بالذات والمشروع والثورة.. هكذا نُبصر القائد
إذا كان "الإبصار" هنا يتجاوز رؤية العين إلى رؤية المعنى والأثر، فإن القائد الشهيد يُقرأ بوصفه صورةً انعكست فيها ذواتنا، ومشروعاً تجسدت فيه ثورةٌ وأمة، وأثراً امتدّ إلى ما بعد رحيله.
-
بالذات والمشروع والثورة... هكذا نُبصر القائد
ساعةٌ ونصف استغرق الطريق من الجنوب حتى بيروت، حين أُعلن خبر استشهاده، إذ كان علينا مواكبة تغطية العدوان في مكتب العمل، ومضاعفتُها، لتنتقل أخبارنا جميعها فتصير تحت المسمّى الأثقل: "استشهاد القائد الأممي السيد علي خامنئي".
في طريقي إليه - أي إلى تغطية استشهاده، إذ كل طريق نحو شهادتِه طريقٌ إليه - استذكرتُ قول أحد العلماء فيه حينَ أقدَم نحوه: "أشرقت الشمس"، ولا أخفي أنني لم أستطع - بكل ما في ذاك اليوم من ظلام - أن أصنّف اسم السيد بمنأى عن الشمس. لم أستطع أن أبصر عمامته بمنأى عن العشق حد الشهادة، والموت في سبيل ذاك العشق. لم أستطع بكل ما في طريق الـ 28 من شباط/ فبراير من ثقل، أن أزيح عن رأسي صورته وهو يبتسم، وصوته حين قال: "أحببتكم ولم أركم".
"هكذا نُبصر القائد"
غالباً، قادكَ عنوان النص لقراءة المكتوب، إذ كيف "نُبصر" بأعيننا ثورةً مثله، وأمّةً كاملة متمثّلةً في جسد؟
هناك طريقتان للحديث عن السيد الشهيد علي خامنئي، موجزة ومسهبة.
أما الموجزة - والإيجاز في شخصيته إجحاف - فهو رجل خرج من مدارس مشهد الدينية إلى ساحات الثورة، فحمل رايتها منذ بداياتها، وتحمّل لأجلها الاعتقال والصعاب أعواماً طويلة، قبل أن يشهد انتصارها ويصعد في مواقع المسؤولية من رئاسة الجمهورية إلى قيادة الثورة والجمهورية الإسلامية. عقود طوال أمضاها في قلب السياسة والصراع والتحولات الكبرى التي شهدتها إيران والمنطقة، حتى استُشهد في مقر عمله من جراء عدوان صهيوني في شباط/ فبراير الماضي. واليوم، يُحمل على أكتاف مودّعيه في واحدة من أكبر مراسم التشييع في التاريخ المعاصر - إن لم تكن أكبرها - عائداً إلى مشهد التي وُلد فيها عام 1939، ليُختتم فصلٌ من سيرة رجلٍ طبع تاريخ إيران الحديث لعقود.
وإذا أردتَ الإسهاب، فدونكَ المكتوب:
إن الحديث عن تشييع القائد الشهيد، يتجاوز كونه رثاءً لشخصية، بل يمتدّ ليصير تفكيكاً لحدث استراتيجي تتلاقى فيه عظمة التاريخ الذي خلّفه السيد وراءه، وتتجلى فيه استثنائيّةُ القائد حتى بعدَ بلوغِه الموت، وتتفرّع منه دلالات تتلاقى فيها مراحل جديدة من الصراع في المنطقة والتوازنات في العالم، خاصة بعد أن راهن البيت الأبيض على تفكيك النظام في إيران وإسقاطه، وها هو اليوم يرى كيف تجمّع ثوّار العالم حول جنازة واحدة لم يستطع المحور الصهيو-أميركي إسقاطها في حياتها قط، ولن يمتلك القدرة على فعل ذلك في موتها أبداً.
وإذا كان "الإبصار" المقصود هنا لا يعني رؤية العين المجرّدة، وإنما يمتد نحو رؤية المعنى والأثر والامتداد، فإن الحديث عن القائد الشهيد لا يمكن أن يُختصر في سيرةٍ شخصية أو تسلسلٍ زمني للأحداث، ذلك أن الرجل الذي أبصرناه لم يكن فرداً فحسب، بل كان صورةً انعكست فيها ذواتنا، ومشروعاً تجسدت فيه ثورةٌ وأمة، وأثراً تجاوز حدود حياته إلى ما بعدها.
ومن هنا، يمكن مقاربة هذا "الإبصار" من 3 أبواب:
-أولاً: إبصار النفس في القائد، أي الذاتية
-ثانياً: إبصار الثورة في القائد، أي المشروع
-ثالثاً: إبصار القائد في حضوره بعد استشهاده، أي الأثر والامتداد
الذات: عن "إبصار" النفس في القائد
عن شخصية القائد المكيث
لا عجب أن تستحضر قوى التحرر والثوار في أنحاء العالم سيرة القائد، وهي سيرة تتجاوز ما يمكن أن يختصره إيجاز أو تحيط به صفحات معدودة، بعدما تناولتها كتبٌ وشهاداتٌ وأبحاثٌ وثّقت محطاتٍ ممتدة من حياته ومسيرته. غير أن ما يعنينا هنا ليس استعراض التواريخ أو إعادة سرد المحطات، وإنما إعادة بلورة "إبصارنا" لأثرها في واقع اليوم، من لحظة استشهاده في الـ 28 من شباط/ فبراير وحتى اللحظة.
لقد قاد السيد الشهيد الجمهورية الإسلامية في إيران في مرحلة كانت المنطقة خلالها غارقة في حقول من ألغام معقدة، من حصار اقتصادي خانق، إلى حروب إقليمية، وصولاً إلى الاعتداءات المباشرة التي قادتها قوى الاستكبار في العالم ضد طهران، وتمثّلات الإجرام الصهيوني في البلاد.
وفي خضم هذه التحولات، سعت طهران إلى تجاوز تداعيات الضغوط الخارجية والتدخلات الدولية، لترسّخ حضور الجمهورية بوصفها لاعباً رئيساً في معادلات المنطقة، وصاحبة تأثيرٍ لا يمكن تجاوزه في الملفات الممتدة من الخليج الفارسي حتى شرق البحر المتوسط.
عن شخصية القائد الذي يشبه العامّة
وفي ظل هذا كله، كنّا "نبصر" أنفسنا في شخصِ القائد، في بيته المتمثل في أرقى أشكال الزهد والورع، في خطاباته ولكنته العربية، في حضوره وهو يصرخ بـ "لا". كان يُبصَر في جنوب لبنان، وفي فلسطين، وكانت النفس الثورية تُبصَر من خلاله، والنفس الزاهدة تُرى من طريقة عيشه.
كان يشبه عيون الثكالى والمجاهدين والصامدين على خطوط التماس في جبهات القتال، وكان انعكاساً لثورة إسلامية ممتدة على مدار نحو نصف قرن بعد أعوام عجاف. كذلك، كان تمثّلاً لحياة عنوانها الزهد والبساطة المطلقة في بيت وملبس وطعام متواضع، وعلى هذا قال: "لقد قضيت طفولتي في عسرة شديدة، خصوصاً أنَّها كانت مقارنة لأيام الحرب، وعلى الرغم من أنَّ مشهد (المدينة) كانت خارجة عن حدود الحرب، وكان كلُّ شيء فيها أكثر وفوراً وأقل سعراً نسبة إلى سائر مدن البلاد، إلا أن وضعنا المادي كان بحيث لم نكن نتمكّن من أكل خبز الحنطة، وكنا عادة نأكل خبز الشعير".
وأضاف سماحته، نقلاً عن موقعه الرسمي: "أتذكّر بعض ليالي طفولتي حيث لم يكن في البيت شيء نأكله للعشاء، فكانت والدتي تأخذ النقود الّتي كانت جدتي تعطيها لي أو لأحد إخواني أو أخواتي أحياناً وتشتري بها الحليب أو الزبيب لنأكله مع الخبز، لقد كانت مساحة بيتنا الّذي ولدت وقضيت حوالى 5 سنوات من عمري فيه بين 60 - 70 متراً في حيّ فقير بمشهد وفيه غرفة واحدة وسردابٌ مُظلم وضيّق".
كان السيد الشهيد يُبصَر في هذا كله، ويُري العالم كيف تستطيع أعظم القيادات أن تتشكل من أزهَد الأماكن وأبسطها، حتى تنعكس تعقيداً مطلقاً على أعدائها، ورحمةً مضاعفةً على أصحابها. وعليه، صار السيد القائد المكيث، يشبه الأمة، يشبه الثورة، ويشبه كل من أراد السير على نهجه إيماناً بهذا المسار.
المشروع: عن إبصار الأمة في القائد
كان القائد الشهيد يُبصَر امتداداً لمسارٍ ثوري انخرط فيه منذ أعوامٍ طويلة، لا رجلاً في موقع المسؤولية فحسب، إذ حمَل الأمة في مساره حتى غدت ترى في خطابه ومواقفه طريقاً للثبات والمواجهة. مسارٌ قام على مواجهة الهيمنة، وبناء حضورٍ إقليمي فاعل، والحفاظ على موقعٍ ثابت في مواجهة أعتى القوى العسكرية والسياسية في العالم وأكثرها عنجهية وإجراماً.
ولعلّ ما ميّز القائد الأممي الشهيد أن حضوره لم يكن مرتبطاً بوجوده الجسدي فحسب، إذ يكفي أن يُبصَر الأثر حتى يُستدلّ على صاحبه. لذلك، أُبصِر مشروعه في جنوب لبنان، وفي قطاع غزة، وفي روح المقاومة التي تشكلت على امتداد المنطقة، وفي معادلات الردع التي رسمت حضورها في مواجهة الاحتلال. فكان "إبصار" الثورة فيه نابعاً من تفاصيل مسيرة عكست قدرة هذا المشروع على الاستمرار، وتثبيت موقعه في معادلات المنطقة رغم مختلف الضغوط والتهديدات.
ومن هنا، أُبصِر مشروع السيد الشهيد بوصفه امتداداً للمشروع النهضوي الذي أطلقه الإمام الخميني مع انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، فذلك الانتصار لم يكن سوى بداية المسار الأولى ضمن مراحل متتابعة تهدف إلى بناء نموذج سياسي وحضاري متكامل.
5 مراحل مترابطة في المشروع
وبهذا المعنى، رأى السيد علي خامنئي أن الثورة الإسلامية مسار ممتد يمرّ بـ 5 مراحل مترابطة: تبدأ بالنهضة الإسلامية، أي إسقاط النظام السابق وإطلاق حركة التغيير، ثم إقامة النظام الإسلامي بوصفه الإطار السياسي والدستوري الجديد القائم على مرجعية الدين ومشاركة الشعب، تليها مرحلة بناء الدولة الإسلامية عبر تحويل المبادئ إلى مؤسسات وإدارة عملية تقوم على العدالة وخدمة الناس ومواجهة الفساد، وهي المرحلة التي رأى أنها لا تزال في طور الإنجاز.
أما المرحلة الـ 4 فهي تأسيس المجتمع الإسلامي، حيث تتحول القيم والمبادئ إلى نمط حياةٍ اجتماعي قائم على العدالة والاستقلال والتقدم، وصولاً إلى المرحلة الـ 5: بناء الحضارة الإسلامية، بوصفها الأفق الأوسع للمشروع، حيث تتجاوز الثورة حدود الدولة لتصبح تجربةً ذات امتداد حضاري.
الأثر والامتداد: عن إبصار المستقبل بعد شهادة القائد
أما وقد استُشهد القائد، فإن إبصار الذات والمشروع بات منخرطاً بإبصار المستقبل بعد شهادته، هذا وقد اجتمع ثوار العالم في تشييعه، فانكشفت مساحة هذا الحضور والالتفاف حوله على نحوٍ أوسع، إذ استُكمل مسار المشروع الثوري، ما ظهر في حجم الالتفاف الشعبي، وفي قدرة المؤسسات على استكمال المسار، وفي حضورٍ مليوني رأى في رحيله امتداداً لمشروعٍ يرتبط بفكرة ومسار، لا بفردٍ واحد.
هذا وأن الأثر الحقيقي للقادة يُقاس في لحظة ما بما بقي حاضراً بعد غيابهم، فإن مشهد التشييع صار مساحةً لإبصار ما بعد استشهاد القائد: إبصار قدرة المشروع على الاستمرار، وإبصار الأفكار حين تتحول من تجربة شخص إلى ذاكرة جماعية وهوية سياسية وثقافية.
وعليه، تحوّل الغياب هنا إلى حضورٍ مكثّف، فالقائد الأممي الذي كان يُبصَر في مواقفه وخطاباته ومسيرته، صار يُبصَر في الحشود التي حملت ذكراه، وفي المؤسسات التي واصلت عملها، وفي الجمهورية الثابتة، وفي الأسئلة الكبرى التي تركها رحيله حول مستقبل المنطقة ومسارات الصراع فيها، ما يعني أن سيرةً فردية واحدة، تجاوزت حدود الزمان والمكان، وامتدت نحو كونها أثراً مستداماً في تاريخ التصدي للهيمنة والاستكبار العالمي.
هكذا نُبصر القائد
ومن الإنسان (الذات) إلى الفكرة (المشروع) حتى خلود المسار (الأثر والامتداد)، أبصرنا القائد.
لا يمكن النظر إلى قائد بهذا الحجم بعيداً عن هذه الأبواب الـ 3، والقدرة على التكامل المعرفيّ بين الذات والمشروع والأثر الممتد مُذ بدأت الثورة حتى الاستشهاد وما بعده، وهذا ما كان في شخصِ القائد، وسيبقى بعد استشهاده، باعتباره مساراً متكاملاً يتخطى حدود الوجود الجسدي، نحو ما هو أكبر روحياً ومعنوياً ومعرفياً.
القائد الأممي السيد الشهيد علي خامنئي، مسار مستدام من الإنسان الساعي نحو الكمال في مشروع إسلامي محمّدي متكامل، سعياً لامتداد الأثر في قلوب الأجيال الآنية والمقبلة، لتحمل في وعيها نهجاً واحداً مُستمَداً منه، وتخوض بذلك غمار المشروع عينه، وتتوسع به أكثر، لتصل إلى نقطة الكمال التي سعى إليها القائد، والتي ستظل رسالته ممتدةً فيها بعد استشهاده.
وعليه، فإن الإيجاز، والإسهاب كذلك، لا يمكن أن يفي قائداً مثله حقّه، ولكنّ المسارات المقبلة للجمهورية الإسلامية، أياً كانت تشعباتها، فستكون استكمالاً لأثرٍ خطّه الشهيد، وظِلاً لمشروعٍ قاده الشهيد، وامتداداً لأثرٍ لا يمكن لأحدٍ أن يتركه إلا الشهيد.