جرائم حرب وقرصنة: حصاد الولايات المتحدة في البحر الكاريبي خلال خمسة أشهر

البحر الكاريبي تحوّل خلال الخمسة أشهر الماضية إلى مسرح لجرائم حرب وقرصنة بحرية من جانب القوّات الأميركية دون سند قانوني ودون أي اعتبار للقانون الدولي والاتفاقات الإقليمية السارية. وفي قلب هذا التحول جرى خلط الأمني بالسياسي.

  • جرائم حرب وقرصنة: حصاد الولايات المتحدة في البحر الكاريبي خلال خمسة أشهر
    جرائم حرب وقرصنة: حصاد الولايات المتحدة في البحر الكاريبي خلال خمسة أشهر

بدأت الولايات المتحدة انتشارها العسكري في البحر الكاريبي في مستهل شهر آب/أغسطس الماضي، وأعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شهر أيلول/سبتمبر  الماضي عن عملية "رمح الجنوب" بهدف "مكافحة المخدرات" في نصف الكرة الغربي، وتَبِع ذلك الإعلان عن حصار بحري على فنزويلا في منتصف كانون الأول/ديسمبر الجاري.

لقد تحوّل البحر الكاريبي خلال الخمسة أشهر هذه إلى مسرح لجرائم حرب وقرصنة بحرية من جانب القوّات الأميركية من دون سند قانوني ومن دون أي اعتبار للقانون الدولي والاتفاقات الإقليمية السارية. بوارج عسكرية وطائرات استطلاع ومراكز قيادة متقدمة، مع قواعد اشتباك تسمح بتحويل "الاعتراض" إلى عقاب. وفي قلب هذا التحول، جرى خلط الأمني بالسياسي: تُقدَّم العمليات كمطاردة مهربين، بينما تُدار كأداة لإعادة رسم حدود سيادة فنزويلا والإقليم في البحر.

قدّمت القيادة الجنوبية الأميركية "رمح الجنوب" بصفتها عملية مشتركة لتجفيف تمويل شبكات التهريب عبر تنسيق بين البحرية وخفر السواحل وأجهزة أخرى، وبمسرح عمليات يمتد من الكاريبي إلى المحيط الهادئ. وهذا تفويض واسع يتيح من الناحية الإجرائية المراقبة والاقتراب والتفتيش والاحتجاز، ويُروَّج له كخط دفاع أول عن "الأمن الإقليمي".

وتُعلن بيانات العملية أنها تستهدف الزوارق السريعة ومسارات المال والسلاح المرتبطة بالكارتلات، مع نشر منصات بحرية وجوية إضافية. بيد أن الاتساع نفسه يصنع غطاءً لتموضع هجومي قرب فنزويلا، ويجعل أي حركة بحرية حولها قابلة للتجريم الفوري.

التكلفة الإنسانية ظهرت مع ضربات ضد قوارب صغيرة. في 3 أيلول/سبتمبر الماضي، قالت البحرية الأميركية إنها قتلت 11 شخصاً في اشتباك مع قارب زعمت أنه أطلق النار خلال عملية لمكافحة المخدرات. وبعد ذلك، تحدثت تقارير صحفية عن عشرات الضربات وسقوط ما يزيد على مئة قتيل منذ بدء التصعيد حتى اليوم، وبعضها أشار إلى نحو 25 ضربة وقرابة ثلاثين عملية اعتراض خلال أسابيع.

والمشكلة هنا ليست عدد الضحايا وحده، وإنما القاعدة التي تتيح تحويل "الاشتباه" إلى حكم فوري، ثم الاكتفاء ببيان عسكري كدليل، من دون نشر مواد تحقق كافية أو مسار طعن متاح أمام الأسر المتضررة. والجدير ذكره أن واقعة 3 سبتمبر – وغيرها – تُجسّد الانزلاق إلى جرائم حرب، إذ أعادت القوّات استهداف ناجين من استهداف سابق.

المعضلة من الناحية القانونية ليست مطاردة تهريب فعلي بقدر ما هي معيار استخدام القوة. فميثاق الأمم المتحدة يقيّد اللجوء إلى القوة، وقانون البحار ينظم حق التفتيش والاحتجاز ويحدد شروطه، بينما يتطلب القتل إثبات تهديد وشيك وتناسباً صارماً.

ومع تكرار الضربات في المياه الدولية، برز داخل الولايات المتحدة جدل حول صلاحيات السلطة التنفيذية وغياب تفويض تشريعي واضح لعمليات تتجاوز الاعتقال إلى التصفية، مع مطالبات بإحاطات ومساءلة حول قواعد الاشتباك وعدد القتلى. وحتى في إطار "مكافحة المخدرات"، يبقى سؤال معيار الإثبات والحق في المراجعة قائماً، لكن المساءلة تحولت في الواقع إلى مجرد جدل سياسي وليس تحقيقاً قانونياً ملزماً.

الوجه الأكثر وضوحاً للحصار ظهر في ما يتعلق بالنفط الفنزويلي. فبدلاً من الاكتفاء بعقوبات وتجميد ومصادرة أصول أو منع تعامل مصرفي، انتقلت واشنطن إلى مطاردة واعتراض ناقلات نفط قرب فنزويلا واحتجازها بما يشبه نقل العقوبات إلى البحر.

تقارير الأول من كانون الأول/ديسمبر الجاري تحدثت عن مطاردة ناقلة اسمها "بيلا 1" قبالة الساحل الفنزويلي ضمن سلسلة عمليات قالت السلطات الأميركية إنها تستهدف ناقلات "خاضعة للعقوبات"، مع حديث عن مطاردة ناقلة ثالثة بعد مصادرة ناقلتين في وقت سابق.

ولقد ولَّد ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها أسئلة عن الملكية والإجراءات، لأن مصادرة شحنة في مياه دولية من دون حكم قضائي محكم تفتح نزاعاً مزدوجاً: على الاختصاص، وعلى معنى "العقوبة" حين تتحول إلى استيلاء فعلي.

وتكثفت الاتهامات بعد الاستيلاء على ناقلة "سكيبر" التي كانت تحمل نفطاً فنزويلياً وتتجه نحو كوبا، إذ اعتبرت هافانا أن ما جرى "قرصنة" تمس أمنها الطاقي، بينما رأت كاراكاس أن واشنطن تستخدم البحر كسلاح لتجفيف موارد الدولة وإخضاعها سياسياً، خصوصاً عندما تكون الشحنات مرتبطة بإمدادات متجهة إلى حلفائها.

وهذه الواقعة تمثِّل سابقة تقول إن العقوبة لم تعد تتوقف عند منع التحويلات أو التأمين، وإنما تشمل مصادرة مادية بالقوة. وفي ردها تحدثت فنزويلا عن إجراءات لمكافحة "القرصنة" وتوسيع حماية الملاحة، ما يرفع مستوى الاستقطاب في الإقليم، خاصة مع تحوّل البحر إلى ساحة عقاب سياسي يتجاوز فنزويلا إلى محيطها وحتى حلفائها من خارج الإقليم.

في قلب معركة الحصار البحري برزت الناقلات المتجهة إلى الصين باعتبارها شريان التصدير الأهم لفنزويلا، إذ تعدّ بكين أكبر مشترٍ للخام الفنزويلي، وكانت شحنات ديسمبر مرشحة لتتجاوز متوسط 600 ألف برميل يومياً. وخلال التطبيق العملي للحصار لاحقت واشنطن سفن "أسطول الظل" عبر اعتراضات في المياه الدولية؛ أبرزها ناقلة "سينشريز" التي قالت وثائق لشركة النفط الوطنية الفنزويلية إنها حملت نحو 1.8 مليون برميل من النفط الخام وكانت تتجه نحو الصين بعد أن أبحرت باسم مزيف بوساطة وسيط يزوّد المصافي الصينية. وبالمقابل، واصلت ناقلات أخرى طريقها إلى آسيا عبر إطفاء أجهزة التتبع أو الانتظار لنقل الشحنة من سفينة إلى أخرى، وذلك لتفادي احتمال الاعتراض ورفع التكلفة التأمينية.

والجدير ذكره أن ممارسات الولايات المتحدة في الكاريبي لم تقتصر على ضرب الزوارق الصغيرة واعتراض ناقلات النفط، إذ سبق هذه الاعتراضات تقارير تناولت تفتيش طاقم سفينة حربية أميركية لقارب صيد فنزويلي يدعى "كارمن روزا" على مسافة قريبة من الساحل الفنزويلي، مع احتجاز طاقم القارب المكوّن من تسعة صيادين لمدة من الوقت، في واقعة عُرضت رسمياً كإجراء "أمني". وحتى حين لا تنتهي هذه الاعتراضات بضرب مباشر أو مصادرة، فهي تصنع اقتصاد إقليمي يغمره الخوف: ملاحة محلية قد تُعامل كتهديد، وصيادون قد يتحولون إلى "أهداف محتملة"، وتُفرض فوق ذلك رقابة فعلية على الفضاء البحري لفنزويلا. وهذا الضغط اليومي يراكم أثراً اجتماعياً مباشراً؛ يرفع تكلفة الصيد وإمدادات الطاقة، ويشدد الحصار على فنزويلا وحلفائها، ويؤخر الرحلات ويزيد مخاطر العمل البحري.

ومع ذلك، لم يغلق الحصار كل المسارات. فتقارير قطاع الطاقة تشير إلى استمرار حركة ناقلات فنزويلية عبر شبكات التفاف تتضمن تبديل الأعلام والملكية، واعتماد نقل شحنات بين سفن، ومسارات أطول تقلل احتمال الاعتراض. وفي بعض الأيام، تباطأت الحركة ثم عادت جزئياً، ما يعني أن المنع يولد "اقتصاد ظل" يصعب التحكم فيه بدلاً من امتثال كامل. وبالمقابل، تظهر سفن أخرى تمر من دون اعتراض، إما لأنها خارج قوائم العقوبات والاستهداف أو لأنها تتحرك ضمن هامش قانوني يصعب الطعن فيه فوراً. والنتيجة أن واشنطن ترفع تكلفة النقل والتأمين وتزيد احتمال ارتفاع أسعار النفط عالمياً بسرعة، لكنها لا تلغي السوق، وإنما تدفعه إلى مزيد من الالتفاف.

ووسط هذا التناقض تظهر شركة "شيفرون" بصفتها الاستثناء الذي يفضح القاعدة. فالشركة تعمل في فنزويلا ضمن تراخيص أميركية قابلة للتجديد والتقييد، وما زالت حتى اليوم تصدّر شحنات ضمن إطار يسمح لواشنطن بالتحكم في جزء من التدفقات بدل قطعها، وقد مرَّت الشحنات على مدار الأسابيع والأيام الماضية من دون أي اعتراض من جانب القوّات الأميركية. ومع ذلك، تشير تقارير تتبع الشحنات إلى تراجع صادرات "شيفرون" في بعض الأسابيع خلال الشهور الخمسة الماضية، ما يوضح أن ترخيص العمل نفسه يُستخدم من جانب واشنطن كصمام ضغط: تضييق لإرسال رسالة سياسية، وتوسيع لتجنب صدمة أسعار أو لحماية مصالح شركة أميركية.

وبهذه الصيغة يصبح الحصار المفروض على فنزويلا وحلفائها والتصعيد العسكري الجاري في البحر الكاريبي أداة لفرض أمر واقع جديد على مستوى الإقليم بأسره: تحويل البحر إلى مجال ضبط أميركي يحدّد من يمرّ ومن يُعاقَب، وتطبيع فكرة أن العقوبات يمكن أن تُنفَّذ بالقوة لا عبر القضاء. ويعني ذلك عملياً خنق قدرة كاراكاس على تصدير النفط إلى الصين وكوبا عبر رفع المخاطر والتأمين وتوسيع "قوائم الاشتباه"، مع إبقاء استثناءات مضبوطة مثل شحنات "شيفرون" لتأكيد أن السوق يُدار سياسياً. وفي مقابل ذلك، تراهن فنزويلا على حماية الملاحة وتعميق مسارات الالتفاف وبناء ردع يمنع تحويل "الاعتراض" إلى قاعدة دائمة. ووسط هذا التصعيد المستمر، يبقى خطر "الحادث المفتعل" هو نقطة الانفجار الأكثر ترجيحاً.

اخترنا لك