معسكر اليمين يتوسّع: الدور الأميركي في انتخابات بيرو وكولومبيا

التقارب الضئيل في انتخابات بيرو وكولومبيا يكشف عن تنسيق يميني مدعوم أميركياً لإخضاع القارة ومواجهة النفوذ الصيني، في مسار تفرضه القوة وتواجهه انقسامات شعبية حادة.

  • معسكر اليمين يتوسّع: الدور الأميركي في انتخابات بيرو وكولومبيا
    معسكر اليمين يتوسّع: الدور الأميركي في انتخابات بيرو وكولومبيا

حُسمت الانتخابات الرئاسية في بيرو وكولومبيا بفارقٍ ضئيل لا يمنح تفويضاً كاملاً. ففي بيرو، أُعلن فوز كيكو فوجيموري في الثالث من الشهر الجاري بنسبة 50.13% مقابل 49.86% للمرشح اليساري روبرتو سانشيز، بفارق 49,641 صوتاً، أي أقل من 1% من إجمالي الأصوات. وفي كولومبيا، فاز أبيلاردو دي لا إسبرييا بنسبة 49.66% مقابل 48.70% للمرشح اليساري إيفان سيبيدا، بفارق 251 ألف صوت، أي أقل من 1% من إجمالي الأصوات بالمثل. بيد أن قراءة الحدثين باعتبار حدثين منفصلين تُفوّت إدراك جوهرهما، فكلاهما حلقة في تسلسل قارّي واحد أنتج رئيسين يمينيين متحالفين مع واشنطن، وجرى ذلك تحت وطأة تصعيد عسكري أميركي في الكاريبي وإعادة صياغة صريحة لعلاقة الولايات المتحدة بنصف الكرة الغربي.

عسكرة الكاريبي: كيف صاغت واشنطن بيئة الاقتراع المباشرة؟

لا يمكن فصل هذين الاقتراعين عن بيئتهما العسكرية المباشرة. فمنذ أيلول/سبتمبر العام الماضي، تشنّ واشنطن ضربات على قوارب في الكاريبي أوقعت أكثر من مئتين وعشرين قتيلاً بذريعة "تهريب المخدرات"، وتوّجت الحملة باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في الثالث من كانون الثاني/يناير الماضي ونقلهما إلى نيويورك، ثم بفرض حصار لقطع النفط عن الجزيرة الكوبية. وفي السابع من آذار/مارس، أسّس ترامب في ميامي تحالف "درع الأميركتين"، وهو ائتلاف يميني يضمّ ثلاث عشرة حكومة برئاسة وزير الخارجية ماركو روبيو، استُبعدت منه المكسيك والبرازيل، وكولومبيا آنذاك. ويمثِّل هذا الإطار المسمّى "عقيدة دونرو" الحاضنة الاستراتيجية التي جرت في سياقها الانتخابات في البلدين، وليس خلفيتها البعيدة فحسب.

كان التدخّل الأميركي في كولومبيا سافراً وسابقاً للاقتراع. فقد جاهر ترامب بتأييد دي لا إسبرييا ووصف خصمه سيبيدا بـ"الماركسي المتطرف"، فردّ الرئيس غوستافو بيترو آنذاك بأن "تدخّل ترامب المباشر يُبطل الانتخابات في كولومبيا". وهذا الرجل الذي رشّحته واشنطن ليس غريباً عنها، فهو مواطن أميركي يحمل عضوية الحزب الجمهوري، وقد سبق أن تبرّع لذلك الحزب بأكثر من تسعين ألف دولار، وبنى ثروته بصفته محامياً للجماعات شبه العسكرية اليمينية. وقد حضر السيناتور بيرني مورينو، المولود في كولومبيا، بصفة "مراقب" ثم تدخّل لمصلحة اليمين، وكان فريقه قد حمل إلى البيت الأبيض صوراً للرئيس بيترو ببذلة السجن قبل أن تُفرض عليه عقوبات.

وتكشف قضية الناشط بيتو كورال حدود هذا التدخّل. ففي السادس عشر من حزيران/يونيو، وقّع روبيو مذكّرة أجازت اعتقاله وترحيله بذريعة أنه "استخدم وجوده في الولايات المتحدة لممارسة نشاط سياسي دعماً لحكومة بيترو"، فاعتُقل في اليوم نفسه في أريزونا وهو عائد مع ابنه، ثم رُحّل. وهذه هي المرة الأولى التي تُستخدم فيها هذه الصلاحية ضد ناشط مرتبط بانتخابات أجنبية، بعدما اقتصرت سابقاً على المحتجّين المؤيّدين لفلسطين. ولم يكن كورال متّهماً بجريمة، وإنما بمعارضة مرشّح واشنطن، فوصفه بيترو بـ"السجين السياسي". وهنا تتّضح الآلية، إذ ليست العبرة بالعبث بالصناديق، وإنما بمعاقبة المعارضة وتطويع البيئة السياسية بأدوات دولةٍ عظمى تمتدّ إلى ما وراء حدودها

ومثَّل البُعد الإسرائيلي جزءاً أصيلاً من هذا الاصطفاف. فقد تعهّد دي لا إسبرييا باستعادة العلاقات مع إسرائيل "كما لم يحدث من قبل" وبنقل السفارة إلى القدس، عاكساً قطيعة بيترو الذي حظر تصدير الفحم وطرد الدبلوماسيين الإسرائيليين، حتى هنّأه نتنياهو قائلاً إن "أصدقاء إسرائيل يواصلون الفوز".

وفي هذا السياق، اتهم الرئيس بيترو إسرائيل بالتدخل في الانتخابات الكولومبية واختراق برمجيات الفرز، إلا أن بعثتي الاتحاد الأوروبي ومنظمة الدول الأميركية رفضتا هذه الاتهامات، مؤكّدتين أنهما لم تعثرا على أي دليل يثبت وقوع تلاعب، وأن نتائج الفرز النهائي تطابقت مع النتائج الأولية بنسبة تجاوزت 99%. وبذلك، لم يتركّز الجدل على عملية عدّ الأصوات نفسها، وإنما على البيئة الرقمية التي أحاطت بالحملة الانتخابية، والتي شهدت، بحسب تقارير المراقبين، استخداماً واسعاً للذكاء الاصطناعي والمحتوى المفبرك، إلى جانب تمويل وإعلانات عبر منصات مثل يوتيوب وتيك توك خارج أطر الرقابة التقليدية.

اختلف الأسلوب في بيرو دون أن يختلف الهدف. فقد امتنعت واشنطن عن تأييد فوجيموري علناً أثناء الحملة، ولم تهنّئها إلا بعد إعلان فوزها رسمياً. لكن السفير الأميركي لدى بيرو، بيرني نافارو، أدار التدخّل ميدانياً، حيث أعلن أنه سيقود فريق "مراقبين" أميركيين، ولفّق حملة عن "تدخّل كوبي" في الانتخابات كان دليلها الوحيد ناخباً واحداً متجنّساً، ثم أعلن بعد الاقتراع أن السفارة الأميركية "تراقب العملية الانتخابية"، وهو قولٌ لا سند له في القانون البيروفي، وأردف بأن الصين "أكثر اهتماماً بتشغيل ميناء تشانكاي دون رقابة بيروفية". وقد تقدّم محامٍ بطلب لإعلانه "شخصاً غير مرغوب فيه"، فيما انكشف أن المحلل الأميركي كارلوس دياز روسيو (الذي شغل مناصب عدة خلال إدارة ترامب الأولى أهمها نائب مساعد الرئيس)، والذي قدّم نفسه بصفته خبيراً مستقلاً، يعمل مستشاراً لفوجيموري.

وجاء الحسم من أصوات الخارج، وهنا تكمن المخالفة الملموسة. فقد تصدّر سانشيز الأصوات الداخلية وفاز في 16 من أصل 24 منطقة، لكن كفّة فوجيموري رجحت بأصوات المغتربين التي تديرها وزارة الخارجية لا هيئة الانتخابات. وكان الرئيس الانتقالي قد عيَّن وزيراً للخارجية موالياً لفوجيموري في نيسان الماضي، ثم أقرّت قيادة جديدة لما يُعرف بـ "المكتب الوطني للعمليات الانتخابية" أواخر أيار قراراً ألغى رقمنة محاضر الخارج وإرسالها فوراً، وفرض نقلها فعلياً بالحقيبة الدبلوماسية، بما ينتهك حظر تغيير القواعد قبل عام من الاقتراع ويكسر سلسلة العهدة على أصوات ما يزيد على مليون ناخب. ومع أن المراقبين تحدّثوا عن "مخالفات جسيمة" لا عن "تزوير"، فإن المؤسسات المعنية كانت قد خضعت لإعادة تشكيل مسبقة.

صراع الموانئ والقوة القارية: الرهان الصيني وتحصين المحور اليميني

بيد أن الرهان الأعمق في بيرو صينيّ الطابع. فميناء تشانكاي الذي بنته وتديره شركة "كوسكو" الصينية بمليارٍ وثلاثمئة مليون دولار، وافتُتح أواخر عام 2024، حوّل البلاد إلى مركز لوجستي يربط أميركا الجنوبية بآسيا، والصين اليوم تمثّل 36% من تجارة بيرو الخارجية مقابل 14% للولايات المتحدة.

ولمواجهة هذا التمدد، ردّت واشنطن بسلسلة خطوات: تصنيف بيرو حليفاً من خارج الناتو، وتخصيص مليارٍ ونصف المليار دولار لتحديث قاعدة كاياو البحرية البيروفية بما يفرّغ مينائها التجاري لينافس تشانكاي، مع تمركز خبراء أميركيين لمدة عقد على الأقل، وتمرير صفقة شراء مقاتلات إف-16 رغم أن التقييم الفني وضع هذا الخيار في المرتبة الثالثة بين العروض المنافسة، إلى جانب تحويل أول دفعة بلغت 462 مليون دولار. وتمثِّل الانتخابات، في هذا السياق، أداة لتأمين هذا المسار المتوقّع توسيعه خلال الفترة المقبلة.

ولا يقف التقاطع بين الفائزَين عند التبعية لواشنطن، وإنما يمتدّ إلى القمع والإفلات من العقاب. ففوجيموري، ابنة الديكتاتور الذي أُدينَ في انتهاكات حقوق الإنسان، ورثت مشروعه الأمني، كما أقرّ البرلمان قُبيل الاقتراع قانوناً ينقل قضايا متعلّقة بجرائم أفراد الشرطة والجيش من المحاكم المدنية إلى القضاء العسكري، وهو ما أثار انتقادات حقوقية باعتباره قد يحدّ من محاسبة القوات الأمنية. أمّا دي لا إسبرييا، فهو يَعِد بسجون ضخمة على نمط بوكيلي في السلفادور وبحملة قصف مدعومة أميركياً ضد الجماعات المسلحة تستمر ثلاثة أشهر. إن وظيفة هذين الفائزَين المشتركة هي إخضاع الدولة في بيرو وكولومبيا لواشنطن، وطرد النفوذ الصيني، وإجهاض أي انفجار اجتماعي تحت وطأة "الدولة الأمنية". وقد غذّت هذا الانزياح موجةُ عنف؛ ففي كولومبيا استُخدم في اغتيال السيناتور ميغيل أوريبي توربي سلاحٌ تم شراؤه في الولايات المتحدة، ما أعاد الجدل حول تدفق الأسلحة غير المشروعة عبر الحدود، وفي بيرو تضاعف الابتزاز والقتل حتى صار الأمن الشاغل الأول، فتحوّل الخوف إلى وقود انتخابي لصالح قوى اليمين.

إجمالاً، لا يمكن قراءة الحالتين بمعزل عن محور يميني قارّي منسّق تنتمي إليه الآن بيرو وكولومبيا. فقد تبادل قادته الدعم علناً: أيّد دي لا إسبرييا حملة فوجيموري، وردّت هي بأنها ودي لا إسبرييا والرئيس التشيلي اليميني خوسيه أنطونيو كاست يمنحون المنطقة "أنفاساً جديدة"، فيما هنّأهما الرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي والرئيس الإكوادوري اليميني دانييل نوبوا. إن ما يجمع كل هؤلاء هو نموذج واحد: السجون ومنطق "الأمننة"، والتحرير الاقتصادي، والاصطفاف مع واشنطن و"تل أبيب" والعداء للصين. وقد تعهّد دي لا إسبرييا بالانضمام إلى "درع الأميركتين"، لتكتمل بذلك عودة القارة إلى اليمين بعد انتهاء الجولة الثانية مما سُمي "المدّ الوردي". وهكذا يصير كل اقتراع وطني لبنةً في بنيان هيمنةٍ إقليمية تُدار من الخارج، وليس محض حدث داخلي معزول.

تكشف حالة بيرو وكولومبيا نمطاً واحداً تتعامل فيه واشنطن مع نصف الكرة الغربي بوصفه مجال تأديب تتدرّج فيه من الضغط الاقتصادي إلى التدخّل السياسي إلى التلويح العسكري، وتُحيي عقيدة دونرو تحت راية مواجهة الصين. وليس مصادفةً أن يُلقي مسؤول السياسات في البنتاغون إلبريدج كولبي، في الثامن من تموز وعلى الأرض البيروفية نفسها، خطاباً استحضر فيه "عقيدة  دونرو" وربط صعود فوجيموري ودي لا إسبرييا بالمشروع العسكري لبلاده. لكن هشاشة هذا الترتيب ظاهرة في فارقٍ أقلّ من 1% في كلا البلدين، وفي فوز اليسار بالأصوات الداخلية، وفي استمرار المعارضة الشعبية. فالتبعية مفروضة بأدوات القوة والمال وليست نابعة من رضا الناخبين، وهنا بالضبط يمكننا أن نرى حدود الهيمنة الأميركية في القارة الجنوبية.

اخترنا لك