الحرب على فنزويلا: ميزان القوى ومحاكمة مادورو وملف النفط
أفضى التصعيد العسكري الأميركي في البحر الكاريبي منذ منتصف آب/أغسطس الماضي إلى تغيّر في ميزان القوى بين الولايات المتحدة وفنزويلا، بعدما انتقل الضغط من العقوبات التقليدية إلى أدوات ميدانية تمسّ حركة النفط والسيادة مباشرة. واليوم باتت واشنطن تعتمد ورقتين متداخلتين: اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو الذي تحوّل إلى عنصر ابتزاز سياسي، إلى جانب الحصار البحري وما يرتبط به من ضغط نفطي. وبالمقابل، أعادت كاراكاس ضبط الداخل على قاعدة الانضباط والاستمرارية والتعبئة، ما جعل الصراع يدخل مرحلة أكثر حدة وأقل قابلية للإدارة بالأساليب المعتادة.
-
الحرب على فنزويلا: ميزان القوى ومحاكمة مادورو وملف النفط
كانت مسارات التعامل الأميركي مع فنزويلا قبل التصعيد العسكري تقتصر على العقوبات والحصار الاقتصادي ومصادرة الأصول، والتدخل لمحاولة فرض تغيير سياسي داخلي يواكبه فرض رئيس مثل غوايدو وغونزاليس، ومحاولات الاغتيال وإثارة الفوضى عبر مرتزقة وجنود أميركيين متسللين، ودفع الحلفاء الإقليميين لفنزويلا، خاصة البرازيل وكولومبيا والمكسيك، إلى الضغط على كاراكاس لتشديد عزلتها السياسية في إقليم أغلب حكومات دوله يمينية معادية للحكومة البوليفارية في فنزويلا.
ميزان القوى قبل وبعد التصعيد العسكري
كانت واشنطن قبل التصعيد العسكري تتمتع بمشروعية دولية كبيرة في ما تتخذه من إجراءات ضمن هذه المسارات، وكانت تنال دعم سائر الدول التي تدور في فلكها، لكنها كانت مع ذلك تفتقر إلى أدوات أو أوراق تغيِّر فعلاً المعادلة القائمة بأن تُحدث التحوّل المرغوب داخل فنزويلا.
فعقد ونصف من الحصار الاقتصادي لم يثمر شيئاً إلا أزمات تقابلها مقاومة عنيدة من قطاعات واسعة من الشعب الفنزويلي وتعزيز علاقات فنزويلا بدول مثل الصين وروسيا وإيران، بينما فشلت كل محاولات التغيير السياسي والاغتيال والفوضى، في حين لم يكن الضغط الحاصل على كاراكاس من جانب حلفائها الإقليميين على المستوى المطلوب أميركياً، وقد استطاعت الدولة الفنزويلية تجاوز الحصار الإقليمي من العواصم الموالية لواشنطن من خلال تعدد الشراكات الدولية.
لكن التصعيد العسكري الجاري أضاف في البداية إلى مسارات الولايات المتحدة مع فنزويلا مسار الحصار البحري على صادرات النفط والقرصنة، وأضاف في الثالث من كانون الأول/ديسمبر الجاري ورقة الرئيس مادورو وزوجته المخطوفين لديها، وأضاف هذا الخميس ورقة النفط المرتبطة على نحو وثيق بمسار الحصار البحري والقرصنة.
ومع ذلك، فقدت الولايات المتحدة اليوم جزء ليس بصغير من المشروعية الدولية مع اختطافها الرئيس مادورو، ما دفع الكثيرين إلى الاعتراف بسقوط ما يسمى "القانون الدولي"، حتى إن إدارة ترامب أعلنت الخميس خروجها من عدد من المنظمات الدولية بعضها تابع للأمم المتحدة.
وفقدت الولايات المتحدة أيضاً جزء كبير من نفوذها لدى قطاعات من المعارضة الفنزويلية مع اتجاه هؤلاء إلى رفض العدوان على بلدهم والاصطفاف الوطني، وفقدت القدرة على خلق حالة فوضى داخل البلد كما يتضح حتى الآن في كل المدن الفنزويلية، كما فقدت جزء من نفوذها الإقليمي بخصوص قضية فنزويلا في البرازيل وكولومبيا والمكسيك، بينما مازالت تحوذ نفوذاً قوياً في دول موالية مثل الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي وبيرو وغيرها.
وبالمقابل، كانت فنزويلا قبل التصعيد العسكري تُدير صراعها مع واشنطن من موقع دفاعي صبور، تحمي الدولة تماسكها الداخلي، وتُقلّص تكلفة العقوبات بالالتفاف التجاري والمالي، وتُراكم شبكات دعم خارجية تُبقيها صامدة لكن لا تمنحها بالضرورة قدرةً على نقل المعركة إلى خارج حدودها أو قلب شروطها.
وكان سقف كاراكاس في تلك المرحلة هو "النجاة السياسية" وتثبيت مؤسسات الحكم ومنع الانهيار، وليس فرض وقائع جديدة على المسرحين المحلي والإقليمي. ورغم أن هذا السقف بدا متواضعاً في نظر خصومها، إلا أنه أثبت على المدى الطويل قدرة النظام البوليفاري على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج شرعيته عبر خطاب سيادي وانفاق اجتماعي وبناء اقتصاد حرب يتأقلم مع النقص والتهريب والبدائل.
لكن التصعيد العسكري غيّر طبيعة موقف فنزويلا واستجابتها لإجراءات الولايات المتحدة بحقها. فحين تنتقل واشنطن من الضغط الاقتصادي "المُقنّن" إلى أدوات أقرب إلى الإكراه الصريح، جرائم حرب وحصار بحري وقرصنة وترويج لشرعية ذلك كله باسم "مكافحة المخدرات"، تتحول الأزمة داخل فنزويلا من نقاش حول الأداء الاقتصادي والانتخابات إلى مسألة سيادة وطنية وكرامة.
وهنا تحديداً تحوّل المجتمع الفنزويلي مباشرة إلى التعبئة العسكرية من خلال الجيش والشرطة والميليشيا الوطنية التي تضم 8 ملايين متطوع، ونتيجة لذلك اكتسبت السلطة نقطة قوة لا تولد من كفاءتها، وإنما من حدة التهديد الخارجي نفسه، لأن العدوان يضغط المعارضة نحو خيارين قاسيين: إما الالتحاق بالاصطفاف الوطني، أو الظهور كأداة مكشوفة في يد القوة المعتدية.
ومع العملية العسكرية التي أفضت إلى اختطاف الولايات المتحدة للرئيس مادورو تحوّل المشهد برمته لينتج إعادة ترتيب للمجال العام داخل فنزويلا. فالتوتر العسكري خلق انضباطاً داخل الدولة، ومنح الأجهزة مساحة أوسع للسيطرة على الإيقاع الأمني، وخفض هامش المناورة أمام الفاعلين الذين راهنوا على "انفلات داخلي" أو شرخ في المؤسسة العسكرية.
ولم تتفكك بنية السلطة ولم تنقسم، فالرئيسة رودريغز حلّت محل مادورو بكل يسر كما ينص الدستور، وقد عُقدت جلسة تنصيب الجمعية الوطنية (البرلمان) للفترة التشريعية 2026-2031 وسط إجماع النوّاب والرئيسة والحكومة على موقف واحد: الإفراج عن الرئيس الشرعي مادورو وسيليا زوجته وإنهاء العدوان العسكري على فنزويلا. وعلاوة على ذلك، لم يتحوّل الشارع إلى منصة لاستعراض القوة الأميركية عبر فوضى واسعة؛ وهذا تحديداً ما كانت واشنطن تُراهن على حدوثه لتبرير انتقالها من الحصار إلى "إدارة ما بعد الحصار".
الجديد اليوم بالنسبة للولايات المتحدة هو ورقة الرئيس مادورو وزوجته المخطوفين لديها، إلى جانب مسار الحصار البحري والقرصنة مع الضغط على الحكومة الفنزويلية لتقديم تنازلات للشركات الأميركية في ملف النفط. هذه الورقة وهذا المسار هما عماد الموقف الأميركي اليوم من فنزويلا، وهما إضافة إلى نقاط واشنطن في ميزان القوى.
والجدير ذكره هنا، أن تصريحات ترامب بخصوص العلاقة الجيدة بين إدارته والرئيس رودريغيز والحكومة الفنزويلية هي محض ضجيج إعلامي، إذ بات من الواضح، حتّى في يوم عملية اختطاف الرئيس، أن الحكومة الفنزويلية متمسكة بمسار الثورة البوليفارية، وأن فنزويلا "لن تكون مستعمرة لأحد" وأن "لا رئيس لهذه البلاد سوى مادورو" كما صرّحت رودريغيز بصيغ مختلفة مراراً. إذن، السؤالين المطروحين الآن هما: أي مسار ستتخذه محاكمة مادورو؟ وكيف ستتعامل كاراكاس مع ضغوطات واشنطن في ملف الحصار البحري والنفط؟
محاكمة مادورو
في الثالث من كانون الثاني/يناير الجاري تحوّل ملف فنزويلا من ضغط سياسي واقتصادي إلى سابقة سيادية بعد العملية العسكرية الأميركية التي أفضت إلى خطف الرئيس مادورو وزوجته سيليا ونقلهما إلى نيويورك. ولا تتعلق المسألة في جوهرها بمتهمين داخل نظام قضائي، وإنما برأس دولة في منصبه جرى التعامل معه كغنيمة حرب تُستخدم لإعادة تشكيل ميزان القوى: تُخضعه واشنطن لإجراءات محكمة فيدرالية وتُلوّح بلائحة اتهام "مخدرات/إرهاب" لتثبيت روايتها، وتُراهن على أن صورة الرئيس المكبل ومحاكمته ستُكسر هيبة الدولة وتفتح باب التنازلات السياسية والنفطية.
وبعد يومين مَثُل مادورو أمام قاضٍ في المحكمة الفيدرالية في مانهاتن، ورفض في الجلسة التهم الموجهة إليه ودفع ببراءته، وعرّف نفسه بصفته "رئيس فنزويلا" مؤكداً أنه "اختُطف من منزله"، واصفاً نفسه بأنه "أسير حرب". وبحسب ما نُقل، رفض أن تُقرأ عليه لائحة الاتهام وطلب الاطلاع عليها بنفسه، في موقف يرمي إلى نزع الشرعية السياسية عن المحاكمة قبل تفاصيلها القانونية. والقاضي حدّد جلسة لاحقة في 17 آذار/مارس المقبل، فيما اختار محامي مادورو، باري بولاك، عدم طلب الإفراج بكفالة في هذه المرحلة على اعتبار أن أي نقاش حول كفالة قد يُفهم كإقرار ضمني بشرعية الولاية القضائية الأميركية.
وجاء ملف سيليا فلوريس موازياً لكنه أكثر حساسية من ناحية الصورة الإنسانية والسياسية معاً. فمحاميها أشار إلى إصابات تعرضت لها خلال عملية الخطف، بينها كدمات شديدة أو كسر في الأضلاع، مع حاجة إلى فحص طبي عاجل، فيما قيل إن مادورو يعاني مشكلات صحية تتطلب عناية طبية. وهذه التفاصيل، بغض النظر عن مسار إثباتها، تضيف طبقة جديدة للصراع: واشنطن تحاول تقديم القضية باعتبارها "إنفاذ قانون"، بينما تُحوّلها كاراكاس إلى سردية "اختطاف وتعذيب وابتزاز" تتجاوز شخص مادورو إلى فكرة السيادة نفسها.
المعركة الحقيقية الآن هي الحصانة السيادية وحدود الولاية القضائية الأميركية. فالدفاع مرشح لأن يبني موقفه على أن مادورو، بصفته رئيساً في منصبه خُطف بعمل عسكري خارج أي تفويض دولي، يتمتع بحصانة شخصية تمنع انعقاد اختصاص محكمة أجنبية عليه، وأن أي محاولة لانتزاع هذه الحصانة عبر "إنكار الصفة" ليست قاعدة قانونية، وإنما قرار سياسي يُحوّل الاعتراف الدبلوماسي إلى أداة لكسر السيادة. وبالمقابل، سوف يسعى الادعاء إلى تثبيت رواية معاكسة: أن القضية "جنائية" وأن واشنطن لا تعترف بشرعية مادورو، وأن الحصانة ليست حقاً ثابتاً وإنما امتيازاً مرتبطاً بمن تُقرّ الولايات المتحدة وحلفائها أنه الرئيس.
وبين هذين المسارين ستتكدس طعون إجرائية حول قانونية القبض والنقل، وظروف الاحتجاز، والوضع الصحي لمادورو وزوجته، واحتمال الدفع بتأجيلات ومذكرات مطوّلة قبل جلسة 17 آذار/مارس. وعليه، تبدو المحاكمة أقرب إلى اختبار سياسي-قانوني لمبدأ السيادة ومحاولة إعادة تعريف من يملك حق المحاسبة في النظام الدولي، ومن يقرر من هو "الرئيس الشرعي" عندما تتعارض السيادة مع إرادة القوة. وسيتبين في الأسابيع التالية حتى الجلسة المقبلة ما إن كانت سنتجح واشنطن في الالتفاف عبر "إنكار الصفة" وربط الحصانة بالاعتراف السياسي، أم سيظل مادورو محمياً بحصانة رئيس دولة في منصبه.
الحصار البحري والنفط
ملف النفط هو القلب الحقيقي للتصعيد لأنه المجال الوحيد الذي قد يمكن لواشنطن عبره تحويل التفوق العسكري إلى "إدارة يومية" لاقتصاد بلدٍ كامل. فمنذ العملية التي تلتها تصريحات ترامب ووزرائه، لم تعد الحكاية عقوباتٍ تُضيّق وتراخيص تُمنح وتُسحب، وإنما محاولة انتقال إلى نموذج وصاية تشغيلية: السيطرة على مسار التصدير وقنوات البيع والعائدات.
حين يقول ترامب إن "السلطات الانتقالية" ستسلّم ما بين 30 و50 مليون برميل إلى الولايات المتحدة، وأنه سيتحكم شخصياً في "الأموال الناتجة عن البيع"، فالمقصود ليس صفقة تجارية، وإنما تأسيس قاعدة: فالمرجو أن يُباع "بسعر السوق" وتُنقل العائدات إلى حسابات مصرفية "خاضعة لسيطرة الحكومة الأميركية" كما أعلن وزير الطاقة كريس رايت، في صيغة تُحوّل مورد فنزويلا الرئيسي إلى صندوق بيد واشنطن، يُفتح ويُغلق وفقاً لشروطها السياسية.
ولكي تصبح هذه القاعدة قابلة للتنفيذ، جرى بناء ذراعين متكاملين. الذراع الأولى بحرية: خفر السواحل ووزارة الأمن الداخلي ووزارة الحرب يقدّمون عمليات التفتيش والإنزال والاحتجاز باعتبارها "إنفاذ قانون" ضد "أسطول ظل" و"نفط غير مشروع"، بينما يعلن بيت هيغسيث أن "حصار النفط الفنزويلي" ساري المفعول "في أي مكان في العالم".
وهنا تتجاوز واشنطن الكاريبي إلى شمال الأطلسي، وتُوسّع المعنى العملي للعقوبات إلى مصادرة فعلية وفرض مسارات إبحار قسرية، كما في ملاحقة "بيلا 1" المعروفة باسم "مارينيرا"، ومحاولة احتجاز ناقلات قيل إنها كانت قرب فنزويلا أو في طريقها إليها. ورد موسكو الذي يستند إلى مبدأ حرية الملاحة وحصرية ولاية دولة العلم، يكشف أن واشنطن لا تضغط على كاراكاس وحدها، وإنما تختبر حدود القانون البحري ذاته باعتباره "عائقاً" أمام سياسة الحصار.
والذراع الثانية مالية-سوقية: وزارة الطاقة تتحدث عن نقل النفط "عبر قنوات شرعية ومرخصة"، وعن رفعٍ "انتقائي" للعقوبات لتمكين بيع النفط، مع تدفق المذيبات الأميركية (الخام الخفيف) لخلط الخام الثقيل وتحسينه، والسماح بمعدات وقطع غيار وخدمات مختارة. وهذا يعتبر في الظاهر "تحديثاً"، لكن جوهره إعادة تشغيل القطاع بشرطين: أن تكون بوابة التسويق والتمويل والبنوك والشركات الوسيطة تحت إشراف واشنطن، وأن تُعاد هندسة سلاسل الإمداد بحيث يصبح النفط الفنزويلي رافعة لخفض الأسعار عالمياً كما قال ترامب، وورقة تفاوض تُستخدم ضد الصين عبر تحويل شحنات كانت متجهة إليها.
وبالمقابل، تبرز مفارقة مهمة: فرغم الحصار، تظهر مؤشرات على أن جزءاً من الصادرات يحاول الهروب عبر "أسطول الظل" باتجاه الصين، بينما تستأنف "شيفرون" التصدير بسلاسة نسبية، وتقول شركة النفط الوطنية الفنزويلية إنها تتفاوض على بيع الخام "وفق ترتيبات شرعية وشفافة ومنفعة متبادلة". وهذه تصريحات يمكن قرائتها كمحاولة لتقليص الذريعة التي تستخدمها واشنطن لتسويق الاحتجاز والتفتيش باعتبارهما "إنفاذ قانون". ومن المرجّح أن يأخذ ردّ كاراكاس خلال الأيام المقبلة شكل إدارة مزدوجة للمخاطر على النحو التالي:
أولاً، سوف تسعى إلى تثبيت خطاب قانوني وسيادي يربط الحصار البحري بالقرصنة وبالعدوان، ويُحوّل ملف النفط إلى قضية كرامة وطنية. وهذا يخدم هدفاً داخلياً مباشراً: حماية الاستقرار المالي والاجتماعي عبر تعبئة سياسية تُبرر التقشف الاضطراري وتُحمّل واشنطن تكلفة الأزمة أمام الرأي العام. ثانياً، ستتحرك عملياً على 3 مسارات متوازية: توسيع قاعدة المشترين غير الغربيين قدر الإمكان، وتكثيف ترتيبات المقايضة والبيع عبر وسطاء وشركات تجارة سلع وبنوك خارج المدار الأميركي، وتعظيم الاستفادة من أي نافذة "قانونية" مفتوحة لتقليل تراكم المخزون وتخفيف ضغط الموانئ والإنتاج.
أما ما سيحدث، فسيُقاس بمدى قدرة الولايات المتحدة على تحويل الحصار إلى منظومة ضبط عالمية لطرق الشحن والتأمين والتمويل. إن نجحت واشنطن في جعل أي ناقلة متجهة من فنزويلا أو إليها عرضة للتوقيف، فسوف تواجه كاراكاس خياراً قاسياً بين خفض الإنتاج لتفادي التراكم وبين المخاطرة بمواجهات بحرية متصاعدة قد تُفتح على اشتباك دولي أوسع مع قوى ترفض هذا التمدد.
وإن فشلت واشنطن في سد منافذ التهريب نحو آسيا، فستميل إلى توسيع تعريف "أسطول الظل" ورفع تكلفة التعامل مع الخام الفنزويلي عبر العقوبات الثانوية والضغط على شركات الوساطة والموانئ وشبكات التأمين. وفي الحالتين، يتضح أن المعركة ليست على برميل النفط فقط، وإنما على من يملك مفتاح الشرعية: كاراكاس تريد تجارة تُثبت السيادة وتُعيد للدولة حقها في البيع والتصرف بالعائدات، وواشنطن تريد تجارة تُثبت الوصاية بحيث يصبح النفط "مسموحاً" عندما يخدم هندسة انتقال سياسي واقتصادي ترسمه هي، و"ممنوعاً" عندما يُستخدم لتثبيت استقلال القرار في كاراكاس.
واشنطن وإدارة فنزويلا بالقوة: النفط، السيادة، ومحاكمة مادورو كأداة حصار
يكشف التصعيد الأميركي ضد فنزويلا في حصيلته النهائية أنه لم يعد مجرد سياسة عقوبات، وإنما محاولة انتقال إلى نموذج "إدارة بالقوة" يمزج بين الإكراه العسكري والابتزاز القضائي والوصاية على الموارد. فاختطاف الرئيس وزوجته ونقلهما إلى نيويورك، ثم تحويل محاكمتهما إلى منصة لتثبيت رواية "المخدرات/الإرهاب"، لم يكن حدثاً قانونياً بقدر ما كان خطوة لإعادة تعريف السيادة الفنزويلية بصفتها قابلة للمصادرة والتفاوض. وفي الوقت ذاته، جاء ملف النفط ليشكّل البنية التشغيلية لهذا المشروع: حصار بحري يتوسع عملياً وعمليات إنزال واحتجاز تُقدَّم باعتبارها "قانونية"، ثم مسار مالي-سوقي يهدف إلى التحكم بمبيعات الخام وبالعائدات عبر "قنوات مرخصة" وحسابات خاضعة لإشراف واشنطن.
لكن الصورة على الأرض لا تسير وفق السيناريو الأميركي المعلن، فداخل فنزويلا لم تنشأ الفوضى التي راهنت عليها واشنطن لتبرير "مرحلة ما بعد مادورو"، بل حدث العكس: انضباط مؤسساتي وتماسك سياسي حول الرئيسة بالوكالة والحكومة البوليفارية باعتبارها امتداداً دستورياً لا بديلاً سياسياً، وتعبئة شعبية ضخمة ومستمرة في الشارع أعادت ربط الأزمة بمعنى الكرامة والسيادة.
ومع ارتقاء ما يزيد على 100 فرد وفق ما أُعلن عنه رسمياً حتى أمس، وتزايد الحديث عن إصابات تعرض لها مادورو وزوجته خلال العملية، يتوسع الملف دبلوماسياً إلى اتهام مباشر بالعدوان وخرق القانون الدولي، وتتحول المحاكمة إلى صدام على الحصانة وحدود الولاية القضائية الأميركية.
وتبدو مطالب واشنطن كما يُنقل بقطع العلاقات الاقتصادية مع الصين وروسيا وإيران وكوبا، وبناء شراكة نفطية حصرية مع الولايات المتحدة، اعترافاً ضمنياً بأن الهدف لم يكن أبداً "الديمقراطية" ولا "مكافحة المخدرات"، وإنما إعادة هندسة تموضع فنزويلا الجيوسياسي عبر بوابة الطاقة. ومن هنا، فإن المعركة الجارية حتى جلسة محاكمة مادورو المقبلة ستدور، خلافاً لاحتمال التصعيد العسكري والاشتباك المباشر، حول سؤال واحد: هل تنجح واشنطن في تحويل الحصار إلى منظومة ضبط عالمية للشحن والتأمين والتمويل تجعل "الشرعية" مفهوماً أميركياً عملياً، أم ستستطيع كاراكاس مع حلفائها فتح منافذ بيع وتبادل تُبقي النفط مورداً سيادياً وتحوّل ورقة النفط ومحاكمة مادورو إلى عامل تعبئة يطيل أمد الصمود بدل كسر الدولة؟