغربية ستساهم في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، بما يمثل تهديداً وتطويقاً للأمن القومي الجزائري.

  • ربط المغرب بنيوياً بالبنية الأمنية الإسرائيلية يهدد الجزائر؟
    ربط المغرب بنيوياً بالبنية الأمنية الإسرائيلية يهدد الجزائر؟

في خطوة دراماتيكية، عزز الكيان الصهيوني من شراكته الاستراتيجية مع المغرب عقب اختتام الاجتماع الثالث للجنة العسكرية المشتركة الإسرائيلية المغربية الذي أقرّ خطة عمل مشتركة لعام 2026 بإشراف مديريتي التخطيط والعلاقات الخارجية في "الجيش" الصهيوني، وبمشاركة كبار المسؤولين العسكريين الصهاينة والمغاربة. 

وقد تضمن البرنامج اجتماعات ثنائية وجولات للعسكريين المغاربة على وحدات "الجيش" الصهيوني وشركات صناعة السلاح والمؤسسات الأمنية الصهيونية الرئيسية، إضافة إلى عقد منتدى استراتيجي ركّز على بناء القدرات العسكرية على المدى الطويل وتعزيز التنسيق المشترك بين الصهاينة والمغاربة.

إضافة إلى ذلك، فقد تناولت المباحثات التعاون في مجال التخطيط الاستراتيجي والابتكار التكنولوجي والجاهزية العملياتية والتدريب المشترك، إضافة إلى ما اعتبره الجانبان "مواجهة التحديات الأمنية الإقليمية".

وقد مثل التوقيع على خطة العمل المشتركة بالنسبة إلى الكيان الصهيوني تطوراً نوعياً لجهة تعزيز حضوره الأمني في منطقة شمال أفريقيا، بما يمثل تحولاً استراتيجياً في التوازنات الجيوسياسية في شمال أفريقيا وغربها.

وقد جاءت هذه الخطوة بعد خمس سنوات على إقامة علاقات دبلوماسية علنية بين "تل أبيب" والرباط في إطار اتفاقيات ابراهام، علماً أن علاقات سرية جمعت بين الطرفين منذ الستينيات من القرن الماضي.

ومن شأن هذه الخطوة أن تشكّل تهديداً للأمن القومي الجزائري، وخصوصاً أن الجزائر لا تزال تعتبر قوة عربية تعارض التطبيع مع الكيان الصهيوني، إضافةً إلى كونها تشكل شريكاً رئيسياً بالنسبة إلى روسيا والصين اللتين تسعيان لتعزيز شراكتهما مع الدول الأفريقية، علماً أن تعزيز نفوذ تل أبيب في غرب أفريقيا يعتبر مدخلاً لتعزيز الحضور الأميركي في غرب أفريقيا على حساب كل من موسكو وبكين. 

ربط المغرب بنيوياً بالبنية الأمنية الإسرائيلية 

وفقاً لخطة العمل هذه، فقد بات المغرب مرتبطاً عضوياً بالمؤسسات الأمنية الإسرائيلية، وباتت الشراكة مع "تل أبيب" تشكل ركيزة أساسية في الاستراتيجية العسكرية المغربية لجهة العقيدة والتخطيط والتعاون الأمني، إضافة إلى التسليح الذي شمل شراء المغرب منظومات المدفعية ذاتية الحركة، مثل "اتموس"، وأنظمة دفاع جوي من طراز "باراك أم اكس"، إضافة إلى مسيرات وتقنيات استخباراتية أخرى.

ويعكس هذا التطور إعادة توجيه المغرب لمصادر تسليحه لتشمل الكيان الصهيوني، إضافة إلى المصدرين التقليديين لتسليحه، وهما الولايات المتحدة والدول الأوروبية الغربية. إضافة إلى ذلك، فإن هذا يعكس أيضاً سعي المغرب لاعتماد سياسات عسكرية هجومية في المجالات العسكرية البرية والبحرية والجوية، إضافة إلى المجالات السيبرانية وحتى الفضائية. 

في ما يتعلق بالكيان الصهيوني، فإن ربط المغرب أمنياً بالمؤسسات العسكرية والأمنية الإسرائيلية يقدّم لتل أبيب الفرصة للانطلاق بحرية في منطقة شمال أفريقيا، إضافة إلى منطقة الساحل والصحراء الأفريقية، وخصوصاً أن النظام في الرباط ثابر على تعزيز علاقاته مع الغرب ومع "إسرائيل" منذ عقود طويلة، وهو يقدم للصهاينة الفرصة لتعزيز علاقاتهم مع جماعات مسلحة في بلدان هذه المناطق وتعزيز نفوذهم في هذه المنطقة من دون الحاجة لتأمين حضور عسكري مباشر في هذه البلدان. 

تهديد الأمن القومي الجزائري 

من شأن تعزيز التعاون العسكري المغربي – الصهيوني أن يشكّل تهديداً للأمن القومي الجزائري، فالجزائر التي تتناقض في التوجه الجيوسياسي مع المغرب منذ استقلالها عن فرنسا في العام 1962، والتي لطالما دعمت القضية الفلسطينية وعارضت التطبيع مع الكيان الصهيوني، ستجد نفسها مهددة من قبل "تل أبيب" من جهة الغرب لأول مرة في تاريخها.

ومن شأن تعاون المغرب مع الكيان الصهيوني أن يعزز قدرات الرباط التكنولوجية والاستخباراتية على حساب الجزائر. ومن شأن التعاون الإسرائيلي المغربي أن يتيح لتل أبيب المجال لزعزعة الاستقرار في غرب الجزائر في ظل دعم الغرب حركات انفصالية أعلنت عن نفسها مؤخراً بشكل رسمي من العاصمة الفرنسية باريس. 

في ما يتعلق بالصراع على الصحراء الغربية، فإن من شأن التعاون الصهيوني – المغربي أن يخل بالتوازن لمصلحة الرباط على حساب الجزائر التي تدعم جبهة البوليساريو التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية عن المغرب.

التعاون الأمني مع "تل أبيب" سيتيح للرباط إمكانيات متطورة لجهة ضبط ومراقبة الحدود وإدارة صراع بالوكالة ضد الجزائر. إضافة إلى ذلك، فإن من شأن هذا التعاون أن يتيح لتل أبيب فرصة اختراق الفضاء السيبراني الجزائري انطلاقاً من مراكز مراقبة باتت تقيمها على طول الحدود المغربية مع الجزائر.

هذا سيتيح المجال أمام الصهاينة لاختراق شبكات الاتصالات في الجزائر وجمع معلومات استخباراتية عن الجيش الجزائري الذي يشكل عماد الدولة الجزائرية، والذي لا تزال عقيدته تعتبر الكيان الصهيوني العدو الأول للجزائر. 

تهديد الحضور الصيني والروسي في أفريقيا 

لا يقتصر خطر التعاون الاستراتيجي الإسرائيلي – المغربي على الجزائر، بل يمتد ليطال الحضور الروسي والصيني في شمال وغرب أفريقيا، فالكيان الصهيوني لا يعمل فقط لذاته، بل يشكل امتداداً للنفوذ الأميركي في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

بالتالي، فإن التهديد الصهيوني للجزائر يمثل أيضاً تهديداً للحضور الروسي في منطقة شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء؛ فمنذ استقلالها في العام 1962، أقامت الجزائر علاقة وثيقة مع موسكو ترقى إلى حد التحالف، وقد استمرت هذه العلاقة حتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي إلى يومنا هذا. وقد شكل التعاون العسكري والأمني بين روسيا والجزائر الحجر الأساس في العلاقات بين البلدين. 

بناء على هذا، فإن التهديد الذي يمثله التعاون الاستراتيجي الإسرائيلي – المغربي للجزائر يمتد ليشكل أيضاً تهديداً للحضور الروسي في أفريقيا، فالتعاون بين "تل أبيب" والرباط يمثل امتداداً للنفوذ الأميركي في منطقة شمال وغرب أفريقيا في الوقت الذي يستعر التنافس بين واشنطن من جهة وموسكو وبكين من جهة أخرى على الساحة الأفريقية، علماً أن موسكو باتت تقيم تحالفات وثيقة مع عدد من الدول في منطقة الساحل تمكّنت من التفلت من الهيمنة الفرنسية والغربية، وعلى رأس هذه الدول كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو. 

عدا عن التهديد للنفوذ الروسي، فإن من شأن التعاون الاستراتيجي المغربي الصهيوني أن يشكّل تهديداً أيضاً للصين. على الرغم من أن بكين لا تقيم تعاوناً أمنياً أو عسكرياً مع الدول الأفريقية، فإنّ استثماراتها الاقتصادية في إطار مبادرة الحزام والطريق قد تكون مهددة في حال استفادت "تل أبيب" من تعاونها الأمني مع المغرب لتعزز حالات اللااستقرار في الدول الأفريقية التي خرجت أو قد تخرج عن طوع القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

كذلك، فإن من شأن التغلغل الأمني الإسرائيلي في أفريقيا أن يدفع الدول الرافضة للهيمنة الغربية إلى التركيز على الإنفاق العسكري للدفاع عن نفسها، بما يقلص من إمكانات تعاونها الاستثماري السلمي مع الصين. 

واشنطن المستفيدة الأولى 

بناءً على ما تقدم، يمكن أن نستنتج أن الولايات المتحدة تعتبر مستفيدة رئيسية من التعاون الاستراتيجي الصهيوني – المغربي، فمن شأن هذا التعاون تعزيز الحضور الصهيوني في منطقة شمال وغرب أفريقيا بما يعزز بطريقة غير مباشرة النفوذ الأميركي حتى من دون الحاجة لنشر قواعد عسكرية في هذه المنطقة.

كذلك، فإن هذا يساهم في تحقيق هدف واشنطن في تقليص الحضور الروسي والصيني في شمال وغرب أفريقيا وربط المنطقة أمنياً بشبكات الأمن الأميركية، علماً أن "إسرائيل" تشكّل أداة رئيسية للاستراتيجية الأميركية، وخصوصاً في المناطق التي تسعى واشنطن لعدم التورط المباشر فيها. 

في المحصلة، فإن الشراكة العسكرية الاستراتيجية الإسرائيلية المغربية ستساهم في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، بما يمثل تهديداً وتطويقاً للأمن القومي الجزائري، إضافة إلى كونه أداة ستستفيد منها واشنطن لمحاولة تقليص الحضور الروسي والصيني في هذه المنطقة. وفي ظل غياب منظومة أمن جماعي عربية في منطقة المغرب، فإن من شأن هذا التعاون أن يهدد ما تبقى من عناصر الأمن القومي العربي الذي تآكل إلى حد كبير في منطقة المشرق العربي، وها هو الآن يجد نفسه أمام تهديد مستجد في منطقة المغرب العربي. كذلك، فإن من شأن هذا التعاون أن يمثل تهديداً لأمن الدول الفريقية الساعية إلى الخروج من دائرة النفوذ الغربي لتحقيق أمنها الذاتي وسبل تنميتها الاقتصادية والسياسية المستقلة.