من بن غوريون إلى نتنياهو: النقب كعقيدة أمنية واستيطانية متواصلة
-
ما يحدث اليوم في النقب ليس حدثاً جديداً، بل امتداد لعقيدة بدأت منذ عهد دافيد بن غوريون، الذي ربط بقاء "الدولة" وتوسعها بالسيطرة على الصحراء. (الميادين نت)
"إذا لم نحمِ النقب فلن تكون هناك تل أبيب": النقب قلب الاستراتيجية الإسرائيلية
بهذه العبارة المكثفة، التي أطلقها دافيد بن غوريون في خطاب أمام اللجنة الصهيونية في 3 شباط/فبراير 1948، وُضِع النقب في صلب العقيدة الصهيونية بوصفه خط الدفاع الأول عن مركز الكيان الوليد.
فقد رأى بن غوريون في صحراء النقب أكثر من مجرد مساحة شاسعة أو منطقة هامشية، بل اعتبرها شرطاً وجودياً لبقاء "تل أبيب" نفسها، وركيزة لا غنى عنها لبناء الدولة الوليدة، سواء على صعيد الأمن أو الاستيطان أو التحكم في الموارد والمسارات الاستراتيجية.
منذ ذلك التاريخ، لم تغادر صحراء النقب أفق التخطيط الإسرائيلي، بل تحوّلت إلى مساحة اختبار مستمرة لسياسات السيطرة والاستيطان وإعادة الهندسة الديموغرافية، بدءاً من ترحيل السكان الأصليين، مروراً ببناء مستوطنات يهودية، وانتهاءً بفرض القيود على حياة البدو الفلسطينيين وحرمانهم من الخدمات الأساسية.
وقد ارتبطت هذه السياسات دائماً بمبررات أمنية، لكنها كانت مدعومة أيضاً برواية دينية وتاريخية أعطت للاستيطان مشروعاً أسطورياً يبرر التوسع والقمع.
اليوم، يعيد رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استحضار هذه الرؤية التاريخية، لكنه يفعل ذلك بلغة أكثر صراحة، وأدوات أكثر قسوة ووضوحاً، تُقدم على أنها " إعادة النقب إلى إسرائيل ".
فالخطاب الرسمي الحالي لا يكتفي بالاستناد إلى الحجج الأمنية، بل يركز على الطابع الديموغرافي للوجود العربي في الجنوب، ويستعمل القوة المباشرة والملاحقة الأمنية والهدم والترحيل كأدوات لإعادة إنتاج العقيدة نفسها التي أرساها بن غوريون قبل أكثر من سبعة عقود.
النقب في فكر بن غوريون: الأمن، المساحة، والأسطورة
أولى دافيد بن غوريون النقب اهتماماً استثنائياً، ليس فقط لأهميته الاستراتيجية كونه يشكّل أكثر من نصف مساحة فلسطين التاريخية المحتلة عام 1948، ويوفر عمقاً جغرافياً حيوياً بين الجنوب والمركز، بل أيضاً لما رآه فيه من إمكانيات استيطانية زراعية وعسكرية، رغم صعوبة المناخ وندرة الموارد.
اعتبر بن غوريون النقب مساحة قابلة لإعادة تشكيلها لتلبية أهداف الدولة الوليدة، سواء على صعيد تأمين الحدود، أو السيطرة على الأرض، أو توفير موقع استراتيجي لمستوطنات يهودية جديدة تشكّل امتدادًا للمركز نحو الجنوب.
وفي أعقاب النكبة، اتخذت "إسرائيل" خطوات منهجية لتفريغ النقب من سكانه الفلسطينيين الأصليين، تاركة أقلية محدودة فقط تحت حكم عسكري صارم، مع فرض قيود على تنقلهم وبناء تجمعاتهم.
في الوقت نفسه، أُطلقت مشاريع تهويد واسعة، شملت تغيير أسماء القرى، وبناء المستوطنات اليهودية، وحرمان القرى البدوية غير المعترف بها من أبسط الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والتعليم.
وقد أرسى هذا النهج، الذي جمع بين السيطرة الأمنية، والتوسع الاستيطاني، والتوظيف الرمزي الديني، قاعدة صلبة للعقيدة الإسرائيلية في النقب، التي ما زالت تتجسد اليوم في سياسات نتنياهو واليمين المتطرف، متخذة أدوات أكثر قسوة ووضوحاً في محاولتها لإعادة هندسة الواقع الديموغرافي والسياسي للمنطقة.
النقب في العقيدة الصهيونية: بين الأمن والشرعية الدينية
يحتل النقب مكانة محورية في الفكر الصهيوني، ليس فقط لأبعاده الجغرافية والاستراتيجية، بل لما يمنحه من رمزية دينية وتاريخية مستمدة من التوراة والسردية اليهودية حول الأرض. فقد ارتبطت هذه الصحراء، وامتدادها نحو سيناء، بسردية "الخروج" من مصر وتيه بني إسرائيل في الصحراء، وهو ما استُخدم لاحقاً في الخطاب الصهيوني لتبرير السيطرة على الأرض وفرض الاستيطان.
هذه الرمزية تُستعاد سنوياً عبر الأعياد والمناسبات الدينية مثل "عيد الفصح" و"عيد العرش"، حيث تتحول الصحراء إلى مساحة أسطورية تتماهى مع الهوية الوطنية اليهودية وتقدم الشرعية الرمزية والسياسية لمشروع الدولة الصهيونية.
على الصعيد العقائدي والسياسي، ربطت العقيدة الصهيونية بين السيطرة على النقب وأمن الدولة الوليدة، معتبرة أن الاستقرار الديموغرافي والأمني مرتبط مباشرة بالقدرة على ضبط الصحراء، وإقامة مستوطنات يهودية فيها، وتفكيك وجود السكان العرب الأصليين، وبالأخص البدو، الذين شكلوا وما زالوا يشكلون تحدياً ديموغرافياً للمشروع الصهيوني.
لذلك، لم يكن الاستيطان في النقب مجرد عمل سياسي أو عسكري، بل مشروع متعدد الأبعاد يدمج بين الطموحات الأمنية والاستراتيجيات الديموغرافية والشرعية الدينية، ما أعطى للنقب مكانة فريدة في الخطط طويلة الأمد للدولة الإسرائيلية، واعتبره عنصراً أساسياً في ضمان "سيادة الدولة" واستمرارها.
ومنذ النكبة عام 1948، أصبحت سياسات التفريغ والترحيل والإقصاء جزءاً ثابتاً من استراتيجية "إسرائيل" في النقب، مدعومة بالغطاء الديني والتاريخي الذي توفره العقيدة الصهيونية. فقد شملت هذه السياسات هدم القرى البدوية، مصادرة الأراضي، حرمان السكان من الخدمات الأساسية، وفرض قيود صارمة على التنقل والحقوق المدنية.
وهكذا، تحول النقب إلى مساحة اختبار دائمة للسيطرة، تجمع بين القوة المباشرة والتبريرات الأسطورية، لتصبح نموذجاً صارخاً للسياسات التي تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي بما يخدم الرؤية الصهيونية ويكفل تفوق المشروع الاستيطاني على السكان الأصليين.
نتنياهو يعيد إنتاج العقيدة بلغة الحرب
بعد أكثر من سبعة عقود على تثبيت النقب كأحد أعمدة المشروع الصهيوني، يعود النقب إلى واجهة المشهد السياسي والأمني الإسرائيلي، لكن هذه المرة عبر إعلانٍ صريح عن "عملية أمنية واسعة النطاق" تُقدم باعتبارها ضرورة سيادية.
فخلال جولة ميدانية في النقب الغربي، وبحضور وزير "الأمن" يسرائيل كاتس، ووزير "الأمن القومي" إيتمار بن غفير، وكبار قادة الشرطة والأجهزة الأمنية، أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن "الوضع في النقب خرج عن السيطرة"، رابطاً بين ما وصفه بـ "التهديد الجنائي" و"الخطر الأمني"، ومتحدثاً عن انتشار السلاح والطائرات المسيّرة، في خطاب يخلط عمداً بين الجريمة المنظمة والوجود العربي ذاته.
ولم يتردد نتنياهو في استخدام مصطلحات ذات حمولة أيديولوجية ثقيلة، مثل "استعادة النقب لسيادة دولة إسرائيل" و"تعزيز السيطرة على الأرض"، في استحضار شبه حرفي لخطاب دافيد بن غوريون المؤسس، لكن بلهجة أكثر خشونة وتطرفاً.
ففي هذا السياق، تتحول اللغة الأمنية إلى أداة مركزية لإعادة تعريف النقب كساحة "حرب داخلية"، تُشرعن عبرها سياسات القمع المكثف، وتوسيع صلاحيات الشرطة، وفرض واقع أمني دائم، يمهد الطريق لمشاريع استيطانية وتغييرات ديموغرافية "بمقاييس غير مسبوقة".
بن غفير والواجهة الأيديولوجية للتصعيد
تشكل تصريحات وزير "الأمن القومي" الإسرائيلي إيتمار بن غفير الغطاء الأيديولوجي الأوضح للحملة التصعيدية الأخيرة في النقب، إذ وصف العملية بأنها "الأولى من نوعها بعد عقود من الإهمال"، وشدد على أن الهدف الرئيسي هو فرض السيادة الإسرائيلية بالقوة.
هذه اللغة الرسمية، التي تجمع بين التهويل الأمني والإيديولوجيا القومية - الدينية، تعكس رؤية اليمين الديني - القومي الذي ينظر إلى الوجود العربي، ولا سيما البدوي، باعتباره تهديداً ديموغرافياً يجب احتواؤه أو تفكيكه عبر أدوات متعددة، تتراوح بين الهدم والترحيل إلى التضييق اليومي والملاحقات الأمنية.
وتشير مصادر فلسطينية ومراكز حقوقية إلى أن هذه الحملة الأمنية تأتي ضمن سلسلة عمليات متواصلة منذ أسابيع، تشارك فيها شرطة الاحتلال وحرس الحدود والحرس القومي، أسفرت عن سقوط شهداء وجرحى واعتقالات واسعة في صفوف الفلسطينيين، مع توسع نفوذ القوات الإسرائيلية على القرى البدوية غير المعترف بها، وفرض حصار على مناطق أخرى.
وبدوره دعا وزير "التراث" الإسرائيلي عميحاي إلياهو إلى عزل منطقة النقب وإقامة سياج مرتفع حول المواطنين العرب البدو. وأثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة، إذ اعتبرها رئيس المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها، عطية الأعسم، استمراراً لسياسة ممنهجة تستهدف عرب النقب، مؤكداً أن القضية لا ترتبط بالجانب القانوني أو الأمني، بل بهواجس ديموغرافية ومحاولات لنزع الشرعية عن الوجود العربي في الجنوب.
وأشار الأعسم إلى أن عمليات هدم القرى وترحيل سكانها ومحاصرة أخرى تتم تحت ذرائع جنائية واهية، في حين تهدف هذه السياسات إلى تحقيق مكاسب سياسية عبر التحريض، بما يعيد إنتاج أساليب الحكم العسكري بصيغ جديدة.
من جانبه، حذّر النائب السابق والقيادي في جبهة النقب، المحامي يوسف العطاونة، من خطورة هذا الخطاب، واصفاً إياه بالفاشي والمحرض على العقاب الجماعي، ومحملاً الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن تداعياته.
كما أدانت جبهة النقب هذه التصريحات، معتبرة أنها تمثل دعوة صريحة للعزل الجماعي والتطهير العرقي، وتجسيداً لنهج حكومة اليمين المتطرف في شرعنة القمع والهدم ومصادرة الأراضي، مقابل إصرار أهالي النقب على التمسك بحقوقهم التاريخية وصمودهم في وجه سياسات الإقصاء والتنكيل.
النقب: مساحة شاسعة وهاجس ديموغرافي دائم
تمتد صحراء النقب على ما يقارب 60% من مساحة فلسطين التاريخية التي تحتلها "إسرائيل" اليوم، وتشكل بذلك العمق الجغرافي الأكبر لـ"إسرائيل"، وفي الوقت نفسه أكثر مناطقها حساسية وتعقيداً.
ويقطن النقب مئات آلاف الفلسطينيين البدو، الذين تعرضوا منذ نكبة عام 1948 لسلسلة متواصلة من سياسات المصادرة والحصر المكاني، بدءاً من التهجير القسري، مروراً بتجميعهم في مناطق محددة، وصولاً إلى إنكار الاعتراف بعشرات القرى وحرمانها من أبسط مقومات الحياة.
ورغم محاولات "الدمج" القسرية التي روجت لها حكومات الاحتلال الإسرائيلي المتعاقبة، بقي المجتمع البدوي في النقب كتلة سكانية متماسكة، ما جعله مصدر قلق دائم للمؤسسة الحاكمة.
إلى جانب البعد السكاني والأمني، تنظر "إسرائيل" إلى النقب بوصفه احتياطيا استراتيجياً لمستقبلها الاقتصادي والديموغرافي، إذ يُقدم كـخزان محتمل لاستيعاب موجات الهجرة اليهودية، وكمنطقة غنية بالثروات المعدنية، ومفتوحة أمام مشاريع زراعية وصناعية وعسكرية واسعة النطاق.
هذا التداخل بين الطموح الاقتصادي والمشروع الاستيطاني يفسر الإصرار الإسرائيلي المزمن على إعادة تشكيل النقب بالكامل، جغرافياً، و ديموغرافياً وثقافياً، عبر تفريغه من سكانه الأصليين أو إعادة هندستهم اجتماعياً.
الهدم والتهجير القسري في النقب: شهادة توثيقية عن انتهاكات الحق في السكن
أفاد أحد سكان قرية العراقيب في النقب للميادين نت، فضّل عدم الكشف عن هويته، أن قوات الشرطة الإسرائيلية وآليات الهدم اقتحمت قريته في ساعات الصباح، دون إخطار مسبق أو إجراءات تتيح للسكان فرصة حقيقية لإخلاء منازلهم أو حماية ممتلكاتهم الشخصية.
كما أوضح أن عملية الهدم نُفذت بصورة مفاجئة وتحت حماية أمنية مشددة، ما أدى إلى تدمير المسكن بشكل كامل، وترك العائلة، بما في ذلك الأطفال والنساء وكبار السن دون مأوى أو أي ترتيبات إنسانية بديلة، في انتهاك واضح للحق في السكن الآمن.
وتعيش قرية العراقيب تحت تهديد دائم، في مشهد يتكرر بصورة شبه دورية، حيث يُعاد بناء المساكن بعد كل عملية هدم حيث تعرضت القرية لعمليات هدم متواصلة تجاوزت أكثر من مئتي مرة خلال السنوات الماضية، ومع ذلك تعود العائلات في كل مرة لإعادة تشييد بيوتها، في فعل صمود متواصل رغم سياسة الاستنزاف الممنهجة التي تستهدف كسر إرادة السكان ودفعهم إلى الرحيل.
وأشار إلى أن السلطات الإسرائيلية لم تعرض، في أي مرحلة سابقة أو لاحقة، بدائل سكنية لائقة أو حلولاً انتقالية، ولم توفر مساكن مؤقتة أو تعويضات عن الخسائر المادية والمعنوية الناجمة عن الهدم المتكرر.
واعتبر أن هذا السلوك يرقى إلى إخلاء قسري محظور بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يشترط توفير بدائل مناسبة وضمانات إجرائية عادلة قبل تنفيذ أي عملية إخلاء.
وبين أن قريته تُصنف ضمن ما يُعرف بالقرى غير المعترف بها، وهو تصنيف إداري يُستخدم كأداة قانونية وسياسية لحرمان السكان من أبسط حقوقهم الأساسية، بما يشمل الوصول إلى المياه والكهرباء وشبكات الصرف الصحي والطرق المعبدة والمؤسسات التعليمية والخدمات الصحية.
كما أكد، أن هذا الحرمان المنهجي لا يترك للسكان أي خيار قانوني للحصول على تراخيص بناء، ثم يُستغل لاحقاً لتبرير هدم المنازل بحجة البناء غير المرخص، في حلقة مغلقة من السياسات التمييزية، مضيفاً أن عمليات الهدم رافقتها قوات شرطة وأمن بأعداد كبيرة، استخدمت وسائل تفريق عنيفة، بما في ذلك القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع، لتفريق السكان الذين حاولوا الاعتراض سلمياً على هدم منازلهم.
وأسفر ذلك عن وقوع إصابات في صفوف الأهالي، واعتقال عدد من الشبان.
وأكد أن هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من سياسات التخطيط في النقب، حيث تتزامن عمليات هدم المنازل العربية مع تنفيذ مخططات حكومية لإقامة مستوطنات يهودية جديدة أو توسيع القائم منها، غالباً على أراضٍ تعود ملكيتها الخاصة لسكان القرى البدوية أو بمحاذاتها المباشرة. واعتبر أن هذه السياسة تهدف إلى تقييد التوسع الطبيعي للتجمعات العربية، وإعادة رسم الخارطة السكانية والجغرافية للمنطقة بما يخدم مصالح استيطانية محددة.
وأوضح أن ما يجري في النقب يشكل جزءا من سياسة ممنهجة لإعادة هندسة الواقع الديمغرافي، من خلال التضييق على السكان العرب ودفعهم قسرا إلى ترك أراضيهم التاريخية، وهو ما يتعارض مع التزامات "إسرائيل" كقوة قائمة بالاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني، ومع واجباتها بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما ما يتعلق بالحق في السكن الملائم وعدم التمييز.
وأشار إلى أن الأثر الإنساني لهذه السياسات يتجاوز الخسائر المادية، إذ خلفت عمليات الهدم المتكررة آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، خاصة على الأطفال الذين يعيشون في حالة خوف دائم من تكرار الهدم، وعلى النساء اللواتي يتحملن أعباء مضاعفة في تأمين احتياجات الأسرة في ظل انعدام الاستقرار، إضافة إلى تفكك النسيج الاجتماعي وغياب الإحساس بالأمان.
وختم بالإشارة إلى أن السكان يطالبون بوقف فوري وشامل لسياسات هدم المنازل والتهجير القسري، والاعتراف القانوني بالقرى غير المعترف بها، وضمان الحق في السكن اللائق والخدمات الأساسية دون تمييز، وتوفير حماية قانونية فعالة تحول دون الإخلاء القسري، بما ينسجم مع مبادئ الكرامة الإنسانية والمساواة المنصوص عليها في القانون الدولي.
واقع معيشي قاسٍ وحرمان ممنهج في قرى النقب
وأكد لنا المواطن في حديثه، على أن القرى العربية غير المعترف بها في منطقة النقب، تعيش واقعاً إنسانياً بالغ القسوة في ظل سياسات رسمية يصفها الأهالي والحقوقيون بأنها سياسة حرمان ممنهج ومتعمد. فمئات المنازل باتت مهددة بالهدم في أي لحظة، فيما تتعرض مساحات واسعة من الأراضي لعمليات تجريف متواصلة، وتُوزع أوامر الإخلاء على السكان بالجملة، دون توفير بدائل سكنية حقيقية أو حلول عادلة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار والأمان.
ولا يُعد هذا الواقع طارئاً أو استثنائياً، إذ تعاني هذه القرى منذ عقود من سياسات التهميش والإقصاء، غير أن حدتها تصاعدت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، لتتحول إلى جزء ثابت من الحياة اليومية للسكان. ويعيش في هذه القرى نحو 100 ألف فلسطيني بدوي، يفتقرون إلى خدمات أساسية مثل المياه والكهرباء والبنية التحتية، ما يفاقم من هشاشة أوضاعهم السكنية. اكد لنا الموااطن ، على اعتماد العائلات على وسائل بدائية لتأمين احتياجاتها الأساسية.
ومع حلول فصل الشتاء، تتحول الطرق الترابية إلى مستنقعات طينية تعزل التجمعات السكانية عن محيطها، وتعيق وصول المركبات وخدمات الطوارئ.
ويعكس الواقع التعليمي والصحي حجم الأزمة الإنسانية في هذه القرى، إذ يضطر الأطفال إلى قطع مسافات طويلة يوميًا للوصول إلى مدارس تعاني أصلاً من نقص حاد في الصفوف والمعدات والكادر التعليمي، فيما يواجه المرضى وكبار السن صعوبات كبيرة في الوصول إلى المراكز الطبية، في ظل غياب العيادات المحلية والخدمات الصحية الأساسية.
وتؤكد شهادات السكان أن حالات طبية طارئة كثيرة تُترك لمصيرها لساعات طويلة بسبب صعوبة الوصول أو غياب وسائل النقل المناسبة.
ورغم هذه الظروف القاسية، تُحمل السلطات الإسرائيلية السكان مسؤولية واقعهم المعيشي، وتتعامل معهم باعتبارهم اختاروا العيش "خارج الأطر الرسمية "، في الوقت الذي تحرمهم فيه من الاعتراف بقراهم أو من أي إمكانية فعلية لتنظيم حياتهم قانونياً، بما في ذلك منع إصدار تراخيص بناء أو تطوير البنى التحتية.
ويضع هذا التناقض السكان في دائرة مغلقة من الحرمان، حيث يصبح "عدم الترخيص" ذريعة دائمة للهدم والتجريف.
ويرى ناشطون وحقوقيون داخل الخط الأخضر، أن هذا الحرمان لا يمكن تصنيفه في إطار الإهمال الإداري، بل يُستخدم كأداة ضغط ممنهجة تهدف إلى دفع السكان نحو اليأس ومغادرة أراضيهم قسراً، فكل محاولة لترميم المنازل المتضررة أو تحسين الحد الأدنى من شروط العيش تُقابل بهدم جديد وأوامر هدم إضافية، ما يضع الأهالي تحت تهديد دائم، ويحول البقاء في المكان إلى معركة يومية من أجل الصمود والحفاظ على الوجود.
التشجير والتهجير: إعادة تشكيل الأرض والإنسان في النقب
يُعد ملف سياسة التشجير في النقب أحد أبرز محاور النزاع القائم بين السلطات الإسرائيلية والسكان العرب البدو، في ظل ما يصفه الأهالي بأنه مسار طويل لإعادة تنظيم الأرض على حساب وجودهم التاريخي. وتنظر قطاعات واسعة من السكان إلى هذه السياسة باعتبارها أداة لتغيير طبيعة المكان وفرض واقع جديد يؤدي إلى تقليص الحيّز المخصص لهم، وصولاً إلى تهجيرهم التدريجي.
وفي المقابل، تروّج السلطات لعمليات التشجير باعتبارها جزءاً من خطط الحفاظ على البيئة ومكافحة التصحر وتوسيع المساحات الخضراء في الجنوب.
غير أن منظمات حقوقية وناشطين محليين يشيرون إلى أن هذه المشاريع تُنفَّذ في مناطق مأهولة أو مستخدمة تاريخياً من قبل البدو، وأنها تُستخدم كإطار قانوني يسمح بإعادة تصنيف الأرض، بما يحدّ من إمكانيات السكان في استخدامها للبناء أو الزراعة أو الرعي. ووفق هذه الجهات، فإن التشجير لا يُنفَّذ بوصفه مشروعاً بيئياً معزولاً، بل ضمن سياق تخطيطي أشمل يعيد رسم الخريطة السكانية في النقب بما يتيح تنفيذ مشاريع استيطانية واقتصادية جديدة.
وتُنفَّذ عمليات التشجير في الغالب عبر غرس الأشجار على أراضٍ يملكها بدو النقب تاريخياً أو يقيمون عليها منذ عقود طويلة، بدعم من سلطة أراضي "إسرائيل" وبمشاركة الصندوق القومي اليهودي، دون إشراك أصحاب الأرض في اتخاذ القرار أو إجراء مشاورات مسبقة معهم.
ويؤكد سكان محليون أن هذه العمليات تتم أحياناً في محيط القرى غير المعترف بها أو على أراضٍ تُستخدم للرعي والزراعة، ما يغيّر طبيعة استخدام الأرض بشكل فعلي.
ويشير الأهالي إلى أن تصنيف المناطق المشجرة كأراضٍ حكومية أو كمحميات طبيعية يترتب عليه منع البناء فيها بصورة شبه مطلقة، وتجريم أي توسّع عمراني، حتى في الحالات التي تتعلق بحاجات سكنية أساسية. ويؤدي ذلك إلى حرمان السكان من الحصول على تراخيص بناء، ووضع منازلهم ومنشآتهم في دائرة المخالفة القانونية، ما يجعلها عرضة لأوامر الهدم في أي وقت.
ولا تنفصل سياسة التشجير عن سياسات الهدم والتهجير التي تصاعدت في القرى العربية بالنقب خلال العقد الأخير. فقد شهدت المنطقة حملات هدم واسعة طالت منازل سكنية ومنشآت زراعية وحظائر ماشية، حيث أُعلن عن هدم أكثر من 5000 منزل ومنشأة منذ تولي حكومة نتنياهو الحكم، مقارنة بأعداد أقل سُجّلت في سنوات سابقة. كما تشير معطيات أخرى إلى أنه بين عامي 2015 و2020 جرى هدم أكثر من 12 ألف منزل ومنشأة في القرى غير المعترف بها
وفي معطيات صادرة عن مركز أبحاث " نقيبة" المختص بمتابعة شؤون عرب النقب، جرى التأكيد على أن عدد عمليات الهدم يصل إلى 13 عملية هدم يومياً.
وتتزامن هذه العمليات مع واقع تخطيطي يحد من إمكانيات السكان للبناء القانوني، في ظل غياب مخططات هيكلية معتمدة لمعظم القرى غير المعترف بها. وفي ظل هذا الواقع، تتقاطع سياسات التشجير والهدم والتخطيط في النقب ضمن مشهد واحد يعكس تحولات متسارعة في استخدام الأرض وتنظيمها، وتأثيرات مباشرة على حياة السكان العرب البدو، الذين يجدون أنفسهم أمام واقع عمراني وقانوني متغير يطال الأرض والمسكن وأنماط العيش التقليدية في المنطقة.
خيط واحد من 1948 إلى اليوم
ما يحدث اليوم في النقب ليس حدثاً جديداً، بل امتداد لعقيدة بدأت منذ عهد دافيد بن غوريون، الذي ربط بقاء "الدولة" وتوسعها بالسيطرة على الصحراء. هذه العقيدة، التي جمعت بين المنطق الأمني والسرديات الدينية، ركزت على تفكيك الوجود العربي في النقب من خلال الترحيل المباشر أو سياسات الإفقار والعزل والضغط المستمر.
ومع مرور الزمن، أصبح هذا النهج سياسة ثابتة، تتغير أدواتها وتزداد قسوة وفقاً لموازين القوة داخل "إسرائيل".
في ظل حكومة اليمين المتطرف تحول خطاب التحريض إلى سياسة رسمية، وبنيامين نتنياهو بدأ بتطبيق هذه العقيدة.
لم تعد شعارات "الأمن" و"استعادة السيادة" مجرد تبرير، بل تحولت إلى دعوة مباشرة لاستخدام وسائل قمع واسعة، وتحويل النقب إلى ساحة لتجربة سياسات السيطرة الكاملة. الجولة الأخيرة لنتنياهو في المنطقة، وما صاحبها من تصريحات وخطط، تظهر سعياً لفتح جبهة داخلية جديدة ضد الفلسطينيين في النقب إلى جانب القدس والضفة وقطاع غزة.
في هذا السياق، يظل النقب ساحة صراع على الأرض والهوية، ويستمر الثمن الإنساني والسياسي في الارتفاع مع كل محاولة لفرض السيطرة بالقوة على حساب الحقوق والعدالة والاستقرار.