ماركو روبيو الهارب من هافانا: مهندس استراتيجية السيطرة على أميركا اللاتينية

المقاربة الأميركية في أميركا اللاتينية باتت تظهر اعتماداً متزايداً على أدوات غير عسكرية لإعادة ضبط الإقليم، من العقوبات إلى نزع الشرعية وبناء بدائل سياسية من الخارج. في قلب هذا التحوّل، برز وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، كأحد الوجوه التي حوّلت الخطاب السياسي إلى سياسة ضغط منهجية عابرة للحدود.

  • ماركو روبيو الهارب من هافانا: مهندس استراتيجية السيطرة على أميركا اللاتينية
    ماركو روبيو الهارب من هافانا: مهندس استراتيجية السيطرة على أميركا اللاتينية

لا يمكن قراءة ما شهدته أميركا اللاتينية من محاولات إسقاط أنظمة واضطرابات سياسية خلال العقد الأخير بوصفه سلسلة أحداث منفصلة، بل ضمن مسار سياسي متكامل لعب فيه عدد من السياسيين الأميركيين أدواراً محورية في تهيئة المناخ السياسي والإعلامي والدولي لهذه التحركات.

يبرز في مقدّمة هؤلاء وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي تحوّل، منذ صعوده في مجلس الشيوخ في العام 2011، إلى أحد أكثر الأصوات الأميركية تشدداً في مواجهة الأنظمة اليسارية والمستقلة في ما تعتبره واشنطن "حديقتها الخلفية".

ينطلق روبيو في مقاربته لأميركا اللاتينية من خلفية أيديولوجية واضحة، متأثرة بإرث المنفى الكوبي في ولاية فلوريدا، الذي جعل منه ركيزة في مسيرته السياسية. ولم تكن كوبا مجرد بلدٍ غادرته العائلة، بل فكرة سياسية جرى ترسيخها كـ"خسارة يجب استعادتها".

ففي هذا الإطار، تُصنَّف أي حكومة تخرج عن الفلك الأميركي، أو تقيم علاقات سياسية واقتصادية مع روسيا أو الصين، على أنها تهديد مباشر للأمن القومي الأميركي. ومن هذا المنظور، لا تُعامل الانقلابات بوصفها انحرافاً عن القواعد الديمقراطية، بل كأدوات سياسية "مشروعة" إذا جرى تغليفها بعناوين من قبيل "الدفاع عن الديمقراطية" و"حماية حقوق الإنسان".

شبكة اللوبيات والمعارضة في المنفى

لا يستند نفوذ روبيو إلى الخطاب وحده، بل إلى شبكة من "لوبيات المنفى" وشخصيات المعارضة المقيمة خارج بلدانها. وفي صلب هذه الشبكة يقف اللوبي الكوبي–الأميركي في فلوريدا، الذي لعب دوراً تاريخياً في رسم سياسات واشنطن تجاه كوبا وفنزويلا.

وتبرز هنا "Cuban American National Foundation"، التي حافظت لعقود على تأثير مباشر داخل الكونغرس، وكانت من أبرز الداعمين لتشديد الحصار على كوبا ورفض أي مسار انفتاح معها.

في الملف الفنزويلي، أقام روبيو علاقات مباشرة وعلنية مع خوان غوايدو، الذي حظي بدعم سياسي أميركي واسع منذ كانون الثاني/يناير 2019، رغم عدم انتخابه.

كما نسّق مع ليوبولدو لوبيز، أحد رموز الخط المتشدد الداعي إلى إسقاط السلطة بأي وسيلة، ومع ماريا كورينا ماتشادو، المعروفة بدعمها الصريح للعقوبات والتدخل الخارجي.

إلى جانب ذلك، برز دور كارلوس فيكيو، الذي عُيّن ممثلاً دبلوماسياً لحكومة غوايدو في واشنطن، وكان على تواصل دائم مع مكاتب في الكونغرس، ولا سيما مكتب روبيو، لتنسيق الضغوط السياسية والاقتصادية على فنزويلا.

لم يكن تأثير وزير الخارجية الأميركي محصوراً باللوبيات والمعارضة، بل تعزّز بموقعه المؤسسي داخل الكونغرس، ولا سيما في اللجان المرتبطة بالسياسة الخارجية والاستخبارات. هذا الموقع أتاح له أن يكون حلقة وصل مباشرة بين قوى المعارضة في المنفى، والسلطة التشريعية، وأجهزة صنع القرار في الإدارة الأميركية، ما حوّل خطابه السياسي إلى سياسات قابلة للتنفيذ، سواء عبر  العقوبات أم العزل الدبلوماسي أم نزع الشرعية السياسية.

فنزويلا 2019: الشرعية البديلة

بلغ دور ماركو روبيو ذروته في الملف الفنزويلي في كانون الثاني/يناير 2019 واستمرّت حتى الـ2025، عندما كان من أوائل الداعين علناً إلى الاعتراف بغوايدو "رئيساً شرعياً" لفنزويلا، في خطوة هدفت إلى نزع الشرعية عن الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو وخلق سلطة موازية من الخارج. رافقت هذه الخطوة عقوبات اقتصادية خانقة استهدفت قطاع النفط والمؤسسات المالية، وكان روبيو من أبرز مروّجيها داخل الكونغرس.

وفي العام 2025، لم يتغيّر شيء، ففي 21 تشرين الأول/أكتوبر 2025، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأميركي ماركو روبيو يقود حملة الرئيس دونالد ترامب على فنزويلا، ويتصدر جهود إدارته لـ"إضعاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو".

الأجندة الإقليمية لروبيو: من كوبا إلى بوليفيا

في كوبا، ضغط الوزير الكوبي-الأميركي بعد عام 2021 لإفشال أي محاولة للعودة إلى سياسة الانفتاح، ودعا خلال احتجاجات تموز/يوليو من ذلك العام إلى تشديد الحصار، معتبراً الأحداث "فرصة لإسقاط النظام". كما دعم الإبقاء على كوبا ضمن لائحة "الدول الراعية للإرهاب"، بما يحمله ذلك من تبعات سياسية واقتصادية.

وفي هذا السياق، نقلت "أسوشيتد برس"، في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2025، عن كبير الدبلوماسيين الكوبيين، قوله إن "التصعيد الأميركي الأخير في منطقة البحر الكاريبي هو نتيجة لأجندة وزير الخارجية ماركو روبيو الشخصية ضد المنطقة"، مضيفاً أن نظيره الأميركي يدفع بشكل متزايد بسياسات لا تتماشى مع ما يسمى تفويض الرئيس دونالد ترامب للسلام.

أما في نيكاراغوا، فقد قاد روبيو منذ عام 2018 حملات داخل الكونغرس لفرض عقوبات على حكومة الرئيس دانييل أورتيغا، ثم دعم توسيعها بعد انتخابات 2021، في مسعى لعزل النظام وخلق ضغط داخلي مستدام.

وفي بوليفيا، شكّل موقفه من انقلاب تشرين الثاني/نوفمبر 2019 مثالاً إضافياً على ازدواجية الخطاب، إذ اعتبر إطاحة الرئيس إيفو موراليس "تصحيحاً للمسار الديمقراطي"، ما أسهم في شرعنة الانقلاب دولياً، قبل أن يعود إلى التحذير من "عودة النفوذ المعادي لواشنطن" مع عودة اليسار إلى الحكم عبر الانتخابات.

المسار الأميركي لتقويض الأنظمة في أميركا اللاتينية

تكشف التجربة الأميركية في أميركا اللاتينية عن مسار سياسي متماسك لا يقوم على التدخل العسكري المباشر، بل على بناء بيئة ضغط تدريجية تبدأ بنزع الشرعية السياسية عن الحكومات المستهدفة، وتُستكمل بعقوبات اقتصادية تُفاقم الأزمات الاجتماعية، بالتوازي مع دعم مباشر أو غير مباشر لقوى معارضة في الداخل أو في المنفى. هذا المسار لا يهدف إلى إدارة أزمة سياسية محددة، بل إلى خلق شروط داخلية قابلة للانفجار عند اللحظة المناسبة.

في هذا السياق، يبرز ماركو روبيو، المهندس الحقيقي والمخطِّط الفعلي لاستراتيجية واشنطن الهادفة إلى إعادة فرض السيطرة على أميركا اللاتينية، واضعاً فنزويلا في صدارة هذا المسار، تمهيداً للانتقال لاحقاً إلى كوبا، وفق الرؤية التي طالما عبّر عنها تيار المنفى الكوبي.

ومن هذا المنظور، يُقرأ ما جرى يوم السبت من عدوان مباشر على فنزويلا واختطاف رئيسها الشرعي المنتخب نيكولاس مادورو على أنه محاولة لترجمة هذه الاستراتيجية إلى فعل ميداني. خطوة يعتبرها روبيو وتياره أول اختبار عملي في مسار طويل، وإن كانت تداعياتها الإقليمية والدولية لا تزال مفتوحة على احتمالات تتجاوز حسابات مهندسيها.

يُظهر تتبّع دور ماركو روبيو أن الانقلابات في أميركا اللاتينية لا تبدأ بالدبابات ولا بالجنرالات، بل بالكلمات والمواقف السياسية.

الخطاب يسبق الفعل، ونزع الشرعية يسبق العقوبات، والعقوبات تمهّد لمحاولات فرض بدائل سياسية من الخارج. غير أن التجربة خلال العقدين الأخيرين تشير إلى أن هذا النهج، على الرغم من تكراره وتنوّع أدواته، لم ينجح في إنتاج تحوّلات سياسية مستقرة أو أنظمة موالية قادرة على الصمود.

اخترنا لك