"إسرائيل" نحو عام جديد.. دروس الماضي القاسية وخيارات المستقبل الصعبة
الفترة من مطلع العام المقبل ولغاية الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، ستكون مرحلة إدارة توترات؛ فغزة ستبقى على حافة الانفجار، لبنان تحت سقف التصعيد المضبوط، وإيران قد تكون ساحة المواجهة الأوسع.
-
يبدو أن الفترة المقبلة ستكون مرحلة إدارة توترات في الكيان.
يبدو أن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لا يستجيب للدرس التاريخي القائل بأن الدبلوماسية تُحقق نتائج فقط عندما تكون مدعومة بقوة ساحقة. وهو كذلك، لا يكترث بحسابات العام الذي مضى والعام المنتظر، فالنزاع التاريخي بين الطرفين يجعل غالبية الأعوام شبيهة بعضها ببعض، فلا أحداث فارقة جوهرياً في محطاته الزمنية منذ 1936 وحتى اليوم.
شكّل ما حدث في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أو ما اصطلح الإسرائيليون على تسميته بـ "أكبر كارثةٍ مُني بها الشعب اليهودي منذ المحرقة"، صدمة دفعت "إسرائيل"، في مواجهة ما تكبّدته من خسائر وتهديدات، إلى بناء سردية "حق الدفاع المشروع عن النفس" لتبرير حربها التدميرية المفتوحة ضد قطاع غزة.
عملياً، أدارت "إسرائيل" حروبها في الجبهات المختلفة، خلال العامين الماضيين، باعتبارها جزءاً من حرب بين العالم "المستنير"، ضد "قوى الظلام" العدوانية. في الشهور الأولى للحرب، تبنّى المعسكر الغربي وغالبية الرأي العام العالمي المنطق القائل "بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، قبل أن يبدأ في التحوّل التدريجي على وقع الخسائر الفلسطينية الفادحة، وينحاز إلى الموقف الفلسطيني. وسرعان ما تحوّلت "إسرائيل" في الساحة الدولية، إلى طرفٍ "شرير" في الحرب، وانتقلت من وضع "الضحية" إلى وضع الجلاد، ووجدت نفسها، للمرة الأولى، في حالة من العزلة الدولية.
صحيح أن الحرب أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة العالمية، لكن ليس إلى صدارة المشهد في "إسرائيل"، بل على العكس تماماً، لا ترى غالبية الرأي العام الإسرائيلي أي أمل في فكرة حل الدولتين، وينظر جزء كبير من الإسرائيليين إلى أي ذكر لخيار الدولة الفلسطينية باعتباره "مكافأة للإرهاب".
في كل الأحوال، ترى "إسرائيل" ما حققته في جبهاتها المختلفة وفي حربها مع المقاومة الفلسطينية إنجازاً، غير أنها تراه إنجازاً غير مستقر ولا نهائي؛ فلم يُفضِ إلى واقع فلسطيني جديد كما أرادت، ولا تزال حماس تحكم جزءاً من القطاع ولا يزال السلاح بيدها، وقد يتعزز موقعها في القطاع على المدى البعيد. هذا يعني أن الشعور الإسرائيلي بالنصر قد يتحول إلى شعور بالهزيمة، والحال نفسها مع إيران ولبنان وربما في الضفة الغربية.
لذا، لا تبدو هذه المرحلة انتقالية بالمعنى الإيجابي؛ بل أشبه بـِ "الهدوء الذي يسبق اختباراً جديداً للقوة"، حيث تتقدّم الحسابات الانتخابية على أي تفكير في حلول بعيدة المدى، كما يتزايد الاستقطاب في الساحتين الاجتماعية والسياسية الإسرائيليتين. ولا ننسى أن "إسرائيل" دخلت الحرب في خضم صراع اجتماعي سياسي واسع النطاق في عام 2023. ومن المرجح أن تؤدي التحديات المتعلقة بالمجتمع الإسرائيلي وجبهته الداخلية في عام انتخابي عاصف، إلى تفاقم الاستقطاب الداخلي العنيف، حيث يواجه نتنياهو تحدي تحقيق التوازن بين التركيز الواضح على القضايا العسكرية وبذل جهد حثيث لاستعادة ثقة الشعب بمؤسسات الحكم الإسرائيلية، وضمان قدرة الاقتصاد على دعم زيادة الإنفاق على الدفاع. ونظراً لأن "إسرائيل" ستظل، على الأرجح، في حالة تأهب عسكري مُشدد في المستقبل المنظور، فإن الصراع حول قضية التجنيد والإعفاء الواسع من الخدمة العسكرية للحريديم سيتصاعد مع وجود جبهات متعددة "للدفاع عنها".
تُشير التقديرات إلى أن الحكومات الإسرائيلية ما قبل الانتخابات تميل تاريخياً إلى تجنّب القرارات المصيرية، مقابل تعزيز خطاب الردع والجاهزية العسكرية، إذ إن المزاج العام، عشية أي انتخابات، لا يكافئ الخطاب التصالحي، بل يَنظُرُ إلى التسوية السياسية كعبء انتخابي، وإلى القوة كضمانة للاستقرار، وكلما اقترب الاستحقاق الانتخابي، تضاءلت فرص السلام، لا بسبب غياب البدائل، بل بسبب كلفتها السياسية.
تَدخُل "إسرائيل" عام 2026 بعد انتهاء حربها على القطاع شكلياً، لكن من دون انتهاء الصراع فعلياً؛ إذ ترى نفسها منخرطة في حرب متعددة الجبهات تمتد من غزة ولبنان إلى الضفة الغربية وسوريا وإيران، مع بروز غزة ولبنان كنقطتي ثقل مركزيتين. وعلى الرغم من الإنجازات العسكرية التي غيّرت، وفق الرؤية الإسرائيلية، ملامح النظام الإقليمي ومهّدت لتوسيع "اتفاقيات أبراهام" التطبيعية بدعم أميركي، فإن تهديد الصواريخ الإيرانية وخطر بقاء حزب الله وحماس مسلحين، وتعقّد الدورين التركي والقطري، وتقييد هامش الحركة الإسرائيلية بفعل الانخراط الأميركي العميق، كلها عوامل تجعل 2026 عاماً حاسماً لاختبار قدرة القيادة الإسرائيلية على الموازنة بين القوة العسكرية وحسابات السياسة، والحفاظ على التحالف مع واشنطن من دون التفريط بما تعتبره "حرية العمل" الأمنية، في ظل أزمات داخلية سياسية واجتماعية واقتصادية متراكمة.
يأتي العام الجديد مُحمّلاً بإرث حرب لم تُحسم سياسياً، وبجمهور يتجه أكثر نحو التشدد، ما يجعل السياسة في قبضة الأمن، ويُعرّف الاستقرار باعتباره غياب "الانفجار الكبير"، لا تحقيق السلام. نعم، خرجت "إسرائيل" شكلياً من مرحلة الحرب المفتوحة، في الجبهات المختلفة التي خاضتها، لكنها لم تدخل في زمن التسوية بعد، فالمرحلة الممتدة بين كانون الثاني/يناير 2026 وموعد الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقبلة، تشكّل فترة إعادة تموضع سياسي وأمني، لا مراجعة استراتيجية.
لم تضع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وعلى لبنان وإيران، وبشكل أقل على سوريا، أوزارها بعد، وعلى الأرجح ستنتقل بتحدياتها وتعقيداتها إلى عام 2026. بالنسبة إلى غزة ستدخل عام 2026 في حالة تهدئة قسرية، تقوم على ترتيبات أمنية وإنسانية مؤقتة بلا حل سياسي، ما يجعل أي خرق أمني شرارة محتملة لجولة قتال جديدة، تُستخدم داخلياً لتغذية خطاب الحزم والردع. هذه التهدئة لا تعكس تحوّلاً في الرؤية الإسرائيلية، بل إدارة للوقت بانتظار تبلور المشهد الانتخابي. والضفة الغربية والسلطة الفلسطينية التي تحكمها شكلاً، لا تبتعدان عن هذه المقاربة إلا من حيث انتظار أقرب نقطة تسمح بفرض الضم ونقله من الأمر الواقع المفروض إلى التشريع العلني.
أما لبنان فيحتلّ موقعاً خاصاً في مرحلة ما بين كانون الثاني/يناير 2026 والاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي باعتباره الجبهة الأكثر قابلية للانزلاق، لا فقط بسبب طبيعة المواجهة مع حزب الله، بل أيضاً بسبب هشاشة الدولة اللبنانية وعجزها البنيوي عن ضبط مسارات التصعيد أو التهدئة. ومع أن جبهة لبنان تُدار حالياً تحت سقف معيّن من الاشتباك، لكنها قد تتحوّل سريعاً إلى ساحة مواجهة أوسع، إذا تغيّرت الحسابات السياسية الإسرائيلية. قد تلجأ "إسرائيل" إلى تصعيد محدود عسكرياً، مُكلفٍ اقتصادياً واجتماعياً للبنان، عبر تغيير قواعد الاشتباك تدريجياً، وتوسيع بنك الأهداف، من دون الذهاب إلى حرب شاملة. ومع ذلك، فإن احتمال الحرب الشاملة يبقى مفتوحاً، فالواقع اللبناني نفسه يشجع "إسرائيل" على المخاطرة، خصوصاً مع الانقسام الداخلي، والانهيار الاقتصادي المستمر، وتنازلات الدولة المتتالية التي تقرأُها "إسرائيل"، عوامل ضعف تُقلّص احتمالات الردّ اللبناني المنظّم، وتزيد من قابلية فرض وقائع جديدة على الأرض. والأخطر أن يستمر لبنان من دون أدوات التأثير في توقيت التصعيد ولا في مساره، بل يكتفي بإدارة نتائجه، ويبقى، في مرحلة ما قبل الانتخابات الإسرائيلية، رهينة توازنات لا يملك مفاتيحها.
وفي ما يخص الجبهة الإيرانية، من المرجح أن تتصاعد التوترات معها ومع حلفائها، مع ارتفاع مستوى الهجمات السيبرانية والتهديدات غير التقليدية. وفي هذا السياق، يبدو لقاء فلوريدا بين ترامب ونتنياهو لحظة مفصلية في إدارة الصراع مع إيران بعد الضربات المتبادلة التي وقعت فعلياً في حزيران/ يونيو 2025. فاللقاء المرتقب بين الرَجُلين يتجاوز إطار التنسيق الثنائي، ليحمل في طياته مؤشرات على إعادة تشكيل المشهد الإقليمي برمته، حيث يُعاد تحديد المواقع والوظائف السياسية والأمنية لدول المنطقة، بمعزل عن إرادة ومصالح شعوبها.
على الأرجح سيعود نتنياهو بدعم أميركي مشروط لضربات إسرائيلية إضافية ومحددة، تستهدف الدفاعات الجوية الإيرانية والبنية الصاروخية، بالتوازي مع تصعيد الحرب السيبرانية وتشديد العقوبات الاقتصادية، وهو نهج ينسجم مع العقيدة الأميركية التقليدية القائمة على إدارة الأزمات لا حسمها؛ محاولة تفادي انفجار أسواق الطاقة أو تعريض الممرات البحرية للخطر. لكن هذا المسار "المضبوط" لا يُلغي احتمال الانزلاق نحو خيار أكثر خطورة يتمثل في استهداف البنية القيادية والسيادية الإيرانية، بما يكسر قواعد الردع التقليدية ويدفع طهران إلى رد واسع حفاظاً على هيبتها، ما قد يجر المنطقة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد لا يمكن التنبؤ بنهاياتها.
وفي هذا المشهد، كما في الملفين الغزي واللبناني، لا يمكن إغفال المحرك السياسي الإسرائيلي الداخلي، فنتنياهو الذي تعصف به أزمات داخلية حادة، يجد في "العدو الخارجي" الوسيلة الأنجع لتوحيد الجبهة الداخلية، والحرب بالنسبة إليه ليست مجرد خيار أمني، بل هي ضرورة سياسية للبقاء. هذا التداخل بين المصلحة الشخصية والأمن القومي هو ما يجعل مطلع عام 2026 محطة حرجة للغاية، حيث تتقاطع طموحات الفرد مع مصير شعوب بأكملها، في مقامرة قد تؤدي إلى انهيار منظومة الاستقرار الهش في المنطقة.
أما في سوريا، فستستمر الإستراتيجية الإسرائيلية في اعتماد دعم الطائفة الدرزية لتعزيز دورها الانفصالي في المنطقة، عبر تحويل السويداء وجبل العرب إلى "منطقة عازلة اجتماعية" تحول دون السماح لنظام جديد معادٍ لـ"إسرائيل" بتوحيد سوريا والتحوّل إلى تهديد مستقبلي عبر تمدد الميليشيات أو التنظيمات الراديكالية نحو "حدودها". وبالتوازي، تسعى "إسرائيل" للاستفادة من مسار المفاوضات مع الشرع، بهدف تأمين نوع من الحكم الذاتي للدروز في إطار أي اتفاق أمني مستقبلي، يضمن لهم نوعاً من الإدارة الذاتية.
من المتوقع أن تواجه "إسرائيل" تحديات كبيرة في تحقيق أهدافها في سوريا، أبرزها مواقف القوى الإقليمية والدولية الأخرى، ولا سيما الولايات المتحدة، والتعامل مع الانتقادات المتزايدة من المجتمع الدولي. ففي حين ترفض "إسرائيل" أن يتحوَّل الجنوب السوري إلى منطقة نفوذ لأنقرة، تؤمن المؤسسة السياسية فيها بإمكانية الوصول إلى صيغة تعايش عملي مع تركيا، يقوم على اعتراف متبادل بـ"المصالح الأمنية المشروعة" للطرفين في سوريا. تُقر "تل أبيب" بموجبها، بأن لتركيا أولويات أمنية وجودية في الشمال السوري تتعلق بالملف الكردي ومنع نشوء كيانات انفصالية، مقابل اعتراف تركي موازٍ بأن الجنوب السوري، من دمشق إلى الجولان، هو منطقة أمنية حيوية لـ"إسرائيل" لا يُسمح بتمدد الفصائل المسلحة فيها.
وفي المحصّلة، يبدو أن الفترة من مطلع العام المقبل ولغاية الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، إذا جرت في موعدها المقرر مع نهاية العام، ستكون مرحلة إدارة توترات؛ فغزة ستبقى على حافة الانفجار، لبنان تحت سقف التصعيد المضبوط، وإيران قد تكون ساحة المواجهة الأوسع والمنطقة برمتها في حالة توازن هشّ.
ومن الآن وحتى يفرز صندوق الاقتراع حكومة جديدة أو متجددة، متطرفة أو أشد تطرفاً، فالنتيجة واحدة؛ صراع طويل، سلام مؤجَّل، ومنطقة تعيش على إيقاع التهدئات المؤقتة. ستُلازمنا العواصف الجيوسياسية التي ميّزت عام 2025 في عام 2026، فالصراع مركب بالفعل؛ وحجم الانتهاكات وغطرسة القوة لا حدود لهما، وإرادة إرساء سلام وحل مستدام لم تتشكل بعد، لا لدى القادة والشعب الإسرائيليين، ولا داخل أروقة صناعة القرار الأميركي.