عضّ الأصابع في أوكرانيا: التصعيد لحسم التردد الأميركي
التردد من غياب الوسيلة لتحقيق هذا الهدف، من دون التسليم بنصر روسي حاسم والوقوع في تراجع استراتيجي كبير، أو إفقاد حلف الناتو معناه ودوره الأوروبي، بعد انتقادات ترامب له، التي استجابت الدول الأوروبية الأكبر لها، ورفعت إنفاقها الدفاعي، لتكتشف أن لا ضمانات أميركية صلبة.
-
زيلينسكي يستقبل ويتكوف وكوشنر خلال زيارتهما الأخيرة إلى كييف في 6 أيلول/سبتمبر 2026 (وكالات)
استقبلت موسكو ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بعد أيام من زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية. على وقْع نبرة تصريحات روسية وأميركية متفائلة، لا تتسق وواقع التصعيد العسكري المتزايد، الذي يطال منشآت صناعية ولوجيستية ومحطات طاقة ومطارات وموانئ في أوكرانيا، ويصاحب تغيّر في الخطاب الروسي تجاه القوى الأوروبية الرئيسية في المواجهة، بريطانيا وألمانيا وفرنسا، بسبب تسليحها ودعمها العسكري لأوكرانيا.
مع سعي الأطراف الأوروبية إلى تشكيل معادلة ردع تجاه روسيا، تُناظر قدراتها النووية، وتستجيب لما يعتبره الأوروبيون "حرباً هجينة" تستخدمها لتحقيق تفوق استراتيجي. ويبدو أن عنوان المرحلة إجبار كل طرف الآخر على تقديم تنازل.
والتقى ويتكوف وكوشنر بالرئيس الأوكراني زيلينسكي، الذي قال إنه طُرحت "أفكار جيدة"، مؤكداً تمسكه بمناقشة ما يتعلق بأراضي أوكرانيا على مستوى القادة، بعقد قمة ثلاثية، وبأن تعالج أي تسوية مسألة أمن أوكرانيا على المدى الطويل، في إشارة إلى الضمانات الأمنية التي تشترطها أوكرانيا.
ويبدو أن الأولوية في المحادثات كانت لمطالبة الولايات المتحدة بدعم إضافي، في مجاليّ الدفاع الجوي ( صواريخ باتريوت) والطاقة، بفعل الموقف العسكري الحالي واقتراب فصل الشتاء، وأن الدول الأوروبية جزء من التفاوض، إذ شارك ممثلون أوروبيون في المحادثات.
ونوقش عقد جولة أخرى قد تضم الأطراف الثلاثة وشركاء أوروبيين، وطُرحت مواقع محتملة لاستضافتها مثل تركيا أو الإمارات أو سويسرا.
لا يمكن فصل موجة التصعيد الأوكرانية الأخيرة عن توجه إدارة ترامب، الذي كان محل خلاف علني كبير مع القوى الأوروبية، إلى إقامة تسوية تقدم أوكرانيا تنازلات بموجبها، ورآها ترامب واقعية، لأنها تعكس الأوزان النسبية الفعلية للأطراف المنخرطة: التقدم الروسي والواقع المفروض ميدانياً، والنظام الأوكراني الحالي الذي يواجه هيكله نفسه صعوبات كبيرة، تعمقها أزمة موارد بشرية، وانقسامات وقضايا فساد وتربّح، والإحجام الأوروبي عن المواجهة المباشرة.
وكانت الذروة حين قال ترامب لزيلينسكي صراحةً إنه "لا أوراق لديه" تجعله يرفض التنازل ويجلب دعماً أميركياً أكبر، والتقى بوتين في قمة ألاسكا، وعلى طريقته للمناورة بادر خطابه بالتهدئة مع روسيا، وتحميل دول "الناتو" الأوروبية مسؤولية حماية أنفسها، والردع على الجبهة الشرقية للحلف.
من هنا انطلقت العمليات الأوكرانية المضادة، كي تؤمّن "الأوراق". وافتتحتها أولاً عملية "شبكة العنكبوت" الواسعة، التي استهدفت القدرات الجوية الروسية، ثم انطلق استهداف بنية تحتية، وجسور، وصولاً إلى الوضع الحالي والتصعيد المتواصل منذ أسابيع: استهداف منشآت طاقة ومصافي نفط ومحطات قطار.
وتبدو أوكرانيا محتاجة إلى ترجمة فعلية شاملة للعودة الأميركية إلى الوساطة، بعد فصول خلاف شملت قطع المعونات والمعلومات الاستخبارية، وإنهاء الموقف الأساسي الأميركي الرافض للانخراط، والمناهض في الوقت ذاته للعملية الروسية، الذي يضع الضعف العسكري الأوروبي موضع المشكلة.
وفي المقابل يتصاعد رد روسيا، وتعوّض امتناعها عن التوسع في استهداف البنية التحتية الأوكرانية سابقاً، وتركز الآن على ضرب كييف، واستهداف مخازن الأسلحة، ومنها ما أقرّ زيلينسكي بوجوده في مناطق سكنية، متعهداً بمحاسبة المسؤولين، وصولاً إلى إعلانه مؤخراً استهداف روسيا مقر "جهاز الأمن الأوكراني" SUB في وسط العاصمة.
وانتشرت على مواقع التواصل مشاهد لقوات الجهاز تشتبك مع قوات تابعة للاستخبارات العسكرية الأوكرانية، ثم تساؤلات عن عدم إعلان روسيا استهداف مقر الجهاز.
مشاهد تعكس عمق وخطورة الانقسام في جهاز الدولة، مع مشاهد إجبار المطلوبين على التجنيد، وقتال مرتزقة غير أوكرانيين على الخطوط الأمامية، وتشير إلى وضع قتالي حرج، وتراجع استراتيجي أوكراني لا تبدو القوى الأوروبية قادرة على كبحه.
يمكن القول إن التناقض بين تصاعد الضربات الأوكرانية، والقدرة على تحديد الأهداف الحيوية الروسية وضربها، وبين الضعف الإداري والتفكك في الدولة الأوكرانية، وتداعيات الضربات الروسية الحالية على قدراتها الاقتصادية وقطاع الطاقة، يكثّف أزمة إدارة زيلينسكي، التي استطاعت تأمين تسليح أوروبي أميركي كافٍ لتوجيه ضربات، لكن من دون قدرة استراتيجية أو عمق جغرافي سياسي يكفل احتواء الضربات المضادة، وطول مدة الحرب، وأثَر ذلك على البنية الاجتماعية نفسها، فضلاً عن الاقتصاد.
واتضح - بعد سنوات - أن التسليح الأوروبي والأميركي المكثّف، وحتى التزويد الأوروبي بالصواريخ طويلة المدى، الذي وصفته روسيا بالعمل العدائي في سياق التصعيد الحالي، لم يتمكن من تحقيق الردع.
المحصلة أن الطرفين يسعيان، من خلال التصعيد، إلى اغتنام فرصة قرب انتخابات التجديد النصفي، ورغبة ترامب في تحصيل مكسب سياسي و"وقف حرب" يحقق طموحه قبلها، في ظل تعسّر موقفه مع إيران.
وتحاول أوكرانيا تحسين شروط التفاوض بدخوله من موقع أقوى، يجلبه استهداف أهداف استراتيجية روسية، وتحقيق ندية عسكرية أعلى.
وفي الاتجاه المعاكس، بزخم أعلى، تكثّف روسيا الاستهدافات بوتيرة غير مسبوقة، وتجدد مطالبها بـ"الضمانات الاستراتيجية" التي حاربت لتحصيلها، وفي ذات الوقت تفتتح فرصة جديدة للتفاوض، بعودة الوساطة الأميركية بعد غياب، ويعلن بوتين وقف ضرب كييف لفترة وجود المبعوثين ويتكوف وكوشنر هناك.
من زاوية أوسع، ومن منظور القوى الأوروبية الفاعلة، تلوح نفس الفرصة (الانتخابات الأميركية وتوقيتها) لهذه القوى لتأمين دعم سياسي أميركي فارق، فتدعم التصعيد الأوكراني، وتعبر عن قلق استراتيجي حقيقي يتوّج تصاعد الموقف العسكري مع روسيا لعام ونيف، كأنه قرار بالحصول على مقابل للمشتريات الأوروبية الكبيرة من السلاح الأميركي في المعادلة السياسية، قبل الميدانية (الأكثر غموضاً ومخاطرة).
وقد بلغ الاحتكاك العسكري نقطة حرجة، بعد هجوم بطائرة مسيرة على مطار لايبزيغ في ألمانيا، اتهمت ألمانيا وبريطانيا روسيا بتدبيره، فضلاً عن حملة الاستطلاع بالمسيرات الروسية الكبيرة، التي انتهت مطلع العام الحالي، ونفذت تحليقاً فوق أجواء 12 دولة عضواً في الناتو، وتضمنت احتكاكات حرجة بين روسيا وأطراف أوروبية.
على المستوى الدولي يطرح الواقع خريطة أكثر تعقيداً وتشابكاً، إذ يتصل موقف الولايات المتحدة تجاه احتمالات اندلاع حرب في أوروبا، بدائرتين استراتيجيتين، غرب آسيا وشرقها.
والمأزق الأميركي في الأولى مع إيران، وما يعكسه من إخفاق عسكري وأزمة إمدادات، وحضور خصمين كبيرين في الثانية، الصين وكوريا الشمالية، بمواقفهما من بحر الصين الجنوبي وتايوان وكوريا الجنوبية واليابان وأوكرانيا، وما فرضته سياسات الطرفين من ردع.
رابط الحالتين هو القدرات العسكرية الأميركية، التي تشهد أزمة توزيع في مواجهة التهديدات الاستراتيجية المتزايدة، ويثبت الآن أنها (على ضخامتها) محاطة بالردع، النووي والتقليدي، على مختلف الجهات، ويصعب عليها تنفيذ انتشار محكم في أكثر من جبهة، حال تعرض أحد الجبهات لضرب متواصل، مثل الاستهداف الإيراني لها في الخليج، والاضطرار إلى سحب بطاريات صواريخ من شرق آسيا.
يختلف التردد الأميركي في غرب آسيا، تجاه إيران، عن حالة شرق أوروبا: إذ يبدو في الأولى ناتجاً لغموض الأهداف والأفق الاستراتيجي للسياسات ولاستخدام القوة العسكرية، ويبدو الهدف في الثانية واضحاً منذ البداية، تحميل أوروبا كلفة ما انتزعته روسيا، وإقامة تسوية تكافيء حجمها ومحددات أمنها.
لكن يأتي التردد من غياب الوسيلة لتحقيق هذا الهدف، من دون التسليم بنصر روسي حاسم والوقوع في تراجع استراتيجي كبير، أو إفقاد حلف الناتو معناه ودوره الأوروبي، بعد انتقادات ترامب له، التي استجابت الدول الأوروبية الأكبر لها، ورفعت إنفاقها الدفاعي، لتكتشف أن لا ضمانات أميركية صلبة (بالمعنى الاستراتيجي والعسكري بالتحديد) في مواجهة روسيا.
ومع التقدم الروسي البري الثابت البطيء في مقاطعة دونيتسك، وضمّ روسيا 5 مقاطعات أوكرانية بالفعل، وتمكن إيران من ضرب مرتكزات القوة العسكرية الأميركية في محيطها القريب، يتشكل مناخ عالمي مشجع على رفض السياسات الأميركية، لا يمكن فصله عن الصين وفاعليتها، وضغطها الاقتصادي المتوقَع على الدولار وسيطرتها على بحر الصين الجنوبي.
وتلوح فرصة لمناهضي السياسات الأميركية للضغط المتوازي، أو التقدم، لدفع الولايات المتحدة إلى تقديم تنازلات، والإقرار بتراجع موقعها نسبياً عن الموقع "المهيمن المطلق" السابق، واستغلال عجزها عن إقامة توازن يحقق موقف قوي في بؤر الصراع الساخنة العديدة. عجز يمثل صورة أخرى للتردد الأميركي، على مستوى عام، بين التسليم بواقع التراجع والسعي إلى ترميم القوة.