الأسلحة المستقلة وملامح دور الذكاء الاصطناعي في الحروب المستقبلية

شهد التسليح الجوي المسير نقلة نوعية، تمثلت في أول عملية إسقاط جوي تنفذها طائرة مسيرة، جرى خلالها إسقاط طائرة مسيرة هدفية، عبر صاروخ جو - جو أطلقته الطائرة تركية الصنع "قزل إلما".

  • مستوى جديد من
    مستوى جديد من "الاستقلالية" للأنظمة المسيرة.

أوائل الشهر الجاري، أجرى قسم "سكونك ووركس" التابع لشركة "لوكهيد مارتن" الأميركية، اختبارًا عمليًا لافتاً، أظهر ما يمكن للذكاء الاصطناعي تقديمه فيما يتعلق بإدارة العمليات الميدانية، في حال فشل الأنظمة المسيرة لأسباب طارئة في تنفيذ مهامها.

تمحور هذا الاختبار بشكل عام، حول تشغيل "نظام إدارة للطوارئ"، عامل بالذكاء الاصطناعي، يجري تفعيله بمجرد حدوث قصور ميكانيكي أو تقني في الأنظمة المسيرة المختلفة، وهو ما يعتبر في حد ذاته، خطوة متقدمة نحو تطوير أنظمة مسيرة تتمتع بقدر أكبر من قدرات "التشغيل المستقل".

اعتمد هذا الاختبار على منصة "STAR.SDK"، وهي جزء من بنية رقمية تعمل شركة لوكهيد على تطويرها تحت اسم "STAR.OS"، بهدف تمكين المطورين من إنشاء تطبيقات مدعومة بالذكاء الاصطناعي ودمجها وتنفيذها بشكل سريع، سواء كانت مخصصة للاستقلالية أم لدمج البيانات أم لدعم اتخاذ القرارات. وقد جرى ربط منصة "STAR.SDK" خلال هذا الاختبار، بنظام لإدارة الطوارئ عامل بالذكاء الاصطناعي، عبر واجهة مستخدم تتضمن مساعدًا يعمل عبر الدردشة.

مستوى جديد من "الاستقلالية" للأنظمة المسيرة

خلال هذا الاختبار، حلقت عدة طائرات مسيرة في توقيت متزامن، تتقدمها طائرة مسيرة من نوع "ستالكر إكس إي"، قامت بتغذية بيانات مهمتها لمركز قيادة وتحكم موحد، كان يدير أيضًا مركبة أرضية غير مأهولة، وطائرات من دون طيار أخرى، وهذه المنظومة سمحت بإدارة متزامنة للطائرات من دون طيار والمركبات الأرضية غير المأهولة بشكل سلس  ومتكامل.

المرحلة الأساسية في هذا الاختبار، تمثلت في تعرض طائرة "ستالكر إكس إي" المسيرة، لخلل مفاجئ في تدفق الوقود، حيث تمت محاكاة عدة حالات طوارئ مختلفة متعلقة بهذا الخلل. من ثم جرى تشغيل نظام الطوارئ العامل بالذكاء الاصطناعي، الذي قام بشكل لحظي بتقييم الوضع التشغيلي للطائرة، وتحديد موضع الخلل، وطرح خيارات للسيطرة على الطائرة وإعادتها للتحكم الكامل، أمام المشغّل البشري، الذي قام باختيار إحداها، ونفذ نظام الطوارئ بناءً على هذا، بإعادة السيطرة على الطائرة.

المثير للاهتمام أكثر في هذا الاختبار، أن عملية إعادة السيطرة على الطائرة وإعادتها إلى القاعدة، تمت بشكل لحظي من جانب نظام الطوارئ العامل بالذكاء الاصطناعي، ما يسمح للمشغل البشري بالتركيز على المهام الأساسية المنوط بالطائرات المسيرة تنفيذه، متجنبًا الإرهاق الذهني الذي قد يحدث عند إدارة عدة طائرات مسيرة في وقت واحد، حيث نقل النظام المهمة الاستطلاعية التي كانت مكلفة بها طائرة "ستالكر إكس إي"، إلى طائرة مسيرة أخرى من نوع "ألتا إكس"، لتستمر المهمة الأساسية التي كان مطلوب تنفيذها على المستوى العملياتي، من دون أن يتأثر الجدول الزمني للمهمة، بالعطب الذي أصاب الطائرة الأولى.

ممّا سبق يمكن فهم نقطة التحول الرئيسية التي أسفر عنها هذا الاختبار فيما يتعلق بالأنظمة المسيرة المستقلة، حيث يُعدّ النقل السريع والسلس للمسؤوليات بين الطائرات من دون طيار، ميزة رئيسية للاستقلالية المعززة بالذكاء الاصطناعي، خاصة في الميادين القتالية ذات بيئة التشويش الإلكتروني واللاسلكي المرتفعة، أو تلك التي تشهد تغيرات جوية أو لوجستية غير متوقعة، وهي جميعها عوامل تتطلب - من مشغلي الأنظمة المسيرة - قدراً أكبر من التركيز، مع وجود هامش خطأ بشري، وبالتالي أظهر هذا الاختبار كيف يمكن للأنظمة غير المأهولة المستقبلية، أن تُسهم في تخفيف هذا العبء، ما يُعزز المرونة العملياتية بشكل إجمالي.

توسع نطاق الطائرات المسيرة القتالية التعاونية

جانب آخر من جوانب تطور الطائرات المسيرة، ألا وهو الطائرات القتالية التعاونية (CCA)، حيث كشفت مؤخراً شركة "SHIELD AI" الأميركية، عن الطائرة المقاتلة ذاتية القيادة "X-BAT"، العاملة بمحرك نفاث، والتي تتميز بإمكانية الإقلاع والهبوط بشكل عمودي، وهي تعتبر نقلة نوعية ليس فقط فيما يرتبط بالطائرات المسيرة التعاونية - أي التي تعمل بالتنسيق مع مقاتلات مأهولة - بل أيضاً نقلة مهمة أخرى لإمكانية الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في العمليات القتالية المباشرة.

حقيقة الأمر أن مبعث تطوير هذه الطائرة، يعود بشكل أساسي إلى التطور الكبير الذي طرأ خلال الأعوام الأخيرة، على قطاع الأنظمة المسيرة في الصين، حيث يمثل هذا النوع من الطائرات، وسيلة للجمع بين القدرات التي يمكن أن تقدمها مقاتلات الجيل الخامس المأهولة، وبين تكلفة تطوير وتشغيل زهيدة مقارنة بالتكاليف الباهظة التي تتطلبها عمليات تطوير طائرات هذا الجيل، بما يوفر للولايات المتحدة الأميركية، وسيلة فعالة لمواجهة المقاتلات من الأجيال المتقدمة، بوسائط مضادة فعالة وموفرة في تكاليف التشغيل والتطوير.

يُضاف إلى ذلك أن تمتع هذا النوع من الطائرات، بإمكانية الإقلاع والهبوط بشكل عمودي، يجنبها مخاطر عدم القدرة على العمل في الظروف القتالية اذا ما جرى قصف مدارج الطائرات، كما يجعلها عملياً بديلاً فعالاً عن مقاتلات الاعتراض الجوي المأهولة - التي تحتاج لتنفيذ دوريات جوية طويلة الأمد، ودعم دائم من طائرات التزود بالوقود - ناهيك عن أن قدرة هذه الطائرات الجديدة على تنفيذ كل المهام الهجومية، سواء ما يرتبط بمهام القتال الجوي أم بمهام القصف الأرضي أم حتى مهام الحرب الإلكترونية والاستطلاع والمراقبة.

الأمر الأهم فيما يتعلق بهذه الطائرة، هو أنها تعتبر عملياً أول منظومة قتالية جوية تصمم من الأساس، كي تعمل بشكل مستقل عن المشغّل البشري، حيث صُمّمت لتكون بالحجم والوزن والطاقة اللازمة، لحمل جميع أجهزة الاستشعار والمعدات الضرورية للعمل بشكل مستقل تمامًا، مع وجود رابط مستمر بينها وبين وحدة القيادة والسيطرة المأهولة، والتي تكون عادة مقاتلة أو طائرة إنذار مبكر، وهو ما يوفر بشكل عام قدرات مزدوجة لهذه الطائرة، فمن ناحية يمكن أن تعمل بشكل مستقل تماماً، أو يتم التحكم فيها من خلال مقاتلة مأهولة، ومن ناحية أخرى، تمتلك  قدرات دفاعية يجري من خلالها استهداف أي جسم معادٍ يدخل ضمن دائرة أو نطاق معين، وقدرات هجومية تُكلَّف خلالها الطائرة بالبحث عن هدف أو موقع معين، ثم الهجوم عليه بشكل آني، فضلاً عن قدرات أخرى تكون فيها هذه الطائرة عاملاً مساعداً أو داعماً للعمليات الجوية المأهولة، كاستخدامها في الحرب الإلكترونية، أو كجهاز استشعار، لتوفير معلومات لحظية عن ميدان القتال للمقاتلات المأهولة.

جدير بالذكر أن أحد مصانع شركة "لوكهيد مارتن" الأميركية، كان قد قدم منتصف عام 2024، نسخة غير مأهولة من مقاتلات "إف-16" تحت اسم "X-62A"، تعتبر تطويراً مبنيّاً على تصميم سابق لطائرة اختبارية استخدمها سلاح الجو الأميركي منذ منتصف تسعينيات الماضي، لتدريب طياري مقاتلات "إف-16"، والمثير للاهتمام هنا أن تقديم هذه الطائرة، تضمّن تزويدها بالنظام نفسه الذي زُوّدت به طائرات "X-BAT" لاحقاً، ألا وهو نظام "HIVEMIND"، الذي أنتجته شركة "SHIELD" لتأمين التحكم بالمقاتلات غير المأهولة عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي، بشكل يمكّنها من معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة وبدقة، وتحديد التهديدات المحتملة.

الطائرات المسيرة وقدرات الاشتباك المباشر

في الإطار نفسه، شهد التسليح الجوي المسير، أواخر الشهر الماضي، نقلة مهمة ونوعية، تمثلت في أول عملية إسقاط جوي تنفذها طائرة مسيرة، تم خلالها إسقاط طائرة مسيرة هدفية، عبر صاروخ جو - جو أطلقته الطائرة الهجومية المسيرة النفاثة تركية الصنع "قزل إلما".

وعلى الرغم من أن مبدأ إسقاط طائرة مسيرة لطائرة اخرى عبر صواريخ جوية، لا يعتبر جديداً في حد ذاته، حيث حاولت الولايات المتحدة سابقاً تنفيذ هذا المبدأ، خلال الدوريات الجوية التي كانت تنفذها في منطقتي حظر الطيران في الأجواء العراقية خلال تسعينيات القرن الماضي، كما أجرت عام 2017 تجربة تم خلالها إسقاط طائرة هدفية مسيرة، عبر صاروخ أطلقته طائرة مسيرة من نوع "ريبر"، إلا أن التجربة التركية كانت لها ميزات نوعية، فقد تمت بمواكبة من أربع مقاتلات تركية من نوع "إف-16"، أي أن التحليق جرى في شكل سرب متكامل، كما أن الذخيرة الجوية المستخدمة، كانت صواريخ جو - جو تركية الصنع من نوع "غوكدوجان"، جرى تثبيتها على حوامل خارجية لأغراض اختبارية، بالنظر إلى أن البصمة الرادارية لهذه الطائرة، تتضمن تزويدها بحواضن داخلية للأسلحة.

التجربة كانت ناجحة من حيث الشكل العملياتي، حيث استخدمت طائرة "قزل ألما"، الرادار المزودة به من نوع "مراد" الذي تنتجه شركة "أسيلسان"، لتوجيه الصاروخ نحو هدفه بالتوجيه الراداري النشط، ومن ثم يمكن القول إن هذه التجربة تعد إنجازًا بالغ الأهمية لتركيا، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار إعلان واشنطن منذ عدة أشهر، عن نيتها تنفيذ تجربة مماثلة، وهو ما حصل بالفعل بعد التجربة التركية بأيام قليلة، حيث أعلنت شركة "بوينغ" الأميركية، عن نجاح تجربة في أستراليا، لإسقاط طائرة مسيرة من نوع "فينيكس"، عبر إطلاق صاروخ جو - جو من على متن طائرة مسيرة من نوع "MQ-28"، وهي المنصة الجوية الرئيسية التي تعمل واشنطن على تطويرها لتحقيق مبدأ "القتال التعاوني" و"القتال المستقل".

بشكل إجمالي، تتزايد آفاق تطوير الأنظمة المسيرة المستقلة والتعاونية، ويتزايد عدد الدول الساعية لدخول هذا المجال، مثل تركيا وروسيا بعد سنوات من اقتصار المحاولات في هذا الصدد على واشنطن وبكين، ومن الجدير بالذكر أن موسكو قد استغلت الميدان الأوكراني، لإجراء تجارب في هذا الصدد، حيث اختبرت طائرتها المسيرة القتالية "إس-70 أوخوتنيك"، مزودة بصواريخ جو - جو. هذه الآفاق تتضمن دوراً أساسياً للذكاء الاصطناعي، الذي انتقل على المستوى العسكري، إلى اتجاهات أكثر نوعية، يمكن من خلالها التكيف مع التقلبات الطارئة في الظروف القتالية، بشكل يمكّن الأنظمة المسيرة من اتخاذ قرارات سريعة ومستقلة، تقلل بشكل كبير من الأعباء الملقاة على عاتق العنصر البشري أثناء المهام القتالية المركبة.

كذلك يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي من هذا المنظور، كعامل مضاعف للقوة، حيث توفر أنظمة إدارة النيران المعتمدة عليه، القدرة على الإشراف على مجموعات أكبر من الطائرات المسيّرة والمركبات البرية، واستخدامها في الاستجابة بشكل أسرع للتهديدات الميدانية المستجدة، ومع تطور القدرات المستقلة، وازدياد الثقة في اتخاذ القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، سيتلاشى الخط الفاصل بين العمليات المأهولة وغير المأهولة، ما يُمهد الطريق لشكل جديد من أشكال ميادين القتال المستقبلية، سواء على مستوى المنظومات القتالية، أم  أنظمة التشغيل وإدارة النيران.