جيبوتي والتعديل الدستوري: استمرار القيادة وسط عواصف القرن الأفريقي

على خلفية ترشح الرئيس للانتخابات من المنتظر أن تلعب جيبوتي أدواراً تتطلبها المنطقة في ظل التحديات الماثلة في قضايا عديدة، أهمها النزاعات التي تشهدها دول الجوار، المدفوعة بأهداف اقتصادية وجيوسياسية.

  • جيبوتي بين الرئاسة الجديدة للرئيس إسماعيل قيلي والتحديات المتجددة
    جيبوتي بين الرئاسة الجديدة للرئيس إسماعيل قيلي والتحديات المتجددة

في خطوة متوقعة رسمت الخريطة السياسية الجيبوتية للسنوات القادمة، صوت برلمان البلاد بالإجماع على تعديل دستوري تاريخي يقضي بإلغاء الحد الأقصى لسن الترشح لرئاسة الجمهورية. يفتح هذا التعديل الباب قانونياً وبوضوح أمام الرئيس الحالي، إسماعيل عمر قيلي، البالغ من العمر 77 عاماً، للترشح لولاية سادسة في الانتخابات المقررة عام 2026، مما يعزز استمراريته في حكم البلاد الممتد منذ ربع قرن. 

ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على الشأن الداخلي فحسب، بل تجري في لحظة بالغة الحساسية ضمن منطقة القرن الأفريقي المتقلبة، حيث تتداخل تحديات اقتصادية وأمنية إقليمية مع مصير الدولة صغيرة الحجم ذات الموقع الجيواستراتيجي الفريد.

تفاصيل التعديل الدستوري وآلياته

جاء التصويت بالإجماع من قبل الأعضاء الـ 65 في المجلس الوطني، الذين تنتمي غالبيتهم الساحقة لحزب "التجمع الشعبي من أجل التقدم" الحاكم، على حذف المادة الدستورية التي كانت تحظر الترشح لمن تجاوز الخامسة والسبعين من العمر. يمهد هذا التعديل، الذي تم تنفيذه قبل نحو عام ونصف من موعد الانتخابات الرئاسية، الطريق قانونياً للرئيس قيلي، والذي كان العمر سيشكل حاجزاً دستورياً أمام ترشحه، لخوض السباق الانتخابي القادم.

ويأتي هذا الإجراء في سياق متكرر لنمط التعديلات الدستورية التي تخدم استمرارية القيادة، كما حدث سابقاً مع إلغاء حد الولايات في عام 2010.

السياق المحلي: نظام يحصن ذاته وسط جدل ديمقراطي

تجري العملية الانتخابية في جيبوتي تحت هيمنة شبه كاملة للحزب الحاكم، وسط سجلات مثيرة للجدل. ففي الانتخابات التشريعية لعام 2021، حصد "التجمع الشعبي من أجل التقدم" جميع مقاعد البرلمان البالغة 65 مقعداً، بنسبة تصويت أُعلن عنها رسمياً تقترب من 97%.

وقد وثقت تقارير لمنظمات دولية معروفة، منها "منظمة العفو الدولية" و"مراسلون بلا حدود"، نمطاً من تقييد الحريات السياسية وتضييق الخناق على المعارضة ووسائل الإعلام المستقلة على مدى سنوات.

وفي هذا الإطار، تعاني المعارضة الجيبوتية من انقسامات داخلية وتهميش فعلي، بينما يواجه بعض قادتها ملاحقات قضائية أو إقامة جبرية، مما يجعل فكرة المنافسة الرئاسية الحقيقية شبه معدومة على أرض الواقع. وعوضاً عن ذلك، يروج النظام لخطاب سياسي يركز على ضرورة "الاستقرار" و"الاستمرارية" كأولوية مطلقة في خضم التغيرات العاصفة التي تعصف بالمنطقة، مقدماً نفسه كحاجز ضد الفوضى وضامن للوئام بين مكونات البلاد الرئيسية.

التحديات الإقليمية: جيبوتي في عين العاصفة الجيوسياسية

تكمن الأهمية الإستراتيجية لهذا التمديد المتوقع للرئاسة في حجم العواصف التي تحيط بجيبوتي من جميع الجهات. فمن الناحية الاقتصادية والأمنية، تشكل العلاقة مع إثيوبيا التحدي الأبرز، حيث تعتمد جيبوتي على ما يقارب 70% من نشاط موانئها الحيوية على تجارة جارتها العملاق الحبيس، الذي يضم أكثر من 120 مليون نسمة. ويشكل إصرار أديس ابابا المستمر على الحصول على منفذ بحري سيادي، سواء عبر التفاوض أو التلميح باستخدام خيارات أخرى، تهديداً وجودياً للاقتصاد الجيبوتي القائم على الخدمات اللوجستية، مما يتطلب دبلوماسية دقيقة وخبرة عميقة لإدارته.

أما على صعيد البحر الأحمر، فتجد جيبوتي نفسها في قلب ساحة تنافس جيوسياسي حامية الوطيس بسبب موقعها الإستراتيجي على مضيق باب المندب. وقد تحولت إلى موطن لأكبر تجمع للقواعد العسكرية الأجنبية في أفريقيا، تستضيف قوات أميركية وفرنسية وصينية ويابانية وإيطالية، مع وجود روسي وسعودي ملحوظ. هذه التركيبة الفريدة تضع البلاد في بؤرة التنافس بين القوى العظمى، خاصة بين واشنطن وبكين، وتستلزم إدارة حذرة للتوازنات لتحقيق الاستفادة الاقتصادية من إيجارات هذه القواعد مع تجنب الانجرار إلى صراعات تهدد أمنها الوطني.

وتتفاقم هذه التحديات بسبب حالة عدم الاستقرار المزمنة التي يعانيها الجوار الإقليمي، من الحرب المستمرة ضد حركة الشباب في الصومال، إلى عزلة إريتريا والتوترات الحدودية معها، مروراً بالنزاعات الداخلية في إثيوبيا نفسها. 

في هذا المحيط المضطرب، يبرز الاستقرار الداخلي الجيبوتي كحالة استثنائية، لكنه يبقى هشاً أمام إمكانية تصدير الأزمات عبر الحدود، لا سيما مع وجود تداخلات قبلية عابرة للحدود، مثل قومية العفر المنتشرة في إثيوبيا وإريتريا بالإضافة إلى جيبوتي.

المستقبل: بين منطق الاستمرارية ونداءات التجديد

ينقسم الرأي حول هذا التعديل بين مؤيد يرى فيه ضمانة ضرورية، ومعارض أو محلل يشير إلى ثمن الجمود المصاحب له. ويرى المؤيدون أن بقاء الرئيس قيلي، ذي الخبرة الممتدة، يشكل ضمانة لاستمرار سياسة خارجية معتدلة وقادرة على إدارة التعقيدات مع القوى الكبرى والجوار المضطرب. ويؤكدون أن المرحلة الحالية الحرجة تتطلب ثباتاً وعدم زعزعة للبنية الداخلية في مواجهة العواصف الإقليمية.

في المقابل، يشير المحللون والمنتقدون إلى أن النظام يكرس حالة من الجمود السياسي ويعطل آليات التداول السلمي للسلطة، مما يحجب فرص ظهور جيل جديد من القادة ويحد من التجديد الفكري والسياسي. كما يسلطون الضوء على المخاطر الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الاعتماد شبه الكلي على قطاع الخدمات اللوجستية والموانئ، في ظل معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب وضغوط معيشية متصاعدة، والتي قد تتفجر إذا لم تتم معالجتها بسياسات اقتصادية واجتماعية اكثر ابتكاراً واستجابة لمتطلبات المستقبل.

الخلاصة

يمثل إلغاء سقف العمر الرئاسي في جيبوتي أكثر من مجرد تعديل قانوني تقني؛ فهو بيان سياسي قوي يؤكد عزم النظام الحاكم على التمسك بزمام الأمور في يد القيادة التاريخية نفسها. يرفع هذا القرار شعار "الاستقرار" كأعلى قيمة في مواجهة عواصف إقليمية لا هوادة فيها. بينما قد يضمن هذا النهج الهدوء النسبي على المدى القصير، وتظل الأسئلة الجوهرية معلقة حول قدرة هذا النموذج على الصمود أمام التحديات الاقتصادية الداخلية المتراكمة وتطلعات جيل شاب يطمح للتغيير على المدى الطويل. تستعد جيبوتي، برئيسها المخضرم، لولاية سادسة ستكون فيها حكمة إدارة الأزمات الإقليمية والملف الإثيوبي الملحّ، والتنافس الدولي المحتدم هي المحك الحقيقي لمستقبل البلاد، في اختبار يتجاوز بكثير حدود صناديق الاقتراع.

اخترنا لك