الطبقة القلقة وتأثيرها على مستقبل الديمقراطية في أوروبا وأميركا

أوروبا وحتى الولايات المتحدة الأميركية لديهما مستقبل مظلم من ناحية الديمقراطية وأوضاع المهاجرين، والصراعات العرقية والوطنية التي قد تفجر الأوضاع في القارتين، عبر توجيه هذه الطبقة غير الواعية إلى صراعات خارجية.

  • البريكاريا واليمين الشعبوي.
    البريكاريا واليمين الشعبوي.

في العام 2011 أصدر عالم الاقتصاد البريطاني اليساري غاي ستاندينغ كتابه المعنون "The Precariat: The New Dangerous Class – البريكاريا: الطبقة الجديدة الخطرة". في هذا الكتاب يشير إلى تكون طبقة جديدة كنتيجة للعولمة وتفكيك النظام الرأسمالي التقليدي، حيث استبدلت الوظائف المستقرة بالعمل المؤقت، العقود قصيرة الأجل، والعمل الحر (الفريلانس) . 

تتكون هذه الطبقة من عمالة مثقفة وحاصلة على شهادات جامعية عليا لكنها مضطرة للعمل بعيداً من تخصصاتها، في ظروف عمل تفتقر إلى عناصر الأمان السبعة (أمان سوق العمل، أمان التشغيل، أمان الوظيفة، أمان العمل، أمان تطوير المهارات، أمان الدخل وأمان التمثيل النقابي.)، هذا الوضع أدى إلى شعور أبناء هذه الطبقة بالاغتراب السياسي والسخط على المؤسسات والأحزاب التي يعتبرون أنها خانت مصالحهم، أو لم تعد تعبر عنهم. وقد قام ستاندينغ بنحت مسمى جديد لهذه الطبقة وهو (بريكاريا-الطبقة العاملة القلقة/غير المستقرة)، والمسمى مشتق من كلمتين إحداهما: بروليتاريا، وهي طبقة العمال الصناعيين المعروفة، والثانية (Precarious - بريكاريوس) والتي تعني قلق أو هش أو غير مستقر.

في تقسيم غاي ستاندينغ لطبقات مجتمع ما بعد العولمة، يرى أنه لا يمكن الإبقاء على التقسيم الطبقي القديم (بورجوازية في مقابل البروليتاريا)، معتبراً أن هذا التقسيم غير صالح لفهم الأوضاع الحقيقية في القرن الـ21، خاصة مع التفكيك الذي شهده نظام الرأسمالية التقليدية بداية من أوائل سبعينيات القرن الماضي، وفي المقابل يرسم شكلاً جديداَ لطبقات المجتمع يتكون من خمس طبقات تتذيلها البريكاريا:

1- النخبة: طبقة محدودة العدد لكنها تمتلك ثروات خرافية وتدير العالم .

2- أصحاب الرواتب: تتكون من موظفي الحكومة والشركات الكبرى الذين يتمتعون بكل المزايا والأمان الوظيفي، مشيراً إلى أن هذه الطبقة في تناقص .

3- المحترفون: هم مستشارون وتقنيون يملكون مهارات كبيرة لكنهم يعملون بشكل حر وبأجور عالية .

4- البروليتاريا: طبقة العمال الصناعيين المعروفة وقد بدأوا بالانقراض مع تراجع النقابات والمصانع.

5- البريكاريا: هي الطبقة الضخمة والتي تزداد نمواً، وتفتقر إلى أي من المزايا التي كان يحصل عليها العامل التقليدي، ومن الطبيعي أنّ تناقص طبقة أصحاب الرواتب والبروليتاريا يصبّ في زيادة أعدادها.

إذاً، لقد خلقت العولمة الطبقة النقيضة لها، لكنها طبقة ذات طابع خاص، يتمتع أفرادها بالتعليم والثقافة، لكنهم في المقابل يعانون من الغضب، السخط، القلق، الاغتراب والتهميش بسبب غياب الفرص الحقيقية للعمل رغم تمتعهم بتعليم عال، وعدم وضوح أو ضمان المستقبل، وبالتالي ليس لديهم أي تقدير للنظام والمعايير الاجتماعية والقواعد الأخلاقية المتوارثة، بل وحتى في بعض الأحيان يعانون من فقدان الشعور بقيمة الانتماءات القومية أو الوطنية، وهنا من الملاحظ أن غالبية أبناء هذه الطبقة ينخرطون في روابط مشجعين كروية متعصبة كالألتراس والهوليجانز، تستبدل الانتماء للوطن أو القومية بالانتماء للفريق الرياضي.

جيل Z والبريكاريا

يعتبر غاي ستاندينغ أن جيل Z هو كتلة البريكاريا الحديثة الصلبة، وإذا كان الجيل السابق جيل Y أو الألفية، هو من عاصر بداية ظهور الهشاشة الوظيفية، فإن جيل زد هو أول جيل وُلد ونشأ داخلها بالكامل.

فهذا الجيل هو الأكثر تعليماً في التاريخ، ومعظم أفراده يحملون شهادات جامعية رفيعة المستوى، لكنهم رغم ذلك يعملون في وظائف "اقتصاد المنصة" مثل: توصيل طلبات، خدمة عملاء، عمل حر مؤقت، أو تطبيقات أوبر، فايفر، أب ورك. وهي أعمال ذات طبيعة لحظية تفتقر إلى أي تأمين صحي أو معاش تقاعدي أو حماية قانونية. وبالتالي تفتقر إلى المقومات التقليدية للحياة القديمة كامتلاك الأصول (منزل مثلاً) ما دفع البعض إلى وصفه بجيل الإيجار، وهذا الشعور بانعدام الملكية هو جزء أساسي من هوية البريكاريا.

هذا الوضع المضطرب ما بين فقدان الانتماء وعدم القدرة على تملك أي أصول أو وضوح المستقبل، أدى إلى تشتت الوعي الطبقي بالنسبة لأفراد البريكاريا وتشظي مواقفها السياسية، فأفراد هذه الطبقة بالرغم من التعليم والثقافة إلا أنهم يفتقدون الوعي السياسي، والذي يتشكل لدى غالبيتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي بحسب طبيعتها تقدم معلومة صغيرة مجتزأة وربما غير صحيحة أيضاً، وبالتالي فهي طبقة تعاني من السلبيات التي أشار إليها كارل ماركس في حديثه عن البروليتاريا الرثة والتي وصفها بأنها فاقدة للوعي ويمكن شراؤها من قبل المستبدين والرأسمالية، كما أن ثمة تشابهاً بينهم وبين البروليتاريا المتشردة، التي أشار إليها الزعيم الصيني ماو تسي تونغ في تحليله لطبقات المجتمع الصيني، وعنى بها الفلاحين الذين فقدوا أرضهم وعمال الصناعات اليدوية الذين فقدوا كل فرصة للعمل، لافتاً إلى أنهم يتحلقون حول جمعيات سرية يتبادلون المعونة في ظلها ضمن نضالهم السياسي والاقتصادي (مثل مجموعات الألتراس)، ومن اللافت أن ماو تسي تونغ أكد أن معالجة قضية هذه الطبقة من قضايا الصين العويصة، كونهم ذوي قوة وبأس في النضال، إلا أنهم ميالون للتخريب، لكن لو جرى توجيههم بطريقة صحيحة فيمكن أن يصبحوا قوة ثورية، وهو ما فعله اليمين الأوروأميركي، كما يبدو، مستفيداً مما قاله الزعيم الصيني الشيوعي، ولكن في الاتجاه المعاكس.

البريكاريا واليمين الشعبوي 

تمتلك الهند أكبر طبقة عمل غير رسمي في العالم، حيث تمثل البريكاريا نسبة 90% من العمالة الهندية، يعملون في البناء والخدمات والورش الصغيرة من دون عقود عمل، وقد تمكن حزب بهارتيا جاناتا اليميني من استيعاب هذه الكتلة الضخمة، واستخدم زعيمه ناريندرا مودي جيشاً من شبابها الذي يملك مهارات في التعامل مع التكنولوجيا لنشر دعاياته، مقابل وعود بمستقبل أفضل تحت حكم القومية الهندوسية، بل إنه استغل كذلك الرياضات المفضلة عند الهنود وخاصة الكريكيت وروابط مشجعي الكبادي (رياضة هندية قديمة).

لقد فهم اليميني ناريندرا مودي جيداً، أن العامل المهمش عندما يدرك مدى هشاشة وضعه الاقتصادي، سوف يتقبل ما يمنحه إياه الحزب القومي المتطرف من فخر كونه هندوسياً ويدافع عن أمة عظيمة ضد أعداء داخليين (المسلمين) أو خارجيين (باكستان والصين)، ويتبنى مشروع إعادة العظمة والمجد للأمة الهندوسية عبر ضم الأراضي التي سلبت منها سابقاً. أي أن حزب بهارتيا جاناتا قدم للبريكاريا الهوية الصلبة (القومية الهندوسية) كبديل عن الخبز، وربط بين الأمان الاجتماعي وبين تحقيق مشروع الأمة الهندوسية.

ليست الهند هي النموذج الوحيد لقدرة اليمين الشعبوي على العبث بطموحات هذه الطبقة، ففي بريطانيا الأوروبية، تمكن حزب الإصلاح اليميني من اجتذاب هذه الطبقة، حيث يقوم زعيمه نايجل فاراج بتنظيم مجموعات الهوليجانز القديمة سياسياً مثل هوليجانز أندية: وستهام يونايتد (Inter City Firm)، تشيلسي (Headhunters)، ميلوول (Bushwackers)، وتوتنهام (Yid Army)، حيث جرى تنظيمهم في إطار جمعيتي (رابطة الدفاع عن كرة القدم FLA) و(رابطة الدفاع عن الديموقراطية لكرة القدم DFLA)، وعبر هذه الروابط تمكن نايجل فاراج من تجييش هذه الطبقة لدعم البريكست، حيث اعتبروا أنفسهم خط الدفاع الأخير لبريطانيا ضد المهاجرين والأسلمة.

لقد استهدف فاراج على وجه الخصوص، البريكاريا البيضاء عبر الظهور في الحانات الشعبية، ومخاطبة الرجل العادي بلغة بسيطة ومباشرة، ملقياً اللوم في كل مشاكل بريطانيا على كاهل النخبة النيوليبرالية والهجرة غير الشرعية، وبرزت خطورة هذا الاستهداف في احتجاجات صيف 2024 اليمينية، وشاركت فيها البريكاريا وخاصة روابط الألتراس والهوليجانز، والتي اضطر رئيس الوزراء البريطاني ستارمر إلى التعامل معها بصورة متشددة.

لم يكن هذا الميل لدى البريكاريا تجاه اليمين مجانياً، حيث من المعروف وجود دعم مالي ومعنوي من قبل رجال أعمال يمينيين لهذه المجموعات، بل إن تقارير صحف مثل الجارديان أشارت إلى وجود دعم لهذه المجموعات الممثلة للبريكاريا من قبل رجال أعمال أميركيين ومراكز فكرية ومنصات إعلامية أميركية وكندية لهذه المجموعات.

ويلاحظ مثل هذا التمويل بصورة أوضح في شرق وجنوب أوروبا، ويعد رئيس الوزراء الإيطالي السابق سلفيو برلسكوني (المالك السابق لنادي ميلان) الأب الروحي لاستغلال هذه المجموعات سياسياً، حيث قام بتمويل "روابط مشجعي ميلان" بشكل غير مباشر، ومنح قادتهم امتيازات تجارية. في المقابل، تحولت مدرجات ميلان إلى "منصات انتخابية" ترفع صوره وتهاجم خصومه من اليسار. وفي روسيا كان الملياردير الروسي الطريد ديمتري كامنسكيك، مالك مطار دوموديدوفو في موسكو من أشد الممولين لروابط هوليجانز أندية سيسكا موسكو وسبارتاك موسكو وقام بتعيين المئات منهم كرجال أمن في مطاره، كما اتهمته السلطات الروسية بتمويل رابطة ألتراس نادي ميتاليست خاركيف الأوكرانية والتي تأسست من رحمها كتيبة آزوف اليمينية المتطرفة.

ولا يختلف الوضع في ألمانيا عن باقي أوروبا، حيث تمكن حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني من اجتذاب البريكاريا وروابط المشجعين في شرق ألمانيا على وجه الخصوص حيث توجد المدن الصناعية المنهارة، مثل رابطة نادي دينامو دريسدن (قبضة الشرق)، ورابطة نادي لوكوموتيف لايبزج (Scenario LOK)، وروابط مشجعي نادي هانزا روستوك وانيرجي كوتبوس وهم معروفون بتوجهاتهم النازية الجديدة، إضافة إلى رابطة هوجيدا التي تضم يمينيين من أندية مختلفة (بروسيا دورتموند، شالكة، هانزا روستوك).

بل إن حركة ماجا اليمينية ذاتها تمكنت من مخاطبة البريكاريا عبر استغلال وسائل التواصل الاجتماعي وروابط المشجعين الرياضية خاصة بالنسبة لرياضة كرة القدم الأميركية ورياضة الفنون القتالية المختلطة (UFC)، وحتى مجموعات البايكرز (Bikers for Trump) لدعم انتخاب دونالد ترامب سواء في المرة الأولى أم في المرة الأخيرة.

إن هذا الجنوح التقليدي نحو اليمين هو ما دفع غاي ستاندينغ إلى وصف هذه الطبقة بالخطرة، بالرغم من أن التيارات الاشتراكية كالماركسية والأناركية حققت بعض النجاحات في أوساطها مثل روابط مشجعي سان باولي، بعض روابط بروسيا دورتموند في ألمانيا، مشجعي أندرلخت في بلجيكا، غالبية روابط المشجعين بنادي روما وروابط أندية كييفو فيرونا وليفورنو (معقل الشيوعية الإيطالية) وبولونيا في إيطاليا، مشجعو ناديي إيفرتون وليفربول بإنجلترا وروابط أندية رايو فايكانو وليفانتي وأتليتك بلباو بإسبانيا.

كما تشكلت حركات ماركسية وأناركية تقوم على أبناء هذه الطبقة الجديدة مثل حركة احتلوا وول ستريت الأميركية، وحركة فرنسا الأبية LFI بقيادة جان لوك ميلانشون، وحركة فالنسيا المناهضة للفاشية (Antifeixistes València)، لكن، تظل النجاحات اليمينية هي الأكبر في أوساطها كونها تدمج الدفاع عن الهوية الوطنية والعرقية وحتى الدينية في خطابها، وتجسد عدواً ظاهراً وهو النخب النيوليبرالية والمهاجرون غير الشرعيين، كما تطالب بحماية الصناعة الوطنية، ما يمثل جاذبية أكبر بالنسبة لطبقة مهمشة ومفتقدة للأمان والضمانات الاجتماعية والصحية، وتعاني من تناقض امتلاكها للتعليم وفي الوقت نفسه افتقارها للوعي بمصالحها كطبقة وللثقافة السياسية.

إن خطورة هذه الطبقة تتعلق بمستقبل الديمقراطية في أوروبا وأميركا على وجه الخصوص، فهذا الجنوح نحو اليمين والتركيز على الهويات العرقية والدينية في مواجهة المهاجرين، والعرقيات الأخرى، والطموحات الإمبراطورية لدى بعض هذه العرقيات، كالطموحات السارماتية في بولندا (السارماتيين شعب آري قديم)، وأحلام استعادة إمبراطورية الكومنولث البولندي – الليتواني، وطموحات المجريين في استعادة أراضيهم المتشظية عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية، بل وحتى طموحات حزب البديل من أجل ألمانيا لاستعادة أراضي المتحدثين بالألمانية الموزعة بين سويسرا وبلجيكا وبولندا وتوحيدها، تشير إلى أن صعود اليمين عبر هذه الطبقة سوف يؤدي بكل تأكيد إلى نتيجتين: الأولى، هي انهيار الاتحاد الأوروبي، والثانية، هي إعادة تشكيل وهندسة أوروبا مرة أخرى، وربما لهذا السبب تعيد الدول الأوروبية التركيز على تجنيد الشباب وزيادة التسلح.

إن العدو الوهمي الذي ترغب النخب الأوروبية في اختلاقه حالياً، كمبرر لهذا التسلح، هو روسيا، لكن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد، فالنزعة اليمينية تجد جاذبية خاصة لدى النخب الرأسمالية عند الأزمات الاقتصادية، وسوف تقوم بترويجها بين جماهير البريكاريا خوفاً من احتمالات صعود التيارات الاشتراكية وخاصة الشيوعية، وتجنباً لغضب البريكاريا وقوتها التدميرية، وعليه فإن الصدامات الأوروبية – الأوروبية سوف تكون ضرورية للتغلب على الواقع المتردي للقارة العجوز، ومحاولة بقاء هذه النخب في مواقعها، عبر اختلاق مشروع يمنح هذه الطبقة مسكنات بمسمى استعادة المجد الوطني والحفاظ على الطابع العرقي والتقاليد الدينية.

وربما سيكون الوعي بخطورة هذه الطبقة ونموها أكثر وضوحاً إذا ما تابعنا التقديرات لنسب هذه الطبقة في أوروبا وأميركا، بحسب تقديرات غاي ستاندينغ ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ففي أوروبا الغربية تمثل البريكاريا 30% من العمالة في بريطانيا، 28% في فرنسا، 20% في ألمانيا وتتزايد في الجانب الشرقي، 35% في إيطاليا، 22% في بلجيكا، 15% في هولندا، 40% في إسبانيا، 35% في البرتغال و28% في أيرلندا الجنوبية. وبشكل عام فهي في أوروبا الغربية تمثل كمتوسط 30% من العمالة.

بينما تزداد النسبة في أوروبا الشرقية، حيث تبلغ كمتوسط 40% من العمالة، لكنها تتوزع حسب الدول كالتالي: في بولندا 40%، المجر 35%، رومانيا وروسيا 45%، في اليونان وبلغاريا 50% وهي تمثل أعلى معدلات الفقر الهيكلي في الاتحاد الأوروبي. أما في الولايات المتحدة فتبلغ النسبة 33%، وفي كندا 30%.

إن نمو هذه الطبقة يشير بوضوح إلى نمو الصراعات العرقية في أوروبا وأميركا، عبر صعود الأحزاب اليمينية، بالرغم من أن بعض شرائحها تنحاز للاشتراكية أحياناً، كما في فرنسا وبريطانيا، والجانب الفرنسي من بلجيكا، لكن الأخيرة على سبيل المثال تعد نموذجاً للصراع المرتقب حيث يسيطر التوجه اليساري على الجانب الفرنسي في والوني، بينما يسيطر التوجه اليميني على الجانب الفلامنكي (لهجة هولندية جنوبية) في الفلاندر، وثمة خلاف يدور بين المجموعتين حالياً، حيث يحتج الفلاندرز على المساواة بين المجموعتين في نسبة الوزراء 15+15 بالرغم من أنهم يشكلون 59% من السكان بينما يشكل الوالون 40% من السكان (يشكل المتحدثون بالألمانية أقل من 1%)، ويرسخ الانقسام بين توجهات البريكاريا في المجموعتين هذا الخلاف الذي قد يتصاعد لاحقاً. 

ماذا لو صعد اليمين في أوروبا ؟

لا يمكن وضع توقعات حول ما سيحدث في حال صعد اليمين في أوروبا بشكل جماعي، فالواقع أن هناك سيناريوهات محتملة خاصة فيما يتعلق بالموقف من القضية العربية الأولى (فلسطين). فالأحزاب اليمينية تنظر بعداء واضح للمهاجرين القادمين من الشرق وغالبيتهم من المسلمين، وقد صنعت من الإسلام أداة ذعر بالنسبة لجماهيرها تحت التحذيرات من الأسلمة وتهديد الهوية العرقية والدينية لأوروبا، وربما لهذا السبب نرى دعماً قوياً (وإن كان مشروطاً) من هذه الأحزاب للكيان الصهيوني.

لكن في المقابل ثمة مفارقة هنا لا يمكن تجاهلها، حيث تتسم قواعدها الجماهيرية بعداء قاس ضد اليهود، وهو ما نلمحه في إيطاليا خاصة عندما يزور نادي توتنهام الإنجليزي (المرتبط باليهود تاريخياً) مدينة روما، حيث يتوحد مشجعو روما ولاتسيو في مواجهته، وهي المرة الوحيدة التي يتوحدون فيها مع ما بينهما من عداء يصل إلى  القتل أحياناً. وفي سبتمبر 2025، وقبل مباراة المنتخب الإيطالي في مواجهة الكيان الصهيوني، أدار مشجعو المنتخب الإيطالي ظهورهم أثناء عزف النشيد الصهيوني وهم يرفعون لافتات "أوقفوا الإبادة"، ومثل هذه المواقف تتوسع يمينياً كنتيجة لحرب غزة وعلى قاعدة راسخة لدى اليمين العرقي الأوروبي والأميركي عموماً بالعداء لليهود المحتفظين، في مخيلة هؤلاء اليمينيين، بشخصية شيلوك في مسرحية شيكسبير الشهيرة "تاجر البندقية".

بصورة عامة، فإن البريكاريا اليمينية تطرح تساؤلات حول السبب في دعم الكيان الصهيوني مادياً (اقتصادياً وعسكرياً)، بينما تعاني دولها من المشاكل الاقتصادية والتضخم، وهنا لا يمكننا التنبؤ من سيتمكن من التأثير على الآخر، الأحزاب اليمينية أم قواعدها الجماهيرية البريكارية.

من ناحية أخرى، فإن الصعود الاقتصادي للصين والهند، والعسكري لروسيا، في مقابل التراجع الذي تعاني منه أوروبا والولايات المتحدة، يمكن أن يجبر اليمين على الانكفاء الداخلي إلى حد ما، في محاولة للحفاظ على اقتصاده وأمنه في مواجهة الاختراق الشرقي، الأمر الذي سيقلل كثيراً من الدعم اليميني للكيان الصهيوني.

إذن يمكننا التوقع بأن أوروبا في الفترة المقبلة ونتيجة لتراجع قوتها الاقتصادية وتقلّص الرفاهية فيها في مقابل العولمة، وبالتالي توسّع طبقة البريكاريا ذات الطبيعة غير المستقرة وغير الواعية اجتماعياً وسياسياً في غالبية شرائحها والغاضبة تجاه النخبة النيوليبرالية، أقول يمكننا توقع أن أوروبا وحتى الولايات المتحدة الأميركية لديهما مستقبل مظلم من ناحية الديمقراطية وأوضاع المهاجرين، والصراعات العرقية والوطنية التي قد تفجر الأوضاع في القارتين، عبر توجيه هذه الطبقة غير الواعية إلى صراعات خارجية، كمطالبات ترامب بالحصول على جرينلاند أو كندا وضمهما للولايات المتحدة، أو كمحاولاته إسقاط النظام في فنزويلا.

أما بالنسبة للشرق العربي، فلا يمكن، حتى الآن، التنبؤ بمدى قدرة النخبة اليمينية على قيادة قواعدها الجماهيرية تجاه دعم (جزئي) الكيان الصهيوني، أو قدرة هذه القواعد الجماهيرية على إجبار نخبتها بالاتجاه المخالف والالتفات إلى الداخل.