زمن ما بعد الذريعة.. قراءة في محددات الحرب الممكنة

ما نشهده اليوم هو انتقال تاريخي من حروب الذرائع والأسباب إلى حروب الإمكان والأهداف. حروب لا تبدأ لأنّ حادثة وقعت، بل لأنها أصبحت ممكنة، ولا تتوقّف لأنّ الذريعة سقطت، بل فقط عندما تُفرَض عليها كلفة أعلى من الاستمرار.

  • إعادة تعريف الحرب في النظام الدولي المعاصر.
    إعادة تعريف الحرب في النظام الدولي المعاصر.

في 28 حزيران/يونيو 1914، أطلق شاب صربيّ يُدعى غافريلو برينسيب رصاصتين في مدينة سراييفو. خلال دقائق، قُتل وليّ عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية وزوجته. في ذلك اليوم، لم يكن أحد يتخيّل أنّ هاتين الرصاصتين ستفتحان الطريق أمام حرب عالمية ستقتل أكثر من 16 مليون إنسان. لكن ما حصل بعد ذلك كان الأهمّ، لم تبدأ الحرب فوراً، بل بدأ البحث عن الذريعة.

استغرقت أوروبا أسابيع من المراسلات والإنذارات والبيانات الدبلوماسية. صيغت الاتهامات، وجرى تضخيم الحدث، وبُنيت سردية كاملة تُحوّل اغتيالاً محدوداً إلى "ضرورة تاريخية" للحرب. لم تكن الحرب حتمية لحظة الاغتيال، لكنها أصبحت كذلك عندما قرّرت الدول الكبرى أنّ الذريعة كافية لإطلاقها.

هذه القصة ليست استثناءً في التاريخ، بل قاعدة. من خليج تونكين عام 1964، الذي استُخدم لتبرير حرب فيتنام، إلى "أسلحة الدمار الشامل" في العراق عام 2003، كانت الحروب الكبرى تحتاج دائماً إلى حادثة تُروى، تُقدَّم للرأي العامّ بوصفها الشرارة التي لا بدّ منها.

لكن ونحن نصل إلى يومنا هذا، تبدو قصة سراييفو بعيدة بشكل صادم. ليس لأنّ العالم أصبح أكثر أخلاقية، بل لأنّ الذريعة نفسها لم تعد شرطاً. لم يعد النظام الدولي ينتظر رصاصة، أو سفينة، أو تقريراً استخباراتياً مشكوكاً فيه. فالتراكم البنيوي للأزمات، واختلال موازين القوى، وتآكل الردع، وسقوط القانون الدولي، جعلت الحرب ممكنة بذاتها، حتى في غياب الحدث المؤسِّس.

من هنا، لا ننطلق من سؤال، ما الذريعة المقدّمة للحرب؟ بل، ما الذي يدفع أيّ طرف لشنِّ حرب؟

في هذا السياق، علينا قراءة ما إذا كانت الحروب تُخاض اليوم لأسباب تتعلّق بلحظة معيّنة أو ظرفٍ مؤقت، أو للحفاظ على الموقع، أو منع التراجع، أو فرض معادلة قوة جديدة، حتى وإن كانت النتائج غير محسومة بالكامل.

ومع عودة منطق الهيمنة كدافع مركزي في سلوك القوى الكبرى والإقليمية، يتحوّل النقاش ممّا إذا كانت الحرب فعلاً إرادياً نابعاً من الرغبة في فرض الوقائع، أو ردّ فعل على ذريعة محدّدة. وبين هذا وذاك، تتحوّل الحرب من استثناء يحتاج إلى تبرير، إلى نتيجة شبه تلقائيّة لاجتماع القدرة، والرغبة، وحسابات المنفعة في نظام دولي مأزوم لتصبح الذريعة إن وُجدت، أحد أشكال تزيين الحرب، أما القرار الحقيقي، فيُتَّخذ عندما تصبح الهيمنة ممكنة، وعدم الحرب أكثر كلفة من خوضها.

إعادة تعريف الحرب في النظام الدولي المعاصر

في تحليل الظاهرة الراهنة التي تشير إلى أنّ الذريعة لم تعد أساساً لشنّ حرب أو عملية، يمكن استحضار مجموعة من النظريات البارزة والمعاصرة في العلاقات الدولية. 

بداية، يقدّم جون ميرشايمر في كتابه The Tragedy of Great Power Politics (1993) إطار الواقعية الهجومية، حيث يرى أنّ الدول لا تسعى فقط للأمن، بل لتعظيم قوتها وتحقيق الهيمنة عندما تسمح لها الظروف، ما يجعل الحرب أحياناً نتيجة للرغبة الذاتية في فرض القوة، بغضّ النظر عن اعتداء مباشر.

في المقابل، يسلّط كينيث والتز Theory of International Politics (1979) الضوء على البنية الفوضوية للنظام الدولي، مؤكّداً أنّ غياب سلطة مركزية يجعل اندلاع الحرب احتمالاً بنيوياً، حتى في غياب ذريعة ظاهرة، ما يُظهر أنّ الحرب ليست مجرّد استجابة لحدث، بل يمكن أن تنشأ من ديناميكيات النظام نفسه.

من ناحية أخرى، يركّز بول كينيدي The Rise and Fall of the Great Powers (1987–1991) على الصلة بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية والمنطق التاريخي لدورات الصعود والهبوط للدول الكبرى، مبيّناً أنّ الحرب قد تُخاض أحياناً لمنع التراجع الاستراتيجي، لا للتوسّع فقط، ما يوضح أهمية حساب الكلفة والمنفعة كعامل أساسي في اتخاذ قرار الحرب. 

تكمل هذه المدرسة نظريات حديثة نسبياً بعضها يصنّف ضمن الواقعية البنيوية التفاعلية وأخرى ضمن نظريات الهيمنة المتغيّرة، التي تؤكّد أنّ الحروب اليوم تنشأ غالباً من اجتماع القدرة على خوضها مع تقدير أنّ عدم خوضها يؤدّي إلى فقدان النفوذ أو تراجع الهيمنة، مع إبراز أنّ الرغبة بالسيطرة تصبح حافزاً مستقلاً لا يتطلّب ذريعة.

وعلى الرغم من الاختلافات بين هذه النظريات، بين الواقعية الهجومية التي تركّز على الرغبة الذاتية، والبنيوية التي تركّز على النظام، والتحليل التاريخي لكينيدي، ونظريات الهيمنة الحديثة التي تدمج الاقتصاد والقدرة العسكرية، إلا أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ الحرب في عصرنا الراهن يمكن فهمها كنتيجة شبه تلقائيّة لاجتماع القدرة، وحسابات الكلفة والمنفعة، والرغبة بالهيمنة، بدل أن تكون مرتبطة بحدث مفجّر أو ذريعة تقليدية.

وفي السنوات الأخيرة، ظهرت أبحاث حديثة في العلاقات الدولية تستخدم نظرية النظم المعقّدة ونماذج الشبكات لفهم لماذا يمكن أن تندلع الحروب حتى من دون وجود حدث محدّد أو ذريعة واضحة. الفكرة الأساسية هي أنّ الدول ليست عناصر معزولة، بل مرتبطة ببعضها كشبكة كبيرة من العلاقات. بعض الروابط إيجابية تمثّل التعاون والتحالفات، وبعضها سلبي يمثّل الصراع والتنافس.

هذه الشبكة ليست ثابتة، بل ديناميكية تتغيّر مع الوقت، ومع تراكم الضغوط، مثل صعود أو سقوط تحالفات، تغيّر موازين القوة، وتعمّق الانقسامات، يمكن أن يتحوّل النظام الدولي فجأة من حالة سلام وظيفي إلى حالة صراع شامل، حتى لو لم يحدث شيء محدّد يبرّر الحرب.

دراسة منشورة عام 2023 في مجلة Network Science استعملت ما يُسمّى نموذج الشبكات الموقّعَة (signed network) لتحليل العلاقات بين الدول، وبيّنت أنّ هناك نقاط تحوّل حرجة (bifurcation points)، عندما تتجاوز بعض المتغيّرات فيها عتبات حرجة معيّنة، قد ينتقل النظام كلّه بشكل شبه تلقائي إلى حالة الحرب. بمعنى آخر، اندلاع الحرب يعتمد على تراكم الضغوط البنيوية والتفاعلات المتشابكة بين القوى المختلفة، بحيث يصبح النظام أكثر عرضة للصراع. والفكرة الأساسية هنا ليست أنّ الحرب تجري بلا سبب، بل أنّ الأسباب لم تعد ترتبط فقط بحدث واحد أو ذريعة مفاجئة، بل تتشكّل أحياناً من تفاعلات بنيوية معقّدة على مستوى النظام الدولي يكون من الصعب اختزالها في "حادث ما". 

هذا الإطار العلمي يدعم وجهة النظر التي ترى أنّ القدرة على خوض الحرب، حسابات الكلفة والمنفعة للاستمرار في العلاقات الدولية، ورغبة الهيمنة على النفوذ يمكن أن تكون عوامل مؤثّرة في اندلاع الصراع حتى إذا لم تتوافر ذريعة تقليدية واضحة. وهذا المنهج يسمح بفهم الحروب في العصر الحالي بشكل مختلف، باعتبار أنّ الحرب اليوم يمكن أن تكون نتيجة بنيوية للنظام الدولي نفسه، حيث تتفاعل القدرة على خوضها، مع تفاعلات القوى المتعددة، واستقطاب العلاقات الدولية لتخلق ظروفاً تجعل الانزلاق نحوها أمراً شبه حتمي، فتصبح نتيجة للمناخ العامّ للنظام الدولي، أكثر من كونها نتيجة لحادث منفرد.

النار في مواجهة النار

في السنوات الأخيرة، شهدنا أمثلة عديدة على هذه الظاهرة. الحرب في أوكرانيا عام 2022 لم تبدأ بسبب اعتداء مباشر على روسيا، بل نتيجة تراكم توترات استراتيجية، توسّع النفوذ الغربي في شرق أوروبا، وتراجع الردع التقليدي على حدود موسكو. وأيضاً، كمثال فإنّ التوترات بين تركيا واليونان في شرق المتوسط حول الغاز ومناطق النفوذ تُظهر أنّ تصاعد الصراع الإقليمي لا يحتاج بالضرورة إلى شرارة مفاجئة، بل يمكن أن ينشأ من تداخل المصالح والقدرات والتنافس على الهيمنة.

في السياق نفسه من النزاعات المعاصرة، يمكن أن نرى بوضوح كيف أنّ الحروب الأخيرة في منطقة غرب آسيا جاءت نتيجة تراكمات طويلة في موازين القوى، العقائد الاستراتيجية، وحسابات الهيمنة والسيطرة. على سبيل المثال، العدوان الذي شنّته "إسرائيل" على غزة بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لم ينشأ من فراغ أو من اللحظة الراهنة، لقد كان نتاج تراكم صراعات متعدّدة السنين بين "إسرائيل" كحالة الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين، وضمن إطار من السياسات الأمنية الإسرائيلية التي طالما تعاملت مع غزة ككيان معادٍ تحت فرضيّات استراتيجية خاصة بها. 

هذه السياسات شملت حصاراً وعمليات عسكرية متكرّرة، مما جعل التوتر البنيوي متصاعداً، بحيث لم تكن عملية 7 أكتوبر بذاتها "ذريعة أو سبباً" خارجة عن السياق، بل جزءاً متأصّلاً من مسار طويل للتوتر المتواصل والمعاناة المتراكمة، بل يمكن القول إنها بحدّ ذاتها كانت لحظة انعطاف نقلت الصراع الموجود أصلاً بأسبابه، إلى مستوى أعلى. لذلك فإنّ "الذريعة" هنا لم تكن سبب الحرب، بل جزءاً من مسار أكبر من التصعيد والتنافس الإقليمي، والصراع في هذه الحالة أصبح أداة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم موازين القوة في المنطقة، وفق ما يصرّح به المسؤولون الإسرائيليون.

 ومن منظور تحليلي أوسع، فإنّ الحرب الإسرائيلية التي طالت المنطقة بأكملها، استخدمتها الولايات المتحدة الأميركية، ضمن سياقها الإقليمي، كآلية أيضاً لتشكيل نفوذها الدولي في مواجهة خصوم مثل إيران وروسيا والصين، لتصبح أحداث المنطقة ساحة للصراع معهم.

اليوم، تعتمد الحروب بشكل أساسي على قدرة الفاعل على خوضها، وحسابات الكلفة والمنفعة، ورغبة الهيمنة والسيطرة على الموارد والمواقع الاستراتيجية، بحيث يصبح القرار بالدخول في الحرب أو استمرارها نتيجة شبه تلقائيّة لتراكمات القوة والتفاعلات الاستراتيجية والسياسية في النظام الدولي، وليس مجرّد رد فعل لحادثة مفاجئة أو ذريعة محدّدة. وبالمثل، فإنّ توقّف الحرب أو الحدّ من شدّتها أصبح مرتبطاً مباشرة بقدرة الطرف المقابل على مواجهتها أو دفعها عنه. بمعنى آخر، الصراع لن يتوقّف إلّا عندما يمتلك الطرف الآخر القدرة الفعلية على إيقاف النار، فرض الردع، أو تعديل موازين القوة بشكل يردع العدوان، بينما استمرار الحرب في غياب هذه القدرة يعني أنّ الذرائع التقليدية لم تؤدِّ أيّ دور حقيقي في إطلاقها أو استمرارها كما أنها لم تؤدِّ أيّ دور في توقّفها مع انتفاء الذريعة. 

وبهذا المعنى، الحروب اليوم تتصرّف مثل ديناميكية ذاتية التراكم، النار لا تُطفأ إلا بنار مقابلة، والاستراتيجية والقدرة الفعلية للأطراف المتواجهة هي التي تحدّد مسارها، لا مجرّد حادثة مفاجئة أو تبرير سياسي مؤقت، فالتخطيط لتفجيرات البيجر في لبنان، وما تبعها من الحرب على لبنان، بأهدافها ودراسة كلفتها، كان سابقاً في مساره الموضوع له بسنوات، للحظة اندلاع حرب الإسناد التي بدأها حزب الله بعد "طوفان الأقصى".

التبرير هدف وليس ذريعة

إذا كان اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو هو نتيجة لقدرة الولايات المتحدة الأميركية على القيام بذلك، فإنّ الذرائع التي كانت تقدّم سابقاً وقبل العملية لم تكن ضمن مسار تبريرها، بل ضمن سياق الاستعداد لها.

لذلك، فإنّ الأهداف التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انحصرت في رغبة الحكومة الأميركية بالهيمنة على فنزويلا ومقدّراتها وسياستها الإقليمية والدولية وهو ما أعلنته الإدارة الأميركية صراحة. ومن هنا، فإنّ العملية الأميركية هي نتيجة للشعور بالتفوّق الأمني والعسكري أولاً، والرغبة بالتوسّع ثانياً، والخشية من العمق الاستراتيجي الذي تؤمّنه أميركا اللاتينية لخصوم واشنطن ثالثاً. وهنا تحديداً، ما جعل الإدارة الأميركية تقوم بالفعل هو ببساطة شعورها بالقدرة على القيام به مع وضوح القوانين الدولية، والأعراف في رفضها لهذا الأمر.

في السياق ذاته، فإنّ القوة التي استخدمتها واشنطن لم تكن عسكرية وأمنية فقط، بل جيوسياسية أيضاً، مبرّرةً ذلك بما يسمّى "عقيدة مونرو" ليس كذريعة للعملية، بل كهدفٍ لها بالهيمنة على أميركا اللاتينية، أو وضعها ضمن مسار سياسي يغذّي مصالحها. وبهذا المعنى، يتحوّل السؤال في النظام الدولي من، لماذا يقوم أيّ طرف بالحرب؟ إلى، ما الذي يريده الطرف من الحرب؟ 

البيان الذي أصدره بدوره، مجلس الدفاع في إيران رداً على التهديدات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة، ملوّحاً بعملية استباقية بقوله إنّ إيران "وفي إطار حقّها في الدفاع المشروع، لا تحصر نفسها في الردّ بعد وقوع الفعل فحسب، بل تعتبر المؤشّرات الملموسة على وجود تهديد جزءاً من المعادلة الأمنية"، يعطي نموذجاً عن تحرّك طهران في الدائرة التي أفرزتها التطوّرات على الساحة الدولية مؤخّراً، باعتبار أنّ أيّ عملية استباقيّة إيرانية سيكون هدفها تثبيت المعادلة الأمنية مع عدم وجود ذريعة ملموسة بوقوع هجوم إسرائيلي، والاكتفاء بوجود مؤشّرات، وهي الطريقة ذاتها التي تسيّر بها "إسرائيل" مخطّطها في المنطقة، بمعزل عن صحة هذه المؤشّرات من عدمها.

وبذلك، تكون إيران قد انتقلت إلى مستوى متقدّم من المواجهة، يُنظر إليه على أنه حرب عليها بمعزل عن ما إذا أطلقت هي الصاروخ الأول أو "إسرائيل"، ما يضع الذريعة أو الشرارة بالنسبة للطرفين، بمستوى أقلّ من القدرة والكلفة.

الجوانب التي تحدّد الحرب

الآن في غرب آسيا وشرقها، وأميركا اللاتينية، وشرق أوروبا ومناطق التوتر حول العالم، فإنّ منطق السلم والحرب انتقل من تطويع القانون الدولي في خدمة الهدف (كما كان يحصل دائماً من خلال التذرّع بالقانون الدولي) إلى تجاوزه لتحقيق الهدف. والعامل الأساسي لشنّ أيّ عملية يتشكّل من خلال 5 جوانب: القدرة، الرغبة، سلوك الخصم حتى لو ضمن استشراف للمستقبل، النتيجة، والهدف. 

لقد أظهرت الوقائع المعاصرة أنّ الحروب أصبحت تعتمد على تراكم القدرة، وحسابات الكلفة والمنفعة، والرغبة بالهيمنة والسيطرة، بمعزل عن الحدث أو السبب. فأحداث مثل الحرب الإسرائيلية المستمرة في غزة ولبنان وإيران منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعمليات اختطاف مادورو في كانون الثاني/يناير 2026، تثبت أنّ استمرار الصراع أو توقّفه مرهون بالقدرة الفعلية للطرف المقابل على مواجهته.

ومع استمرار هذا التحوّل في طبيعة الحروب، يصبح المستقبل الدولي أكثر هشاشة وتعقيداً. أيُّ تراكم للقدرة أو خلل في موازين القوى قد يؤدّي إلى انزلاق شبه تلقائي نحو الحرب، حتى في غياب أيّ شرارة محدّدة. وفي هذا الإطار، يبقى العامل الحاسم هو القدرة والرغبة والهدف، وهو الأمر الذي يجب أن تدركه حتى الجماعات التي تنطلق من محدّدات عقائدية وأخلاقية، لأنها وإن كانت تستند إلى ذلك، وتسعى للاندماج في النظام الدولي، فإنّ هذا النظام سيستخدم أدواته لتطويعها وهزيمتها، باعتبار أنّ "ذريعة" ضربها التي تُهدَّد بها، وإن انتفت تلقائياً، أو من خلال سلوكها المباشر، فهي لن تكون إلا مقدّمة لسلب قدراتها، والقضاء عليها في مراحل متتالية، لأنّ انتفاء الذريعة أو السبب لن يكون محدّداً لمنع الحرب عليها بل صراعها التاريخي مع الخصم وقدراته في تحقيق أهدافه منه. 

الحروب الممكنة

بناءً عليه، يجب أن ينصبّ التركيز على فهم ديناميكيات القوة وقياس القدرة الاستراتيجية للأطراف المتحاربة، لأنّ المستقبل سيحكمه من يملك القدرة على خوض الحرب ومن يملك الوسائل لإيقافها، ودفع نتائجها عنه، لا من لديه السبب أو الشرعية فقط.

واستناداً إلى مراجعة التاريخ الحديث، النظرية الواقعية، ونماذج الشبكات المعقّدة، يمكننا صياغة إطار تحليلي جديد للحروب المعاصرة، يُسمّى "الحروب الممكنة"، والتي ترى أنّ اندلاع الحرب، مع وجود مسار للصراع أوصله للالتحام العسكري، لا يعتمد على الذرائع، بل على اجتماع القدرة على خوض الحرب، الرغبة بالهيمنة، وحسابات الكلفة والمنفعة. 

صحيح أنّ الذرائع ما زالت حاضرة في الحروب المعاصرة، لكنّ دورها تغيّر بشكل واضح، فأصبحت - إن وجدت أصلاً - جزءاً من عملية تسويقها بعد اتخاذ القرار، تُستخدم لإقناع الرأي العامّ، لتثبيت التحالفات، ولإعطاء الحرب إطاراً سياسياً أو قانونياً مقبولاً، بينما يُبنى القرار الفعلي على تقدير القدرة، وحساب الكلفة، والهدف المراد فرضه على الأرض. والحديث عن الحرب بوصفها نتيجة شبه تلقائية لتراكمات القوة لا يعني أنها مسار مغلق أو قدر محتوم، فالأخطاء وسوء التقدير والصدفة ما زالت تؤدّي دورها، لكنّ تراكم الضغوط البنيوية واختلال موازين القوى يضيّقان هامش المناورة السياسية، ويجعلان استخدام القوة خياراً مرجّحاً كلما جرى تقدير أنّ ثمن الامتناع عنها أعلى من ثمن خوضها. 

في هذا السياق، يتراجع حضور القانون الدولي بوصفه أداة ردع فعلي، لكنّ هذا الإطار لا يتجاهل التأثيرات السياسية التي لا يمكن التحكّم بها، لكنه يركّز على مستوى النظام الدولي، حيث تتقاطع بنية الفوضى، والتهديد، وحسابات النفوذ، لتشكّل بيئة تحدّد خيار خوض الحرب من عدمه، حتى في غياب حادثة مفجّرة واضحة. من هنا، تُطرح "الحروب الممكنة" كأداة لفهم توقيت الحرب ومنطقها، أكثر مما تُطرح كنظرية حتميّة، إذ تساعد على تفسير كيف تصبح الحرب قابلة للتحقّق، ولماذا يمكن تأجيلها أحياناً من دون أن تزول شروطها.

وما نشهده اليوم هو انتقال تاريخي من حروب الذرائع والأسباب إلى حروب الإمكان والأهداف. حروب لا تبدأ لأنّ حادثة وقعت، بل لأنها أصبحت ممكنة، ولا تتوقّف لأنّ الذريعة سقطت، بل فقط عندما تُفرَض عليها كلفة أعلى من الاستمرار. وعليه، سنشهد مع الوقت اندثار النصوص القانونية في النظام الدولي، لصالح مجلّدات الأمن القومي، إن كان للدول أو الفواعل والجماعات.