انتخابات كنيست الاحتلال 2026.. على ماذا يتنافس نتنياهو وآيزنكوت؟
"إسرائيل" تدخل انتخابات 2026 وسط تحولات أمنية واجتماعية وسياسية عميقة، مع تراجع صورة نتنياهو وصعود غادي آيزنكوت في استطلاعات الرأي. وبين الأمن والعلاقات الخارجية وتجنيد الحريديم وغلاء المعيشة والانقسام الداخلي، يتحول الاستحقاق إلى اختبار لمستقبل النظام والمجتمع الإسرائيليين.
-
بين نتنياهو وآيزنكوت.. الانتخابات التي قد تعيد رسم "إسرائيل"
تتجه "إسرائيل" إلى انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، في استحقاق يصعب التعامل معه بوصفه جولة انتخابية إسرائيلية تقليدية. للمرة الأولى منذ عملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، سيكون الإسرائيليون أمام صناديق الاقتراع، بعد نحو ثلاثة أعوام أعادت خلالها الحرب رسم صورة "إسرائيل" داخلياً وإقليمياً، وفتحت أسئلة غير مسبوقة بشأن الأمن والجيش والحكومة والعلاقات الخارجية ومستقبل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
وإذا كانت خمس جولات انتخابية أُجريت بين عامي 2019 و2022 قد دارت، إلى حد بعيد، حول شخص بنيامين نتنياهو، بين معسكر يريد استمراره وآخر يريد إبعاده، فإن انتخابات 2026 تضيف إلى هذا الانقسام سؤالاً أكثر ثقلاً: من يتحمل مسؤولية ما جرى في 7 أكتوبر؟ ومن يستطيع إقناع الإسرائيليين بأنه قادر على منع تكراره؟
في انتخابات عام 2022، خاض نتنياهو المعركة بوصفه صاحب الخبرة الأمنية والسياسية، وعاد إلى السلطة على رأس كتلة يمينية - دينية حصلت على 64 مقعداً، مستفيداً أيضاً من تشتت خصومه وسقوط أصوات معسكر الوسط واليسار تحت العتبة الانتخابية. أما اليوم، فيدخل الانتخابات من موقع مختلف كلياً، بعدما أصاب 7 أكتوبر واحدة من أبرز ركائز صورته السياسية: صورة "السيد أمن". وتشير "رويترز" إلى أن الهجوم والحروب التي تلته في غزة ولبنان وإيران أضعفت هذه الصورة، فيما تظهر استطلاعات الرأي تراجع الليكود من 32 مقعداً حصل عليها في انتخابات 2022 إلى نحو 20-23 مقعداً في عدد من الاستطلاعات الحالية.
7 أكتوبر يدخل صندوق الاقتراع
لن يكون 7 أكتوبر مجرد حدث في خلفية الانتخابات، بل أحد أبرز ميادينها. فالخلاف لم يعد يتعلق فقط بكيفية إدارة الحرب التي أعقبت الهجوم، بل يعود إلى ما قبله أيضاً: ماذا كانت تعرف الحكومة؟ وما التحذيرات التي وصلتها؟ ومن تجاهلها؟ ولماذا لم تُمنع العملية؟
وهنا يمكن فهم أهمية المعلومات والتسريبات التي بدأت تظهر تباعاً في الإعلام الإسرائيلي مع احتدام الحملة الانتخابية.
مع احتدام الحملة الانتخابية، بدأت المعلومات والتسريبات تظهر تباعاً في الإعلام الإسرائيلي، بحيث أنّ كل معسكر يبحث في السنوات التي سبقت 7 أكتوبر وفي الساعات التي سبقته وتلته عن معلومة يمكن تحويلها إلى سلاح ضد خصمه. ولا تدور المعركة فقط حول الوقائع، بل حول الرواية التي ستترسخ لدى الناخب الإسرائيلي عن المسؤول عن أكبر إخفاق أمني شهدته "إسرائيل".
أحدث هذه الملفات وأكثرها حساسية تقرير صحيفة "هآرتس"، الذي تحدث عن أن رئيس الإمارات محمد بن زايد أبلغ نتنياهو، قبل نحو عشرة أيام من 7 أكتوبر، أن رئيس حركة حماس في قطاع غزة آنذاك يحيى السنوار يخطط لعملية كبيرة. وبحسب ما نُشر، فإن نتنياهو تعامل مع التحذير بهدوء، وقال إن "إسرائيل" مستعدة لأي سيناريو، مرجحاً أن يأتي الخطر من الضفة الغربية. مكتب نتنياهو نفى الرواية بالكامل، وقال إنه لم يتحدث مع الرئيس الإماراتي في الفترة المذكورة ولم يتلقَّ منه أي تحذير.
لكن توقيت الكشف منح خصوم نتنياهو مادة انتخابية شديدة الحساسية. غادي آيزنكوت اتهمه بتجاهل تحذيرات سبقت 7 أكتوبر، فيما قال نفتالي بينيت إن نتنياهو يتحمل "مسؤولية شخصية ومباشرة" عن الإخفاق. وأصدر عدد من زعماء المعارضة بياناً مشتركاً طالبوا فيه بكشف ما كان يعرفه رئيس الحكومة ومتى عرفه.
وقد ظهرت أيضاً مؤشرات إلى أن الحملة ستكون شديدة القسوة على المستوى الشخصي، من استخدام الليكود مواد دعائية مولّدة بالذكاء الاصطناعي ضد آيزنكوت، إلى اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية والمعرفة المسبقة بأحداث 7 أكتوبر.
آيزنكوت.. الجنرال في مواجهة نتنياهو
في قلب هذا المشهد برز اسم رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت، الذي يتزعم حزب "يشار"، بوصفه أبرز المنافسين الحاليين لنتنياهو.
والمفارقة أن صعود آيزنكوت نفسه يعكس طبيعة الانتخابات الجديدة. ففي انتخابات ما بعد 7 أكتوبر، يحتاج من يريد منافسة نتنياهو إلى تقديم أوراق اعتماد أمنية، لا سياسية فقط. وآيزنكوت، بصفته رئيساً سابقاً للأركان وعضواً سابقاً في مجلس الحرب، ونجله قُتل أثناء قتاله في قطاع غزة، يستطيع مخاطبة الناخب الإسرائيلي من داخل المؤسسة العسكرية، ومنافسة نتنياهو تحديداً على المساحة التي بنى الأخير جزءاً كبيراً من صورته السياسية عليها.
وتظهر الاستطلاعات تغيراً واضحاً في موازين القوى. استطلاع لقناة "كان" نُشر في 7 أيلول/سبتمبر منح "يشار" بزعامة آيزنكوت 23 مقعداً مقابل 20 لليكود، وأظهر تقدم آيزنكوت على نتنياهو في سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة بنسبة 38% مقابل 35%. كما أعطى 62% من المستطلعين تقييماً سلبياً لأداء نتنياهو صباح 7 أكتوبر.
وفي استطلاع آخر نشرته "معاريف" في 8 أيلول/سبتمبر، ظهرت للمرة الأولى إمكانية نظرية لوصول كتلة يقودها آيزنكوت إلى 61 مقعداً من دون الاعتماد على الأحزاب العربية، في مقابل تراجع كتلة نتنياهو إلى 47 مقعداً في ذلك السيناريو. لكن هذه الأرقام تبقى متقلبة، ولا تعني أن طريق آيزنكوت إلى تشكيل الحكومة أصبح مضموناً، ولا سيما في ظل تعدد الأحزاب وتبدل موقع القوائم الصغيرة حول العتبة الانتخابية البالغة 3.25%.
وهنا تظهر مرة أخرى ذاكرة انتخابات 2022. يومها استفاد نتنياهو من توحيد جزء كبير من اليمين، مقابل تشتت خصومه. ولذلك يدفع اليوم بقوة نحو منع ضياع أصوات اليمين تحت العتبة الانتخابية، محذراً حلفاءه من أن الانقسام قد يكلفهم السلطة. وفي المقابل، لا يزال معسكره نفسه موزعاً بين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وقوى يمينية جديدة، بينها حزب الجنرال السابق عوفر فينتر.
الأمن.. ولكن أي أمن؟
تقليدياً، كان السؤال الأمني يصب غالباً في مصلحة اليمين الإسرائيلي. لكن انتخابات 2026 تجعل المعادلة أكثر تعقيداً، لأن النقاش أصبح حول كفاءة المؤسسة السياسية في توفير الأمن أساساً. لأنّه صحيح أنّ الحروب التي أعقبت 7 أكتوبر وسعت رقعة المواجهة من غزة إلى لبنان وإيران وسوريا والبحر الأحمر، وأظهرت قدرة عسكرية إسرائيلية على تنفيذ عمليات واسعة، لكنها في المقابل لم تُنهِ لدى جزء من الإسرائيليين الشعور بانعدام الأمان.
وفي استطلاع أجراه "معهد دراسات الأمن القومي" في حزيران/يونيو، رأى 81% أن الوضع الأمني القائم في الشمال لا يوفر الأمن للسكان، فيما لم يعتبر سوى 15% أن "إسرائيل" خرجت منتصرة من الحرب على إيران؛ وقال 37% إن إيران انتصرت، و43% إن الحرب انتهت من دون حسم. كما أظهر الاستطلاع أن الثقة بالحكومة بلغت 25% فقط، مقابل 73% قالوا إن ثقتهم بها منخفضة.
وبالتالي يستطيع نتنياهو أن يعرض إنجازات عسكرية وعمليات نفذتها حكومته في ساحات متعددة، لكن خصومه سيحاولون تحويل النقاش من السؤال التكتيكي: "من ضرب أكثر؟"، إلى السؤال الاستراتيجي: "هل أصبحت إسرائيل أكثر أمناً؟". وهذا تحديداً أحد الخطوط التي يعمل عليها آيزنكوت، الذي يحاول القول إن التفوق العسكري لم يُترجم إلى نتائج سياسية واستراتيجية مستدامة.
العلاقات الخارجية تدخل المعركة
تبقى العلاقة مع الولايات المتحدة الركيزة الأساسية في السياسة الإسرائيلية، إلا أن السنوات التي تلت 7 أكتوبر أظهرت أيضاً حدود استقلال القرار الإسرائيلي أمام واشنطن، بالتوازي مع تصاعد الضغوط الدولية والعزلة الناتجة من الحرب في غزة وسياسات الحكومة في الضفة الغربية.
وأشارت تقديرات إسرائيلية إلى تراجع واضح في نظرة الجمهور إلى مستوى التزام واشنطن بالمصالح الإسرائيلية. ففي استطلاع "معهد دراسات الأمن القومي" في حزيران/يونيو 2026، قال 12% فقط إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ملتزم بدرجة كبيرة بحماية المصالح الأمنية الإسرائيلية.
لذا، سيحاول نتنياهو، كما فعل في حملات انتخابية سابقة، تقديم خبرته في التعامل مع واشنطن والدول العربية بوصفها ميزة انتخابية. لكن خصومه يستطيعون في المقابل استخدام العزلة الخارجية والضغوط الأميركية نفسها كدليل على أن سياساته أضعفت الموقع الدولي لـ"إسرائيل".
الحرب لم تُلغِ الانقسام الداخلي
ورغم حضور الأمن، تكشف استطلاعات الرأي أن الناخب الإسرائيلي لا يدخل الانتخابات بعقلية الحرب وحدها. فاستطلاع لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي أظهر تقارب خمسة ملفات في أهميتها لدى اليهود عند اختيار الحزب: إعادة الأسرى، وأحداث 7 أكتوبر، وقانون تجنيد الحريديم، وغلاء المعيشة، والتعديلات القضائية، وتراوحت نسبة من اعتبر كل واحد منها العامل الأهم بين 16 و18%. أما لدى الفلسطينيين في الداخل، فجاء غلاء المعيشة بفارق كبير في المرتبة الأولى.
وهذا يعني أن الانقسامات التي كانت قائمة عشية 7 أكتوبر لم تختفِ، بل عادت بعد الحرب بصورة أكثر تعقيداً. فأزمة "الإصلاح القضائي"، التي دفعت مئات الآلاف إلى التظاهر ضد حكومة نتنياهو في عام 2023، لا تزال حاضرة. وكذلك الخلاف بشأن إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، الذي أصبح أكثر حساسية بعد سنوات من الحرب واستدعاء الاحتياط وسقوط قتلى في صفوف الجيش.
وأشارت استطلاعات إسرائيلية إلى أن غالبية واضحة تعتقد أن توسيع إعفاء الحريديم من الخدمة سيضر بدافعية الإسرائيليين للخدمة العسكرية. بالنسبة إلى نتنياهو، تتحول المسألة إلى مأزق انتخابي، لأنّه من جهة هو يحتاج إلى الأحزاب الحريدية لتشكيل ائتلاف، لكنه يخاطر في الوقت نفسه بخسارة أصوات من اليمين ومن عائلات جنود الاحتياط التي ترى أنها تحملت عبئاً غير متكافئ منذ 7 أكتوبر.
معركة الـ61 مقعداً
ليس بالضرورة، بأنّ يشير تصدّر حزبٍ ما استطلاعات الرأي إلى أن زعيمه سيكون رئيس الحكومة المقبل. فالنظام السياسي الإسرائيلي يجعل القدرة على بناء ائتلاف من 61 نائباً أكثر أهمية من هوية الحزب الأكبر. وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط ضعف المعسكرين: استطلاع "كان" الأخير منح كتلة نتنياهو 56 مقعداً مقابل 55 لكتلة آيزنكوت، أي إن كليهما بقي دون الأغلبية المطلوبة، فيما أظهر استطلاع آخر لـ"معاريف" سيناريو مختلفاً يمنح معسكر آيزنكوت للمرة الأولى 61 مقعداً من دون الأحزاب العربية. ما يعني أن مقعداً أو حزباً صغيراً ينجح في تجاوز العتبة الانتخابية أو يفشل في ذلك، قد يكون كافياً لقلب النتيجة كلها.
ولذلك لا يخوض نتنياهو معركته ضد آيزنكوت وحده، بل ضد تشتت أصوات اليمين أيضاً، وهو ما دفعه إلى الضغط على الأحزاب الصغيرة من أجل الاندماج وتجنب ضياع أصواتها تحت نسبة الحسم البالغة 3.25%.
انتخابات على "العقد الاجتماعي"
يمكن اعتبار الانتخابات المرتقبة، أنّها ستكوت على شكل المجتمع الإسرائيلي بعد ثلاث سنوات من الحرب: من يخدم في الجيش ومن لا يخدم؟ من يتحمل كلفة الحرب اقتصادياً؟ ما حدود نفوذ الأحزاب الدينية؟ ما موقع المحكمة والقضاء أمام الحكومة؟ وما مقدار الثقة الذي بقي للمؤسسات السياسية؟
في استطلاع لـ"معهد دراسات الأمن القومي" في أيار/مايو، قال 63% إن التضامن داخل المجتمع الإسرائيلي معدوم أو موجود بدرجة محدودة، في مؤشر إلى أن الوحدة التي ظهرت في الأسابيع الأولى بعد 7 أكتوبر لم تُنهِ الاستقطاب الداخلي. أما غلاء المعيشة والاقتصاد فيشكّلان ضغطاً آخر على الأحزاب، وخصوصاً لدى الطبقات التي لا تنظر إلى السياسة الخارجية والأمن بوصفهما القضية الوحيدة التي تحدد تصويتها.
وعليه، تبدو انتخابات 2026 أقرب إلى اختبار شامل للمشهد الإسرائيلي بعد سنوات من الحرب والأزمات، لا إلى منافسة تقليدية بين أحزاب ومرشحين. فالناخب الإسرائيلي سيصوّت هذه المرة على صورة "إسرائيل" التي يريدها في المرحلة المقبلة: على مفهوم الأمن، وشكل العلاقة بين الجيش والمجتمع، وحدود نفوذ القوى الدينية، ومستقبل القضاء، والقدرة على ترميم العلاقات الخارجية والاقتصاد والثقة بالمؤسسات. وبين نتنياهو الذي يحاول تحويل خبرته الطويلة وإنجازاته العسكرية إلى رصيد انتخابي، وآيزنكوت وخصوم آخرين يسعون إلى تقديم أنفسهم بوصفهم بديلاً قادراً على إعادة بناء ما تصدّع، تبقى المعركة مفتوحة على سؤال يتجاوز هوية رئيس الحكومة المقبل: أي "إسرائيل" ستخرج من صناديق الاقتراع؟