إيران بين الاحتجاجات والإعلام الغربي: كيف تُصاغ صورة الأحداث؟

كيف تعاملت وسائل الإعلام الغربية مع أحداث الشغب الأخيرة في الداخل الإيراني؟

  • الاحتجاجات في إيران: قراءة في السردية الغربية
    الاحتجاجات في إيران: قراءة في السردية الغربية

منذ اندلاع الموجة الأخيرة من الاحتجاجات في إيران، لم يعد الحدث محصوراً في الشارع أو في الأبعاد المعيشية الضاغطة، بل انتقل سريعاً إلى ساحة أخرى أكثر حساسية: ساحة الإدراك العامّ. هنا، تحوّل الإعلام الغربي إلى طرف فاعل في إنتاج المعنى، وصناعة الانطباع، وبناء سردية سياسية تتجاوز حجم ما يجري على الأرض.

ما يُقدَّم اليوم، هو "لحظة إيرانية فاصلة"، حيث تُعاد صياغة الاحتجاج كعلامة انهيار، عوض أن تكون أزمة اجتماعية أو اقتصادية قابلة للاحتواء.

في جوهرها، بدأت الاحتجاجات الأخيرة على خلفيّة اقتصادية واضحة: انهيار متسارع في قيمة العملة، ارتفاع حادّ في الأسعار، وضغط معيشي. قرارات حكومية تتعلّق بإصلاحات مالية حسّاسة، شكّلت شرارة الاعتراض في أسواق وقطاعات محدّدة، ولا سيما في طهران. هذا السياق، الذي يُفترض أن يكون محور التغطية، جرى تجاوزه بسرعة في الإعلام الغربي، لصالح خطاب جاهز عن انتفاضة شاملة" و"نظام سيسقط".

الإعلام الغربي: من نقل الحدث إلى صناعته

في تغطيتها للاحتجاجات في إيران، قدّمت منصّات، ووسائل إعلام غربية كبرى، نموذجاً واضحاً لما يمكن وصفه بالتأطير المسبق للحدث. فالتقارير والعناوين ذهبت مبكراً نحو تصوير المشهد بوصفه لحظة مفصلية تهدّد استقرار النظام، مع استخدام لغة توحي بأنّ البلاد تقف على حافة تحوّل حاسم، وربط التحرّكات سريعاً بسردية أزمة شرعية سياسية. كما نشرت مزاعم عن هروب قيادات إيرانية، واستقدام قوات من العراق لقمع المتظاهرين.

التهويل بالأرقام والمقارنات

من جهتها، تحدّثت صحيفة "ذا صن" البريطانية، عن "سير ملايين المتظاهرين الغاضبين في شوارع طهران طوال ليلة واحدة"، وهو ادعاء لا ينسجم لا مع الكثافة السكانية للعاصمة ولا مع الواقع الميداني المعروف عن طبيعة الاحتجاجات، بل هو يهدف لتعزيز فكرة أنّ الدولة الإيرانية فقدت السيطرة الكاملة. فيما وبحسب "IntelOnIRan"، فإنّ العدد الأكبر من الناس الذين شاركوا في التظاهرات، كان يوم الخميس 8 كانون الثاني/يناير، حيث تمّ تقديرهم بنحو 12 ألف شخص.

وشبّه موقع "دايلي واير" الأميركي، الاحتجاجات الإيرانية، بما سبق سقوط الاتحاد السوفياتي، في مقارنة تاريخية انتقائية، وذلك بهدف جعل الناس تتقبّل فكرة "سقوط النظام الإيراني". بينما الحقيقة، فإنّ تظاهرات 2025-2026 لا تزال أقلّ حجماً من تلك التي كانت عام 2009، أو التي أعقبت وفاة مهسا أميني.

من الخبر إلى الحرب النفسية: استهداف صورة القيادة

في السياق ذاته، ذهبت صحيفة "واشنطن بوست" إلى استخدام توصيفات درامية من قبيل "النظام الإيراني عالق في دوامة موت"، وهي صيغة تعكس رأياً سياسياً لا وصفاً إخبارياً. وأثبتت الوقائع الميدانية أنّ النظام في إيران لا يزال يقود الشارع الإيراني ويسيطر فيه، تماماً كما قبل التظاهرات.

كما زعمت صحيفة "التايمز" البريطانية، أنّ قائد الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي "أعدّ خطة احتياطية للفرار من البلاد في حال فشل الأجهزة الأمنية في احتواء الاحتجاجات". وهي روايات من ضمن الأساليب التقليدية التي تهدف إلى بثّ الاحباط لدى الناس، وإيصال رسالة بأنّ رأس النظام فقد الثقة بنفسه وبمؤسساته.

ونقلت صحيفة "الغارديان" مزاعم حول مقتل العشرات، بينهم أطفال، من دون إرفاق هذه الادّعاءات بأيّ دلائل مستقلّة قابلة للتحقّق، كأسماء الضحايا، أو أماكن سقوطهم، أو تقارير طبية أو قضائية تؤكّد الرواية.

أما منظّمات حقوق الإنسان مثل "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش"، فكانت منحازة هذه المرّة أيضاً، وقالت إنّ هناك "حملة قمع دموية شاملة بدأت في 28 كانون الأول/ديسمبر". وذلك على الرغم من الخطابات المتكررة للمسؤولين الإيرانيين التي فرّقت بين المطالب المحقّة وأعمال الشغب والتخريب، وعلى الرغم من أنّ قوى الأمن الإيرانية تدخّلت بعد أيام، تحديداً في 4 كانون الثاني/يناير 2026، وذلك لاعتقال من يقود أحداث الشعب، وفق ما أكّده قائد في قوى الأمن الداخلي لوكالة أنباء "فارس".

وركّزت هذه الوسائل على البعد العاطفي والإنساني من خلال تقارير مصوّرة مكثّفة ومقاطع قصيرة بلا سياق زمني أو جغرافي واضح، بعضها ليس من إيران، والبعض الآخر يعود إلى أحداث سابقة، إضافة إلى ادّعائها مقتل أشخاص نفوا في اليوم التالي خبر وفاتهم، أو حتى مشاركتهم في التظاهرات.

وفي هذا السياق، لا يمكن التغاضي عمّا كشفه تحقيق لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، في 4 تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، عن أنّ "إسرائيل" شغّلت عملية تأثير سرّية باستخدام حسابات وهمية ومحتوى مُنشأ بالذكاء الاصطناعي للترويج لوليّ العهد الإيراني المنفي رضا بهلوي والدفع نحو إعادة النظام الشاهنشاهي.

وبرز أيضاً، اعتماد ملحوظ على مصادر من المعارضة الإيرانية في الخارج، ولا سيما ناشطين ومجموعات مقيمة في أوروبا والولايات المتحدة، وقد قُدّمت قراءاتهم في كثير من الأحيان بوصفها مرآة للشارع الإيراني من الداخل، من دون موازنة كافية مع أصوات محلية أو مقاربات اجتماعية واقتصادية بديلة تشرح تعقيدات الواقع الداخلي.

وفي السياق نفسه، ذهبت بعض وسائل الإعلام الغربية إلى معالجة الحدث من زاوية حقوقية صِرفة، وربطت الاحتجاجات بخطاب "الدولة القمعية"، مع إغفال شبه كامل لتأثير العقوبات الغربية على الاقتصاد الإيراني. كذلك،  استخدمت أحياناً توصيفات عامّة توحي باتساع الاضطرابات، في حين كانت تفاصيل النص تشير إلى تحرّكات متفرّقة ومحدودة النطاق في جغرافيا واسعة مثل إيران.

في المقابل، تجاهلت وسائل الإعلام الغربية، التظاهرات المؤيّدة والداعم لنظام الثورة الإسلامية في إيران، والأعداد الضخمة التي خرجت مندّدة بالشغب الحاصل ومجدّدةً الشرعية للنظام الحالي، في تحدٍّ واضح للتهديدات الخارجية، كما تجاهلت أيضاً الفيديوهات التي تظهر بالصوت والصورة تخريب الممتلكات وإطلاق النار الذي يستهدف العناصر الأمنية.

لماذا الآن؟ التوقيت الإقليمي وحرب نزع الشرعية

الجديد اليوم لا يكمن فقط في الاحتجاج ذاته، بل في البيئة الإقليمية والدولية التي يُعاد فيها توظيف الحدث. خصوصاً وأنّ إيران خارجة من عدوان الـ12 يوم قبل أشهر، في ظلّ ما تعيشه المنطقة من تحوّلات متسارعة، حروب مفتوحة، وتهاوٍ غير مسبوق لموازين القوة. في هذا الإطار، تصبح إيران هدفاً مركزياً في حرب إدراكية أوسع، لا تُدار فقط عبر العقوبات أو التهديدات العسكرية، بل عبر الصورة والوعي.

في خضمّ ذلك، يصعب عزل التغطية الإعلامية عن الخطاب السياسي الأميركي، تحديداً الدور الذي يؤدّيه دونالد ترامب. فتصريحاته ونبرته التصعيدية تؤدّي وظيفة ضمن منظومة تأثير ذهني، تعمل على رفع منسوب التوقّعات لدى المعارضة، وتكرّس صورة انقسام داخلي حادّ في إيران، وتسوّق فكرة أنّ انهيار طهران بات مسألة وقت.

توقيت هذا التصعيد ليس عابراً ضمن مسار "نزع الشرعية" تمهيداً لعمل أمني، عسكري ما. عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو شكّلت رسالة صادمة في لحظة إقليمية مضطربة بأنّ الولايات المتحدة مستعدّة لكسر قواعد كانت تُعدّ خطوطاً حمراً.

تمرّ إيران اليوم بمرحلة ضاغطة اقتصادياً واجتماعياً، ولا يمكن إنكار حجم التحدّيات المتراكمة، لكنّ تصويرها كدولة على شفير الانهيار يتجاهل عمداً حقائق أساسية تتصل بطبيعة النظام وبنية الدولة والمجتمع، فالمجتمع الإيراني ليس كتلة واحدة متجانسة، بل نسيج معقّد يضمّ فئات اجتماعية وطبقية وثقافية متباينة، تشترك جميعها في تجربة تاريخية طويلة مع الضغوط الخارجية.

وما تشهده، ليس أزمة داخلية معزولة ولا انهياراً سياسياً، بل فصل جديد في صراع بدأ منذ العام 1979، وتأجّج بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. ومنذ ذلك الحين، تُستثمر كلّ حركة داخلية، مهما كانت أسبابها، كفرصة لإعادة إحياء مشروع إسقاط النظام.

اقرأ أيضاً: من انقلاب 1953 إلى الـ2025: كيف فشلت محاولات واشنطن لإسقاط إيران؟

"إسرائيل" تشن عدواناً على الجمهورية الإسلامية في إيران فجر الجمعة 13 حزيران/يونيو يستهدف منشآت نووية وقادة عسكريين، إيران ترد بإطلاق مئات المسيرات والصواريخ التي تستهدف مطارات الاحتلال ومنشآته العسكرية.

اخترنا لك