"أرامكو" في قلب حرب الطاقة
يفتح الاستهداف الجديد لـ"أرامكو" اليوم، المجال مجدداً، أمام السؤال حول الثمن الذي تدفعه المؤسسة النفطية، التي تشكل عماد الاقتصاد السعودي، من جراء حرب الطاقة في المنطقة، وحول أثر ذلك الثمن في اقتصاد الطاقة في العالم.
-
"أرامكو" في قلب حرب الطاقة
أعاد الدخان والحريق اللذان شوهدا قرب منشأة لـ"أرامكو" في الرياض، اليوم السبت 3 تشرين الأول/أكتوبر 2026، السؤال عن حدود تحمّل العملاق النفطي تبعات الحرب. نقلت وكالة "رويترز" المشاهد من دون تأكيد سعودي أو تعليق فوري من الشركة، فيما أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، مسؤولية بلاده عن العملية.
لكن توقيت الواقعة، وسط الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، وتصاعد المواجهة السعودية مع اليمن، يضاعف حساسيتها. فيما يتوقف انتقال أي حادث إلى أزمة اقتصادية سعودية أو صدمة عالمية على 4 عناصر: موقع الإصابة في سلسلة الإمداد، وحجم التعطّل، ومدته، وإمكان تعويض الكميات. فضرر خزان منتجات يختلف عن تعطيل معالجة الخام أو منفذ تصديره.
مشاهد تظهر الحريق في مصفاة "أرامكو" في الرياض.#الميادين pic.twitter.com/iTTAckkdTI
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) October 3, 2026
أرامكو: ركيزة الاقتصاد السعودي والطاقة العالمية
بدأت "أرامكو" بامتياز نفطي عام 1933م، قبل أن يتم اكتشاف النفط التجاري في بئر الدمام عام 1938م. حملت الشركة اسم "أرامكو" عام 1944م، وانتقلت ملكيتها كاملة إلى الدولة السعودية عام 1980م، قبل تأسيس "أرامكو السعودية" عام 1988م وطرح أسهمها للتداول عام 2019م.
وهذا المسار حوّلها من شركة امتياز إلى ركيزة مالية وإنتاجية للدولة.
حتى نهاية حزيران/يونيو 2026، بلغت الملكية الحكومية المباشرة 81.48%، مقابل 16% لشركات تابعة لصندوق الاستثمارات العامة. وتصل عائدات النشاط إلى الدولة عبر الضرائب والتوزيعات، فيما تدعم أرباح حصص الصندوق قدرته الاستثمارية. وبذلك يرتبط أمن الإمدادات بتمويل الموازنة ومشروعات التحول الاقتصادي.
سجّلت الشركة صافي ربح غير معدّل قدره 65.2 مليار دولار للنصف الأول، مقابل 48.7 ملياراً في الفترة نفسها من 2025، وأعلنت توزيعات أساسية للربع الثاني تبلغ 21.9 ملياراً لجميع المساهمين، لا للخزانة وحدها.
اقتصادياً، يقلّص فقدان الصادرات تدفقات النقد الأجنبي، ويضغط على موارد الإنفاق، بينما يتحدد الأثر النهائي بالكميات والأسعار والتوزيعات الفعلية. لذلك، لا يكفي ضرب البراميل المتوقفة بسعر النفط لاستخراج خسارة الخزانة.
عالمياً، تحتفظ أرامكو بطاقة قصوى مستدامة للخام تبلغ 12 مليون برميل يومياً؛ وهي غير الإنتاج الفعلي، أو الطاقة الاحتياطية القابلة للتصدير فوراً. وبلغ إنتاجها الإجمالي من الهيدروكربونات في الربع الثاني 9.46 ملايين برميل مكافئ نفطي يومياً، مقابل 12.78 مليوناً قبل عام. ومع ذلك، ارتفعت أرباح النصف الأول، مع ارتفاع أسعار الخام المحققة. وتبرز هنا مفارقة الأزمة: قد يعوّض السعر الأعلى بعض خسارة الكميات، لكنه لا يزيل أضرار البنية التحتية. ويتطلّب تعويض الخام توافق نوعيته مع احتياجات المصافي، وتوفر التكرير والتخزين والناقلات، لا مجرد آبار تستطيع زيادة الضخ.
القوات المسلحة اليمنية.. استهداف أرامكو في ينبع وقاعدة خميس مشيط الجوية بعشرات الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) September 17, 2026
تقرير: أحمد زبيبة #الميادين pic.twitter.com/P4GENLvHEw
سجل الاستهداف: تفاوت الأضرار والتعطّل
تكشف سوابق الاستهدافات تباين النتائج.
تم توثيق 8 عمليات على الأقل أصابت منشآت مباشرة لـ"أرامكو" بين 2006م واليوم، من دون اعتبارها حصيلة تاريخية شاملة. بعضها أشعل خزانات أو عطّل النقل والتكرير؛ أما محاولة بقيق الفاشلة عام 2006م، والهجوم الإلكتروني عام 2012م، فلهما تصنيف منفصل. وفي الحالة الإلكترونية، أعلنت الشركة استمرار الإنتاج والتوزيع رغم تضرّر أنظمة الحواسيب. ولا تُجمع مع هذه الوقائع الصيانة المجدولة أو تخفيضات "أوبك+"؛ فالأولى توقف مخطط، والثانية قرار إنتاجي، لا دليلاً على عطب.
يبقى هجوم بقيق وخريص، في 14 أيلول/سبتمبر 2019. المعيار الأثقل: فقد أوقف مبدئياً 5.7 ملايين برميل يومياً، وأغلق برنت يوم 16 أيلول/سبتمبر مرتفعاً 14.6%. تبنّت القوات المسلحة اليمنية العملية، واتهمت واشنطن إيران التي نفت. استعانت السعودية بالمخزون وبدائل الخام للمحافظة على الإمدادات، وفي 25 أيلول/سبتمبر، من العام نفسه، نقلت "رويترز" عن مصادر استعادة طاقة إنتاجية تبلغ 11.3 مليون برميل يومياً؛ إلا أنّ هذا مؤشر قدرة، وليس قياساً للصادرات المسلّمة.
في المقابل، أخرج هجوم جدة عام 2020 خزاناً من الخدمة، وقالت "أرامكو" إن العملاء لم يتأثروا. وعادت مصفاة الرياض بعد هجوم آذار/مارس 2021. خلال ساعات. مثل هذه الوقائع تفسّر لماذا لا تعني إصابة اسم "أرامكو" توقّف إنتاج الشركة، ولماذا يجب فصل المنشآت المباشرة عن المصافي المشتركة.
حرب الطاقة: مخاطر المسارات وحدود التعويض
اليوم تتداخل سلامة المنشآت مع سلامة المسارات. فمع بقاء صادرات المنطقة دون مستواها السابق للحرب، والتهديد اليمني في البحر، تزيد كلفة التأمين والشحن ومخاطر وصول الإمدادات إلى المصافي الآسيوية.
يوفّر خط شرق–غرب منفذاً إلى ينبع يتجاوز هرمز، لكنه تعطل بين 11 و22 أيلول/سبتمبر الفائت إثر هجوم نسبته السعودية إلى "ميليشيات عراقية". وفي 29 أيلول/سبتمبر قُدّرت تدفقاته بنحو 2–2.65 مليون برميل يومياً، مقابل طاقة قدرها سبعة ملايين. كذلك لا تعني ينبع تجاوز كل الأخطار: فالرحلات جنوباً تبقى معرضة لمخاطر باب المندب، بينما تختلف مسارات الشحن نحو أوروبا.
ويشمل الأثر المحتمل كلفة الإصلاح، وتراجع إيرادات البراميل غير المباعة، وارتفاع نفقات النقل والتأمين. عالمياً، يزداد الضرر إذا تعذّر إيجاد خام بديل مناسب للمصافي أو مسار تسليم آمن. أما خبر السبت فلا يتيح نسبة تحرّك في سهم "أرامكو" أو برنت إليه قبل استئناف التداول، وأي ارتفاع لاحق يحتاج فصل نقص الإمدادات الفعلي عن علاوة الخوف.
وتبقى ثلاثة احتمالات مشروطة لحادث اليوم: ضرر محدود وقصير يمكن استيعابه بالمخزون والإصلاح، تعطّل موضعي ممتد يضغط على التوزيع والإيرادات، أو إصابات متكررة لعقد المعالجة والنقل والتصدير تتجاوز البدائل وتتحوّل إلى أزمة أوسع. تحديد الاحتمال يتطلب تأكيد الموقع، وقياس البراميل المفقودة، وجدولاً موثوقاً للاستعادة، وهي معلومات لم تتضح بعد بشأن واقعة الرياض.