رواية نتنياهو الانتخابية: إمّا نحن وإمّا هم.. واستدعاء "فخ 92"

يتناول التقرير الرواية الانتخابية لمعسكر نتنياهو، التي تسعى إلى تصوير الانتخابات كمواجهة وجودية بين "اليمين" بقيادته و"اليسار" الذي يضم جميع خصومه، بغض النظر عن خلفياتهم السياسية.

  • رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست (أرشيف)

مع اقتراب انتخابات الكنيست، تتبلور داخل المعسكر المؤيد لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو رواية انتخابية لا تقوم فقط على المفاضلة بين برامج وأحزاب، بقدر ما تسعى إلى تحويل الاقتراع إلى مواجهة مصيرية بين معسكرَين لا ثالث لهما: "يمين" يتفرّد نتنياهو بزعامته، و"يسار" يضم عمليا كل من يقف في مواجهته، بصرف النظر عن خلفيته الأيدولوجية وموقعه من الخريطة السياسية.

وفق هذا التأطير، لا يعود الانتماء إلى اليمين مرتبطا بالضرورة بالمواقف الأيديولوجية التقليدية، وإنما بالموقف من نتنياهو نفسه. ولذلك تُدفع شخصيات مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، على الرغم من خلفيتهما ومواقفهما اليمينية المتشددة، إلى خانة المعسكر المقابل. وينطبق الأمر بصورة أكثر وضوحا على غادي آيزنكوت، الذي يمثل حاليا أحد أبرز منافسي نتنياهو في المعسكر الآخر، وتساعده خلفيته العسكرية وخطابه الأمني على مخاطبة شرائح من الناخبين الذين لا يرون أنفسهم جزءا من الوسط - اليسار.

اختبار وجودي

لا تكتفي سردية نتنياهو الانتخابية، المُخالفة للواقع، بتقسيم الساحة الحزبية إلى حدود فصل بين يمين و"يسار"، بل ترفع مستوى المنافسة إلى ما يشبه الاختبار الوجودي. فبحسب خطاب الحملة، يعني فوز نتنياهو استمرار مشروع تغيير وجه الشرق الأوسط، واستكمال تغيير البيئة الإقليمية ومواجهة إيران ومحورها. أما عودة خصومه إلى الحكم، فتُقدَّم، بناء على تلك السردية، باعتبارها خطرا قد يبدد إنجازات الحرب ويعيد "إسرائيل" إلى سياسات يرى اليمين أنها انتهت إلى أثمان أمنية باهظة.

رفع المنافسة الانتخابية الى مصافّ الاختبار الوجودي، لا يقتصر على معسكر نتنياهو، وبذلك تصبح الانتخابات في الخطاب المتبادل أكثر من عملية طبيعية لتداول السلطة؛ فكل طرف يصوِّر فوز الطرف الآخر باعتباره يقرّب خراب "إسرائيل"، وبحسب نتنياهو فإن "حكومة برئاسة آيزنكوت ستكون بداية نهاية إسرائيل"، ما يرفع مستوى الاستقطاب، برأي خبراء ومعلقين، إلى حدود خطرة، تذكر بما حدث أثناء خسارة الرئيس ترامب للانتخابات أمام الرئيس السابق جو بايدن في انتخابات العام 2020 وما تلاه من اقتحام أنصار ترامب لمبنى الكابيتول.

"فخ 92"

وفي صلب حملة نتنياهو تبرز مجددا تجربة انتخابات عام 1992. يستحضر نتنياهو والاعلام المؤيد له تلك الانتخابات بوصفها الدليل التاريخي على حقانية سرديته الحالية، بحيث أن تفوق اليمين عدديا لا يكفي لضمان الحكم إذا توزّعت أصواته بين قوائم لا تتجاوز نسبة الحسم. وفي الرواية التي يقدمها لأنصاره، لم يكن صعود حكومة إسحاق رابين آنذاك نتيجة تحوّل المجتمع الإسرائيلي إلى اليسار أو ميله نحو "السلام" بقدر ما كان نتيجة تبديد عشرات آلاف الأصوات داخل معسكر اليمين.

ومن هنا يأتي التلويح بما يمكن تسميته "أوسلو ج": أي التحذير من أن انقسام اليمين هذه المرة قد يعيد سيناريو 1992، لكن بأثمان أكبر. ويخدم هذا الترهيب هدفين متداخلين: الضغط على الأحزاب اليمينية الصغيرة في معسكر نتنياهو من أجل الاتحاد في قوائم تقنية أو الانسحاب قبل الانتخابات، وفي الوقت نفسه يسهم هذا الترهيب في رفع نسبة التصويت لدى جمهور اليمين عبر إقناعه بأن الامتناع عن التصويت أو منح الصوت لقائمة مهددة بالسقوط قد يؤدي عمليا إلى تسليم الحكم للخصوم.

اليمين فقط يهزم نفسه

يتصل برواية نتنياهو عنصر آخر يقوم على التشكيك في قدرة المعسكر المقابل على الفوز بقواه الذاتية أو بأصوات يمينية بصورة مباشرة، وتصوير انتقال هذه الأصوات باعتباره نوعا من الخداع السياسي، وسرقة الانتخابات. وفق هذا الخطاب، يصل منافسون إلى الناخب من بوابة المواقف القومية والأمنية، ثم يستخدمون أصوات اليمين لتشكيل حكومة مع قوى يصنفها نتنياهو في اليسار. ويُستدعى نموذج بينيت وتجربة الحكومة التي شكّلها بعد انتخابات 2021 مع يائير لابيد لتغذية هذا التصوّر، فيما يُقدَّم آيزنكوت اليوم باعتباره الخطر الأهم بسبب قدرته على استقطاب ناخبين من تخوم "الليكود" واليمين المعتدل.

أما الرسالة الأوضح داخل معسكر نتنياهو فهي أن "اليمين وحده قادر على إسقاط اليمين". فالمشكلة لا تكمن فقط في انتقال ناخبين إلى المعارضة، بل أيضاً في ضياع أصوات داخل المعسكر نفسه إذا توزعت على أحزاب صغيرة لا تتجاوز نسبة الحسم. لذلك يركز نتنياهو في حملته على تقليل الانقسامات بين أحزاب اليمين، ودفعها إلى الاتحاد أو الانسحاب، حتى لا تتحول كثرة القوائم والتنافس على الزعامة إلى سبب في خسارة الحكم.

بهذا المعنى، يخوض نتنياهو معركتين متزامنتين: الأولى ضد انتقال الناخبين إلى آيزنكوت ومعسكر المعارضة، والثانية داخل اليمين نفسه لمنع تكرار ما يسميه "فخ 1992". وبين المعركتين تتشكل رواية انتخابية عنوانها أن الحفاظ على الحكم لا يمر فقط عبر هزيمة الخصم، وإنما قبل ذلك عبر منع اليمين من هزيمة نفسه.

اخترنا لك