تمرّد الحريديم على نتنياهو: خطوة مرحلية لا طلاق سياسي

هل ينتقل الحريديم من موقع التذمر الداخلي إلى موقع التهديد العلني، وربما الجدي، بحل الكنيست؟ وماذا تعني هذه الخطوة بالنسبة إلى نتنياهو؟

  • تمرّد الحريديم على نتنياهو: خطوة مرحلية لا طلاق سياسي
    تمرّد الحريديم على نتنياهو: خطوة مرحلية لا طلاق سياسي

يدخل المشهد السياسي الإسرائيلي مرحلة ضغط شديدة؛ فمع تعثر تمرير قانون تجنيد جديد يُرضي الأحزاب الحريدية و"الإعلان الدراماتيكي" للحاخام دوف لاندو، الزعيم الروحي الأبرز لحزب "ديغل هتوراه" اللتواني الحريدي، حول فقدان الثقة برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووصفه بالكذاب، انتقلت الأزمة من مستوى التهديد السياسي إلى مستوى التشكيك بشرعية استمرار الشراكة مع نتنياهو في ظل عجزه عن تمرير قانون تجنيد في "الجيش" الإسرائيلي يراعي مطالب المتدينين الحريديم.

ورغم أن الفارق الزمني بين الانتخابات المبكرة والموعد القانوني لا يتجاوز أسابيع أو أشهراً قليلة، فإن توقيت الاقتراع بات مسألة حساسة تتداخل فيها اعتبارات الحرب، وقانون التجنيد، ومصالح الأحزاب الحريدية، وحسابات نزاهة العملية الانتخابية.

هجوم الحريديم على نتنياهو

يمثل موقف الحاخام دوف لاندو نقطة تحوّل رمزية وسياسية، فاتهامه نتنياهو بالكذب، ووصفه بأنه لم يعد شريكاً موثوقاً، فضلاً عن توجيه الكتلة البرلمانية لحزبه لدعم حل الكنيست، وذلك على خلفية إبلاغ نتنياهو الأحزاب المتدينة عدم وجود إمكانية لتمرير قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية بصيغته الحالية في الوقت الراهن، كل ذلك يعكس انتقال الحريديم من موقع التذمر الداخلي إلى موقع التهديد العلني، وربما الجدي، بحل الكنيست، وهو الموقف الذي ينسجم مع موقف الجناح الحسيدي (أغوداة إسرائيل) في كتلة "يهدوت هتوراه" (التي تضم حزبي ديغل هتواره وأغوداة إسرائيل).

والأخطر في الرسالة، بحسب معلقين، ليس فقط دعم انتخابات مبكرة، في وقت لا يناسب نتنياهو، بل المس بفكرة الشراكة الطبيعية بين اليمين بزعامة نتنياهو من جهة والمتدينين الحريديم من جهة ثانية، بوصفها ارتباطاً عضوياً لا يقبل الانفصام، وفقاً لسردية اليمين الليبرالي بشكل عام، ونتنياهو بشكل خاص.

ولعل تأثير هذا الموقف يبقى مقيداً بحدود الواقع السياسي المعقّد، فالأحزاب الحريدية تريد إظهار أنها لم تتخلَّ عن مطلبها المركزي المتعلق بإعفاء طلاب المعاهد الدينية من التجنيد للخدمة الإلزامية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن البدائل خارج معسكر نتنياهو قد تكون أكثر صعوبة عليها.

لذلك، يحمل هجوم لاندو، بحسب بعض المقاربات، بعدين متوازيين: ضغط حقيقي على نتنياهو، ورسالة رمزية للجمهور الحريدي بأن القيادة الدينية والسياسية، المنتدبة في الكنيست، لم تصمت أمام فشل تمرير قانون التجنيد، وأنها حاولت ولم تفلح.

نتنياهو يستدعي البُعد الأمني

تُظهر مجمل التقارير والتعليقات أن نتنياهو يحاول منع حلّ الكنيست أو تأجيله إلى أبعد مدى ممكن، مستنداً، بحسب التقارير، إلى حجة أن "إسرائيل" ما زالت أمام ملفات أمنية كبرى في إيران ولبنان وغزة.

ويلاحظ أن هذا الخطاب لا ينفصل عن الحسابات الانتخابية؛ فاستحضار البُعد الأمني يمنح نتنياهو فرصة لتقديم نفسه بوصفه قائداً في زمن الحرب، كما يتيح له محاولة الذهاب إلى الانتخابات وهو يحمل "إنجازاً" عسكرياً أو سياسياً يعيد ترتيب جدول الأعمال لمصلحته، غير أن هذا المسار يعكس أيضاً نمطاً متكرراً في إدارة نتنياهو لأزماته الداخلية، وخصوصاً مع الحريديم، يتمثل في كسب الوقت، وأحياناً لضرورات أمنية فعلية، كما حصل قبل عملية "الأسد الصاعد" ضد إيران قبل يوم من تنفيذها، إذ هدد الحريديم بحل الحكومة، ثم تراجعوا بعد جلسة خاصة مع نتنياهو.

وكما جرى في أزمات سابقة، يتم استخدام الاعتبارات الأمنية والسياسية لتأجيل الحسم في قانون التجنيد، مع محاولة تمرير تشريعات يعتبرها الائتلاف أولوية، وفي مقدمتها ما يتعلق بالجهاز القضائي وصلاحيات المستشارة القانونية للحكومة.

 ترتيب البيت اليميني

إلى جانب أزمة الحريديم، ينشغل نتنياهو، كما في كل استحقاق انتخابي، بترتيب معسكره اليميني، ولا سيما فيما يتصل بالتيار الصهيوني – الديني (بالأساس سموتريتش وبن غفير). القلق الأساسي يتمثل في احتمال ضياع أصوات بسبب عدم تجاوز بعض أحزاب اليمين الصهيوني الديني نسبة الحسم (3.25% من إجمالي أصوات الناخبين الصحيحة)، ولا سيما تأرجح حزب "الصهيونية الدينية" بزعامة وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش. لذلك، تُطرح خيارات عدة، بينها دمج شخصيات من الحزب في قائمة الليكود أو تشكيل تحالفات يمينية جديدة، في ظل رفض زعيم حزب "قوة يهودية" إيتمار بن غفير (حتى الساعة) تجديد التحالف مع سموتريتش.

رفْض بن غفير هذا يزيد تعقيد المشهد بالنسبة إلى نتنياهو الذي يواجه أيضاً أزمة عدم تسييل "إنجازاته العسكرية" التي يدعيها في مختلف الجبهات في زيادة شعبية حزبه في استطلاعات الرأي، ويواجه أيضاً احتمال دخول الانتخابات بمعسكر يميني مفكّك. وفي النظام الانتخابي النسبي، قد يكون ضياع بضعة مقاعد كافياً لمنع تشكيل حكومة لاحقة حتى لو بقي الليكود متربعاً على عرش لقب الحزب الأكبر.

تحالف الحريديم مع نتنياهو

التحالف بين نتنياهو والأحزاب الحريدية له جذور أيديولوجية ومصلحية في آن، وكان طوال أكثر من عقد ونصف عقد أحد أعمدة معسكر اليمين الحاكم بزعامة نتنياهو، فقد وفر نتنياهو للحريديم حماية للوضع الديني القائم وميزانيات ومكانة مؤثرة في الحكم، بينما منحوه في المقابل أماناً ائتلافياً وكتلة برلمانية منضبطة ووفية، وخصوصاً في ذروة أزماته السياسية والقضائية.

لكن قانون التجنيد ظل نقطة الضعف البنيوية في هذا التحالف؛ فمنذ إبطال "قانون طال" عام 2012، عجزت حكومات نتنياهو عن إنتاج صيغة متوازنة ترضي المحكمة العليا من جهة، وترسّخ -قانونياً- في الوقت نفسه إعفاء طلاب المعاهد الدينية – التوراتية من الخدمة الإلزامية أسوة ببقية شرائح المجتمع الإسرائيلي. واليوم، تعود القضية ذاتها لتهدد استقرار الائتلاف من الداخل، كما فعلت في أزمات سابقة.

مع ذلك، لا يعني التوتر الحالي بالضرورة نهاية التحالف الحريدي - الليكودي، فالأحزاب الحريدية قد تهاجم نتنياهو وتدفع نحو انتخابات مبكرة، لكنها لا تملك بديلاً سياسياً مريحاً داخل المعسكر المناهض له، وخصوصاً في ظل مواقف شخصيات معارضة لنتنياهو ذات ميول يمينية، مثل ليبرمان ولابيد وبينيت، من قضية التجنيد. لذلك، قد يكون ما يجري أقرب إلى إعادة تفاوض قاسية داخل المعسكر نفسه وخطوة مرحلية لتحسين الشروط المستقبلية وتحديد سقف لها، لا إلى طلاق سياسي نهائي.

اقرأ أيضاً: "إسرائيل" على عتبة معركة انتخابية: نتنياهو بين ارتدادات الحرب وتحديات الداخل

اخترنا لك