اتحاد الشغل على حافة الانقسام: ماذا تعني استقالة نور الدين الطبوبي؟
تمثل استقالة الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، ذروة صراع داخلي عميق يعكس أزمة قيادة ورؤى داخل منظمة اعتادت احتواء خلافاتها. الأزمة تتجاوز الخلافات التقنية حول موعد المؤتمر، لتكشف صراعاً حول هوية الاتحاد ودوره في سياق سياسي واقتصادي ضاغط يحدّ من هامش الفعل النقابي. استقالة الطبوبي تحمل رسالة سياسية وتنظيمية عن انسداد أفق التوافق، وتفتح الباب أمام سيناريوهات غير مضمونة قد تشمل احتواء سريعاً أو تفككاً أوسع.
-
الأمين العام السابق للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي (أرشيف)
لم تكن استقالة الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، المودعة لدى الهيئة الإدارية، حدثاً عابراً في تاريخ منظمة اعتادت إدارة خلافاتها داخلياً. بل تمثل هذه الخطوة ذروة صراع داخلي طويل ظل لأشهر يتغذى على التناقضات التنظيمية وتباين الرؤى حول المستقبل، قبل أن ينفجر علناً ويكسر أحد أكثر المحرّمات داخل الاتحاد، وهو وحدة القيادة. على امتداد عقود، نجح الاتحاد في احتواء الانقسامات وتذويب الخلافات باسم "المصلحة العليا للمنظمة"، لكن المشهد الحالي يوحي بأن تلك القدرة التاريخية على التماسك تواجه اختباراً غير مسبوق.
جذور الأزمة: خلافات عميقة وصراع رؤى
رغم أن الأسباب المباشرة للأزمة قد تبدو تقنية، فإنها تخفي في عمقها صراعاً سياسياً وتنظيمياً حول هوية الاتحاد ودوره. فقد تمحورت الخلافات الأخيرة حول عدم التوافق بشأن موعد المؤتمر، بين من يطالب بالتعجيل به ومن يرى ضرورة تأجيله في ظل الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة. كما أن غياب أفق واضح للتجديد داخل القيادة غذّى شعوراً لدى بعض القيادات بأن المنظمة دخلت مرحلة من الجمود، إضافة إلى فتح احتمالات التغيير على كل المستويات، بما في ذلك تعديل التوازنات داخل المكتب التنفيذي أو تغيير القيادة.
وتتضافر هذه العوامل مع شعور متزايد داخل الاتحاد بأن القيادة محاصرة بين سلطة تغلق باب الحوار، وقاعدة اجتماعية مرهقة اقتصادياً، وسياق سياسي يحد من هامش الفعل النقابي. ويزيد ذلك الضغط على قدرة الاتحاد في الحفاظ على دوره التاريخي كوسيط فعال في المشهد الوطني، خصوصاً في مرحلة تتسم بالتحديات الاقتصادية الحادة، وارتفاع نسب البطالة والتضخم.
استقالة الطبوبي: رسالة سياسية وتنظيمية
لا يمكن قراءة استقالة الطبوبي كقرار فردي معزول، بل هي رسالة سياسية وتنظيمية في آن واحد. فهي تعكس انسداد أفق التوافق داخل أعلى هياكل القرار، وتفتح الباب أمام سيناريوهات غير مضمونة قد تتراوح بين احتواء الأزمة بسرعة أو الانزلاق نحو مزيد من التفكك. ويخشى مراقبون أن لا تكون هذه الاستقالة الأخيرة، في ظل الحديث عن استقالات محتملة أخرى، ما قد يعمّق الهشاشة الداخلية لمنظمة تُعدّ تاريخيًا أحد أعمدة التوازن في البلاد
وفق النظام الداخلي، تسلّم فاروق العياري، الأمين العام المساعد والمسؤول عن قسم النظام الداخلي، قيادة الاتحاد بالنيابة بعد استقالة الطبوبي. ويواجه العياري تحدياً مزدوجاً: إدارة المنظمة في مرحلة حرجة مع الحفاظ على وحدة الصف الداخلي، والتعامل مع الضغوط الخارجية من الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
وتتراوح السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة بين احتواء سريع للأزمة عبر عقد مؤتمر استثنائي للتوافق على قيادة جديدة، أو استمرار الاحتقان الداخلي الذي قد يؤدي إلى استقالات إضافية ويعطل نشاط الاتحاد، أو تحويل الأزمة إلى فرصة للتجديد تسمح بإعادة هيكلة المكتب التنفيذي وتحقيق توازن أفضل بين القيادات القديمة والجديدة. وتعتمد جميع هذه الاحتمالات على نجاح العياري في إدارة الانقسامات وكسب ثقة القواعد النقابية.
انعكاسات الأزمة على الدور الوطني للاتحاد
على المدى القريب والمتوسط، من المتوقع أن تؤثر هذه الأزمة على موقع الاتحاد في المشهد العام، إذ قد تُضعف الجبهة الداخلية في وقت يحتاج فيه الاتحاد إلى أعلى درجات التماسك. ضعف القيادة المركزية قد يقلل من قدرة المنظمة على الضغط في مواجهة السلطة، خاصة في ظل قطيعة شبه كاملة مع الحوار الاجتماعي.
كما قد تتأثر صورة الاتحاد لدى الرأي العام، بما في ذلك قدرة المنظمة على تنظيم الإضرابات العامة والدفاع عن مصالح العمال في القطاعين العام والخاص. وقد يُستغل هذا الواقع سياسياً لتعزيز خطاب تهميش الاتحاد أو تجاوزه في صنع القرارات الوطنية الكبرى.
ويجد أعضاء المكتب التنفيذي أنفسهم أمام مهمة معقدة لإدارة واحدة من أصعب الفترات في تاريخ الاتحاد، دون الوقوع في فخ الصدام الداخلي، ودون خسارة ما تبقى من ثقة القواعد النقابية والشارع التونسي. فالمطلوب اليوم ليس فقط سدّ فراغ القيادة، بل إعادة بناء حد أدنى من التوافق الداخلي، وتقديم رؤية واضحة لدور الاتحاد في مرحلة سياسية واجتماعية بالغة الحساسية.
وتُطرح استقالة نور الدين الطبوبي كسؤال مفتوح حول مستقبل اتحاد الشغل: هل ستُشكّل هذه الأزمة فرصة لمراجعة داخلية عميقة وتجديد حقيقي، أم أنها بداية مسار تآكل تدريجي لدور تاريخي لعبته المنظمة في حماية التوازنات الاجتماعية والسياسية في تونس؟ الإجابة لن تتوقف فقط على مصير الاستقالة، بل على قدرة الاتحاد كمنظمة على استعادة وحدته قبل أن يتحول الصراع الداخلي إلى عامل إضعاف دائم.
الاتحاد العام التونسي للشغل: ركيزة أساسية للتوازن الوطني
يبقى الاتحاد العام التونسي للشغل، رغم التحديات الداخلية والأزمات المتعاقبة، إحدى الركائز الأساسية للمشهد الاجتماعي والسياسي في تونس. فقد لعب تاريخياً دوراً محورياً في حماية حقوق العمال، وتحقيق التوازن بين السلطة والقوى الاجتماعية، والمساهمة في صياغة سياسات اقتصادية واجتماعية عادلة. وأي مسار مستقبلي للاتحاد لن يؤثر فقط على قواعده النقابية، بل سيمسّ قدرة تونس على الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والتوازن الديمقراطي، ما يجعل استعادة وحدته ومتانة قيادته أولوية وطنية لا تقل أهمية عن أي قرار سياسي أو اقتصادي.