مدينة الخيام تحت العدسة الإسرائيلية: جولات دعائية تكشف هاجس المحلقات وعودة تهديد "الحزام الأمني"
تُبرز الجولات الإعلامية لـ"جيش" الاحتلال الإسرائيلي في الخيام محاولة لترويج "إنجازات" وهمية، بينما تفضح تقاريرهم واقع استنزاف قواتهم تحت ضغط مسيّرات المقاومة الإسلامية في لبنان.
-
رئيس أركان "جيش" الاحتلال الإسرائيلي وجنوده في الخيام جنوب لبنان (تواصل اجتماعي)
كشفت الجولات الإعلاميّة التي نظّمها "الجيش" الإسرائيلي داخل مدينة الخيام إلى جانب "الكتيبة 432" من لواء "غفعاتي" العاملة في المنطقة منذ شهرين عن محاولة إسرائيليّة مدروسة لإعادة صياغة صورة المعركة في جنوب لبنان بعد أشهر طويلة من الاستنزاف والقتال، عبر توظيف الإعلام الإسرائيلي في إنتاج رواية ميدانيّة موحّدة تحمل رسائل عسكريّة ونفسيّة وسياسيّة في آن واحد.
أوّل ما يلفت الانتباه هو الطابع المنظّم والمتزامن للجولات. فبعد الجولة السابقة في القطاع الغربي بمنطقة البياضة، انتقلت مختلف القنوات الإسرائيلية تقريباً إلى مدينة الخيام في القطاع الشرقي ضمن النمط الدعائي ذاته: مرافقة عسكرية كاملة، مسار محدّد مسبقاً، رسائل موحّدة تقريباً بين القنوات، وتركيز على عناصر بعينها يراد ترسيخها في وعي الجمهور الإسرائيلي.
وهذا يكشف أن "الجيش" الإسرائيلي لا يتعامل مع الإعلام هنا كجهة تغطية مستقلّة، بل كجزء من إدارة المعركة النفسيّة وإعادة إنتاج الشرعيّة الداخليّة لاستمرار العمليّات داخل لبنان. في ظاهر التقارير، حاولت "إسرائيل" تقديم صورة الإنجاز العمليّاتي: السيطرة على مدينة الخيام، اكتشاف أنفاق، العمل بحرّيّة ميدانيّة، وتدمير بنية حزب الله.
لكن ما كشفته التقارير دون قصد كان أعمق بكثير، إذ بدا واضحاً أن تهديد المحلقات الانقضاضيّة لحزب الله أصبح عنصراً يومياً ضاغطاً على حركة القوّات نفسها. جميع القنوات تقريباً أظهرت لحظات توقّف الأرتال العسكريّة، اختباء الجنود والإعلاميّين داخل المنازل أو الآليات، وإعلان حالة باتيش حام (مطرقة ساخنة) عبر الجهاز كإجراء تحذير من وجود محلّقات هجوميّة في الجو.
كما ظهر جنود يوجّهون أسلحتهم الفردية نحو السماء لمحاولة إسقاط المحلقات بالنيران العاديّة، في مشهد يعكس غياب حل تكنولوجي حاسم لهذه المعضلة على الرغم من مرور أشهر طويلة على المواجهة. وعلى الرغم من إصرار الضباط في كلّ التقارير تقريباً على وصف تهديد المحلقات بأنّه تهديد تكتيكي وليس استراتيجياً، فإنّ التكرار المبالغ فيه لهذه العبارة بدا بحدّ ذاته مؤشّراً على حجم القلق الحقيقي.
فلو كان التهديد محدود التأثير فعلاً، لما فرض كلّ هذه الإجراءات المشدّدة على الحركة، ولما غيّر طبيعة تنقل القوات والإعلاميّين داخل الميدان. حتى إنّ تقرير المراسل العسكري للقناة "13" أور هيلر قد أقرّ صراحة بأن البيانات الرسمية لـ"الجيش" لا تعكس حجم حوادث المحلّقات اليومية التي كان يمكن أن تنتهي بقتلى.
ربط مقصود بين الخيام وغزة
ومن أبرز الرسائل التي حاولت الجولات ترسيخها أيضاً، إعادة إنتاج صورة البيئة المدنيّة العسكريّة في جنوب لبنان، على غرار السرديّة الإسرائيليّة في غزّة، ليس بهدف فقط عرض بنية قتاليّة تحت الأرض، بل محاولة تكريس المعزوفة المعهودة نفسها وهي أنّ كل القرية بنية عسكرية واحدة، وأن المجتمع المدني نفسه متداخل مع البنية القتاليّة للمقاومة. ولهذا ركّزت التقارير على مفردات مثل التمويه، استغلال البراءة، فوق الأرض حياة وتحتها حرب، وصولاً إلى المقارنة المباشرة بغزة، بل إن مراسل القناة "14" قال حرفياً: "الرائحة هي رائحة غزة".
هذا الربط المقصود بين الخيام وغزّة يحمل أبعاداً سياسية وإعلامية مهمة، إذ تحاول "إسرائيل" نقل النموذج التدميري الذي مارسته في القطاع إلى الجنوب اللبناني، مع توفير غطاء دعائي وأخلاقي داخلي له. لذلك لم يكن عابراً أن تشير القناتان "13" و"i24" بوضوح إلى أنّ هدف "الجيش" الإسرائيلي هو تدمير كلّ مباني المدينة حتى لا يجد السكان ما يعودون إليه، في تكرار واضح لما جرى خلال حرب 2024.
كما اعترفت التقارير عملياً بأنّ المدينة أصبحت خالية بالكامل، فلا وجود لمدنيين ولا لأي منزل سليم تقريباً، مع إقرار ضمني بأن العودة المستقبلية للسكان باتت شبه مستحيلة إذا استمر هذا النهج.
معركة الوعي: دعاية الاحتلال وواقع الاستنزاف
وفي موازاة ذلك، برزت محاولة إسرائيليّة واعية لتجنب مصطلح "الحزام الأمني" بسبب حمولته التاريخية الثقيلة داخل الوعي الإسرائيلي المرتبط باستنزاف التسعينيات. لذلك شددت التقارير على استخدام تعبيرات بديلة مثل منطقة الحماية أو منطقة التأمين. لكن المفارقة أن بعض المراسلين أنفسهم أشاروا إلى أن المشهد الحالي يذكر كثيراً بسنوات التسعينيات، سواء من حيث القتال داخل القرى اللبنانية، أو استنزاف القوات، أو خوف الأهالي في "الداخل الإسرائيلي"، أو الضبابية السياسية حول أفق البقاء في لبنان.
ومن اللافت أيضاً أن جزءاً من الرسائل لم يكن موجهاً فقط للبنان أو لحزب الله، بل للداخل الإسرائيلي نفسه. فالتقارير شهدت مقابلات مع مستوطنين من الشمال الذين يعيشون تحت أصوات المدفعيّة والإنذارات والمحلّقات، ويتردّدون في إرسال أولادهم إلى المدارس خوفاً من الهجمات.
وهنا يظهر التناقض الأساسي في الرواية الإسرائيلية: "الجيش" يحاول إظهار حريّة عمل كاملة داخل مدينة الخيام، لكنّه في الوقت نفسه يعترف ضمنياً بأن الجبهة الداخليّة الشمالية ما زالت تعيش حالة تهديد يومي مستمر على الرغم من مرور كل هذا الوقت على العمليات.
لذلك، يمكن القول إنّ هذه الجولات الإعلاميّة في الخيام لم تكن مجرّد تغطية ميدانيّة، بل عمليّة دعائيّة مركّبة هدفت إلى: إظهار استمرار السيطرة العسكريّة، تبرير التدمير الواسع، شيطنة البيئة المدنية الحاضنة للمقاومة، وطمأنة الداخل الإسرائيلي.
لكن خلف هذه الرسائل ظهرت مؤشّرات واضحة على واقع مختلف: استنزاف ميداني مستمرّ، خوف حقيقي من المحلقّات، عودة تدريجيّة إلى تهديد "الحزام الأمني"، وتحوّل القرى الحدوديّة إلى ساحة تدمير لتوجيه الرسائل منها في إطار المعركة على الوعي والسرديّة.