واشنطن تلاحق "المتمردين" والمنافسين.. الإخضاع والأرباح بالعسكرة
ترسم تحركات إدارة ترامب ملامح حملة أميركية متعددة الجبهات لتكريس الهيمنة، عبر الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي من فنزويلا إلى غرينلاند وإيران وأوروبا. وتهدف هذه الحملة إلى تطويق روسيا والصين والسيطرة على موارد الطاقة والمعادن النادرة.
-
حاملة طائرات أميركية
يعكس المشهد السياسي العالمي وضعاً يبدو على حافة الهاوية، بتوالي تحركات إدارة ترامب منذ بداية العام الحالي، التي تثير قلقاً عالمياً بعد صدمة خلّفها اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ثم توقيف قوات أميركية ناقلة نفط روسية "مرتبطة بفنزويلا"، وفق تعبير واشنطن، في تصعيد محسوب يكافىء التساهل الأميركي مؤخراً مع روسيا، ويضع معادلة واضحة أمام موسكو: حرية حركة روسية في أوكرانيا مقابل امتناع عن دعم فنزويلا.
عدا عن ذلك قالت "وول ستريت جورنال" إن الولايات المتحدة استولت على خمس ناقلات نفط في محيط فنزويلا مؤخراً، وصرحت وزارة الطاقة الأميركية أن "الحكومة الأميركية بدأت بالفعل بيع النفط الفنزويلي في السوق العالمية. بعد تصريح ترامب بأن الولايات المتحدة "ستبقى في فنزويلا حتى تعيد الأمور إلى نصابها"، وترجمته العملية إصرار على النفاذ إلى نفط البلاد بوسيلة أو أخرى، مع حديثه عن إفادة الاقتصاد الأميركي باستثمارات ضخمة، حوالي 100 مليار دولار، تضخها شركات النفط الأميركية الكبرى في فنزويلا، وفق قوله.
من ناحية أخرى، يجدد ترامب إعلان هدفه بالسيطرة على غرينلاند، التي تضم أرضها احتياطات معادن نادرة، وفي الخلفية سيطرة الصين على حوالي 70% على أنشطة تعدين الأخيرة عالمياً، وحوالي 90% من عمليات الفصل والمعالجة، في مقابل عقود استخراج محدودة قياساً للاحتياطات المؤكدة، تفيد منها شركات محلية وشركتان استرالية وبريطانية، مع موقع استراتيجي هام، يسمح بتطويق روسيا عسكرياً واقتصادياً من زاوية جغرافية جديدة، جهة القطب الشمالي، بعد إقرار أميركي ضمني بأحقية تحرك روسيا في أوكرانيا، وتصاعد تقدمها العسكري هناك، ليشكّل واقعاً أكثر تعقيداً يصعب قلْبه إلا بتدخل غربي مكلف أو حرب كبرى. وجاء موقع توقيف ناقلة النفط (بيللا 1) الروسية والاستيلاء عليها بالغ الدلالة، قبالة الساحل الجنوبي لأيسلندا، حيث أول الطريق البحري إلى روسيا من شمال المحيط الأطلنطي.
ولا يمكن فصل ملف المعادن النادرة عن واقع أميركا الجنوبية الاقتصادي ومقدراتها، إذ تضم منطقة "مثلث الليثيوم" على الحدود بين الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، الذي يضم 54% من احتياطات المعدن الهام العالمية، وقد استقبل استثمارات صينية كبيرة بالفعل تقودها شركة CATL المملوكة للدولة، أكبر شركة لتصنيع بطاريات السيارات الكهربائية في العالم. ما يشير إلى أبعاد أخرى محتملة للتركيز الأميركي مؤخراً على القارة، مقابل نفوذ الصين حول مخزون عالمي آخر للمعادن النادرة في ميانمار، وتقدمها المطرد في أبحاث التطوير المتعلقة بها.
من هنا قد يمثل فرض النفوذ السياسي بالضغط، في أميركا الجنوبية، حائط سد أمام الصين على مستوى استراتيجي، وبالمعنى الاقتصادي، بعد جمود طويل في التعامل مع مناهضي النفوذ الأميركي في القارة، وتمدد صيني متواصل في العلاقات التجارية معها، وثيق الصلة بسلاسل التوريد العالمية وشبكة الموانئ الصينية الواسعة. لذلك لم يكن غريباً أن تتواصل تصريحات ترامب الموجهة إلى كولومبيا وكوبا، يتكامل وضغط (بالتعريفات وبغيرها) لتوسيع النصيب الأميركي من أسواق الدول المحيطة، في القارة ذات الموارد الطبيعية الكبيرة، والتي يمثل أحد أضلاعها إطلالة جغرافية على شرق آسيا والصين.
وفي غرب آسيا، حيث مساحة أخرى غنية بالنفط والغاز، يلوح ترامب بتدخل لتغيير النظام في إيران، تحت عنوان "حماية المتظاهرين"، بعد أشهر من التهديدات أطلقها و"إسرائيل"، مع تغطية مكثفة للإعلام الغربي للاحتجاجات الاقتصادية، التي شهدت بعض مواقعها أعمالاً مسلحة استهدفت قوات وقيادات أمنية، وواكبتها تصريحات ترامب المشجعة لإسقاط النظام، مع تحركات لجماعات مسلحة نشطة بالفعل ومشعلي حرائق، قالت السلطات إنها كشفت تلقّي بعضهم تكليفاً من "إسرائيل" عبر وسيط. موقف يتسق وما ذهبت إليه بنوك أفكار أميركية في الأشهر الماضية، وتوجهات في مجمع الاستخبارات الأميركي، أن الاستراتيجية الأفضل مع إيران هي "الهجينة"، التي تجمع تقويض الاستقرار الداخلي والعقوبات الاقتصادية والضغط العسكري.
تحت عنوان "حماية أوروبا نفسها بنفسها من الخطر الروسي"، وبعد إجبار أعضاء "الناتو" هناك على رفع الإنفاق العسكري، والإحجام الأميركي عن تدخل أكبر لمواجهة روسيا، يحقق مجمل الموقف الأميركي مؤخراً تجاه أوروبا مبيعات كبيرة للسلاح الأميركي إليها، وتتوالى المؤشرات منذ تولي ترامب السلطة على أن منطق الإخضاع وتكثيف جني الأرباح يشملها، ولو من موقع الحليف، ويجيّر العملية الروسية في أوكرانيا - بوضوح - في هذا السياق، لبيع السلاح والنفاذ إلى المعادن في أوكرانيا، أولاً، ثم لتمرير تحرك استراتيجي كبير ضد بريكس (وروسيا والصين) في فنزويلا.
تبدو حصيلة التحركات الأميركية تلك إطلاق ما يبدو "حملة تأديبية"، ذات بعد استراتيجي سياسي، يعيد إنتاج الهيمنة الأميركية في مواقع وعلى مستويات جديدة، ويرمم وجهها العسكري، ويستثمر القوة العسكرية العملاقة في ذلك، في دورة تعود بالنفع على المجمع الصناعي العسكري، وتحقيق سيطرة سياسية وضغط للنفاذ إلى احتياطات وأسواق طاقة كبيرة، وإفادة المجمع الصناعي ومصالح شركات النفط وقطاع من المتبرعين لترامب، وكبار المستثمرين في قطاعات الطاقة التقليدية، النقيضة لشبكة مصالح الاقتصاد الأخضر.
توجه يشبه حالة المحافظين الجديد مع غزو أفغانستان، ثم العراق، وإطلاق شعار "الديمقراطية". لكنه يأتي لتلبية متطلبات جديدة أكبر، تتجاوز ملف النفط بحد ذاته، على أهمية احتياطاته في تصورات الإدارة الأميركية الحالية، وارتباطه بملفات "الشرق الأوسط". أهداف تتمحور حول الصين: الالتفاف حول تقدمها بوضع نقاط قوة خشنة، والارتكاز على نقاط جغرافية جديدة في المجال الجغرافي الأميركي (غرين لاند وفنزويلا)، واستخدام حاجة الصين العملاقة للنفط، وتقويض حلفائها وجزء من سلاسل توريدها (مثل فنزويلا)، في بيئة استراتيجية مفتوحة لأدوات القوة الأميركية، محيطات وبحار العالم.