بريطانيا تقاطع المستوطنات... أين تقف تداعيات سياسات الاستيطان؟
يفتح القرار البريطاني بمقاطعة المستوطات الإسرائيلية في الضفة الغربية المجال لبداية التحوّل في طبيعة العلاقة بين الاحتلال الإسرائيلي والمجتمع الدولي عموماً، وأوروبا تحديداً، وهذا التحوّل له الكثير من الأسباب أهمها؛ حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وتحوّلات الرأي العام الغربي تجاه الاحتلال الإسرائيلي.
-
بريطانيا تقاطع المستوطنات... أين تقف تداعيات سياسات الاستيطان؟
نقلت حكومة رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، في 8 أيلول/سبتمبر 2026، موقف لندن من الاستيطان الإسرائيلي خطوةً أبعد من الإدانات الدبلوماسية، بإعلانها حزمة إجراءات تستهدف العلاقات الاقتصادية مع "المستوطنات غير القانونية" في كلّ من الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وتشمل الحزمة حظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات، ومنع الشركات البريطانية من تقديم بعض الخدمات المرتبطة بها، وحظر الإعلان أو الترويج داخل بريطانيا للأراضي والعقارات الاستيطانية. كما تعتزم الحكومة استحداث صلاحيات لمعاقبة أفراد وشركات يسهّلون النشاط الاستيطاني أو يدعمونه أو يستفيدون منه.
وعلى الرغم من أنّ بعض هذه التدابير يحتاج إلى تشريع وإجراءات تنفيذية لاحقة، ما يعني أنّ الإعلان ليس، في جميع أجزائه، حظراً نافذاً فوراً، وعلى الرغم، أيضاً، من كونه يستهدف المستوطنات تحديداً، لا التجارة مع "إسرائيل" ضمن حدود ما قبل عام 1967، إلا أنّ "إسرائيل" رأت فيه خطوةً عدائيةً لها، وردّت بإعلان إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، ووقف مشاركة لندن في بعثة التنسيق الأميركية الخاصة بغزة وبرنامج تدريب أجهزة السلطة الفلسطينية، ومنع 12 بريطانياً، بينهم مسؤولون وسياسيون، من الدخول.
ما دلالات قرار الحكومة البريطانية بحظر واردات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية؟ وإلى أي مدى يمكن لبريطانيا أن تذهب بعيداً في تنفيذ هذا القرار؟
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) September 9, 2026
مدير مكتب #الميادين في بريطانيا موسى سرور pic.twitter.com/I75xZSpoWu
من الإدانة إلى الإجراءات
منذ احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية عام 1967، استقر الموقف الدولي على رفض الاستيطان قانونياً من دون أن يترجم هذا الرفض، في معظم الأحيان، إلى عقوبات اقتصادية.
تنص المادة 49 من "اتفاقية جنيف الرابعة" على "حظر نقل قوة الاحتلال أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها". وفي عام 2016 أكد قرار مجلس الأمن رقم 2334 أنّ المستوطنات "ليس لها شرعية قانونية"، ودعا الدول إلى التمييز في تعاملاتها بين "أراضي إسرائيل" والأراضي المحتلة منذ عام 1967.
واعتاد الاتحاد الأوروبي هذا التمييز عبر سياسة وسم منتجات المستوطنات، وعدم معاملتها بوصفها "منتجات إسرائيلية خالصة". إلا أنّ السياسة الأوروبية ظلت، لسنوات، في نطاق الفصل القانوني والإداري أكثر منها في نطاق الحظر والعقوبات.
وهنا تكمن أهمية الخطوة البريطانية، في التحوّل من إعلان الموقف إلى استخدام أدوات في مواجهته. فبدلاً من الاكتفاء بعدم الاعتراف بالاستيطان، تحرّكت لندن، للمرة الأولى، نحو تقييد الاستفادة الاقتصادية منه. وبذلك تنتقل السياسة البريطانية، ولو جزئياً، من إدارة الخلاف دبلوماسياً إلى تحميل النشاط الاستيطاني كلفة عملية.
أسباب التحوّل في السلوك البريطاني؟
تتداخل عدة عوامل في تكوين الأسباب الدافعة بالحكومة البريطانية لاتخاذ القرار المذكور، من القانون الدولي، إلى حرب غزة، وتسارع الاستيطان، وتغيّر البيئة السياسية الداخلية في بريطانيا نفسها.
وأول هذه العوامل كان الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024، الذي خلص إلى أنّ "استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني"، وطالب بإنهائه بأسرع وقت ممكن، كما شدّد على مسؤولية الدول عن عدم تقديم المساعدة التي تسهم في استمرار الوضع غير القانوني.
وفّر هذا الرأي أرضية أكثر صلابة للانتقال من "عدم الاعتراف" بالمستوطنات إلى الحدّ من العلاقات التجارية المرتبطة بها.
أما العامل الثاني فهو حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش الغربي. إذ استخدمت منظمات مثل "العفو الدولية"، إضافة إلى جهات أممية وحقوقية، توصيف الإبادة الجماعية في تقييمها للاعتداءات الإسرائيلية في غزة، فيما لم تصدر محكمة العدل الدولية حتى الآن حكماً نهائياً في أصل دعوى جنوب أفريقيا.
كما أعادت الحرب، على المستوى السياسي، إحياء النقاش حول "حلّ الدولتين"، وبالتالي أعادت الاستيطان إلى الواجهة باعتباره أحد أبرز العوائق أمام قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
والعامل الثالث هو تسارع الاستيطان في عهد الحكومة الإسرائيلية اليمينية، فوفق بيانات "السلام الآن"، دُفعت خلال عام 2025 مخططات لعشرات آلاف الوحدات، إلى جانب مناقصات ومصادقات على مستوطنات وبؤر جديدة.
كما يبرز مشروع "E1" بصفته أحد أكثر الملفات حساسية، ففي آب/أغسطس 2026 فُتحت مناقصة لـ1,234 وحدة ضمن مخطط أوسع يشمل 3,401 وحدة، بين القدس الشرقية المحتلة ومستوطنة "معاليه أدوميم"، ويُنظر إليه باعتباره قادراً على تعميق فصل القدس عن محيطها الفلسطيني وإضعاف التواصل بين شمال الضفة وجنوبها.
أما العامل الرابع فهو تحوّلات الداخل البريطاني، ففي انتخابات 2024 خسر "حزب العمال" خمس دوائر لمصلحة مرشحين مستقلين مؤيّدين لفلسطين، كما تراجعت أصواته بقوة في دوائر أخرى. وترافق ذلك مع اتساع الاحتجاجات الطلابية والنقابية وتحرّكات منظمات المجتمع المدني. كما أظهرت استطلاعات YouGov ارتفاع نسبة البريطانيين الذين يتعاطفون مع الفلسطينيين مقارنة بمن يتعاطفون مع الإسرائيليين.
وكان رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، قد دعا قبل توليه رئاسة الحكومة إلى مزيد من الضغط على "إسرائيل" ووقف التعامل مع اقتصاد المستوطنات.
كيف تستخدم حكومة الاحتلال المستوطنين كأداة لقضم الأرض الفلسطينية والسيطرة عليها؟
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) September 5, 2026
محلل الشؤون السياسية والإقليمية ناصر اللحام#الميادين pic.twitter.com/o4uLn2FCsg
تحوّل يتجاوز بريطانيا
ليست المملكة المتحدة وحيدة في توجّهاتها المتبدّية من قرارها الأخير، إذ أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الثلاثاء الفائت، عزم بلاده بدء إجراءات لحظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في"ظلّ تصاعد عنف المستوطنين"، محذراً من أنّ هذه الممارسات تقوّض "فرص التوصّل إلى حلّ الدولتين".
كما اتخذت إيرلندا وإسبانيا وهولندا والنرويج وبلجيكا خطوات متفاوتة تجاه منتجات المستوطنات أو "المستوطنين المتورّطين في أعمال عنف"، كما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بعنف المستوطنين.
وفي أيلول/سبتمبر، الجاري، أعلنت مجموعة من الدول الأوروبية والغربية نيتها فرض أو دراسة قيود إضافية على التجارة المرتبطة بالمستوطنات، ورغم أنّ ذلك قد لا يعني وجود سياسة أوروبية موحّدة بعد، لكنه يشير إلى انتقال تدريجي من لغة الإدانة العامة إلى أدوات أكثر تحديداً.
أما في الولايات المتحدة، فتظهر استطلاعات الرأي تحوّلاً أوضح مقارنة بمرحلة ما قبل حرب غزة. ووفق مركز Pew، ارتفعت نسبة الأميركيين ذوي النظرة السلبية إلى "إسرائيل" من 42% عام 2022، إلى 60% في ربيع 2026.
كما انعكس هذا التحوّل داخل الحزب الديمقراطي خصوصاً، حيث باتت المواقف الأكثر انتقاداً للحكومة الإسرائيلية أكثر حضوراً بين الشباب والمرشحين التقدّميين، كما بدأت أصوات في اليمين الأميركي تعارض استمرار الانخراط العسكري والمالي غير المشروط.
الضفة الغربية: أيّ تداعيات لحركة الاستيطان؟
في الوقت الذي يعكس القرار البريطاني تحوّلاً خارجياً فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، فإنّ الضفة الغربية المحتلة تشهد في الوقت نفسه تصعيداً داخلياً متراكماً. إذ تشمل الضغوط اليومية مصادرة الأراضي، وهدم المنازل، وتهجير التجمّعات الفلسطينية، وتوسع البؤر الاستيطانية، إضافةً إلى عنف المستوطنين، والحواجز، والاقتحامات والاعتقالات. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى ارتفاع كبير في اعتداءات المستوطنين خلال عام 2026، مع نزوح آلاف الفلسطينيين نتيجة الهدم والقيود والعنف.
وفي الوقت نفسه، تعاني السلطة الفلسطينية من أزمة مالية وسياسية متفاقمة، مع تراجع الثقة بالمسار التفاوضي، وتزايد القناعة بأنّ التوسّع الاستيطاني يجعل "حلّ الدولتين" أكثر صعوبة.
ترفع هذه العوامل من احتمالات انفجار واسع، رغم العوامل التي قد تؤخّره، ومنها القبضة الأمنية الإسرائيلية، والانقسام الفلسطيني، والإرهاق الاجتماعي، وضعف البنية التنظيمية القادرة على تحويل الاحتقان إلى حركة سياسية واسعة.
لكنّ استمرار الجمع بين التوسّع الاستيطاني، والضمّ الزاحف، وعنف المستوطنين، وانسداد الأفق السياسي يزيد احتمالات تحوّل الاحتكاكات المحلية إلى موجة احتجاج ومواجهة أوسع مع الاحتلال.