"إسرائيل" بعد السابع من أكتوبر.. الأحزمة الأمنية عقيدة "الجيش" الجديدة
"السابع من أكتوبر" قوّض عقيدة "إسرائيل" الأمنية، دافعاً إياها لتبني استراتيجية "الأحزمة العازلة" بدلاً من الحسم، ما ينذر باستنزاف دائم وحدود غير آمنة.
-
علامات إسرائيلية وضعت لتدل على ما يسمى بالخط الأصفر في قطاع غزة (مواقع فلسطينية)
لم يكن هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 مجرّد إخفاق أمني واستخباري عابر في الحسابات الإسرائيلية، بل مثّل لحظة انهيار لنظرية أمنية حكمت سلوك "إسرائيل" العسكري لعقود. ففي ساعات قليلة، سقطت ركائز الردع والإنذار المبكر والحسم السريع، ووجدت "إسرائيل" نفسها أمام تهديد وجودي، وحرب طويلة متعددة الجبهات، امتدّت من غزة إلى لبنان والعراق واليمن، ووصلت إلى إيران.
في الساعات الأولى من السابع من أكتوبر، لامست "إسرائيل" ما عدّته تهديداً وجودياً، وعلى يد من؟ "حماس"، أصغر فصائل محور المقاومة، التي اعتاد رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو السخرية من مقاتليها، قائلاً إنهم يقاتلون بـ"الشبشب والكلاشينكوف".
منذ ذلك اليوم، لم تعد "إسرائيل" تتعامل مع الصراع بوصفه تهديداً يمكن احتواؤه عبر جولات عسكرية متباعدة، بل باعتباره حرباً مستمرة تتطلب تغيير البيئة المحيطة بها. فانتقلت من سياسة "إدارة الصراع" و"جزّ العشب" إلى نهج هجومي يقوم على الضربات الاستباقية والوقائية، والتدمير الواسع، ومنع الخصوم من إعادة بناء قدراتهم، وإقامة أحزمة أمنية خارج حدودها. كما لم تعد "إسرائيل" تتعامل مع التصريحات الصادرة عن أعدائها بوصفها مجرد كلام، بل أصبحت تعدّها تهديداً حقيقياً يجب التعامل معه بجدية.
ومن تداعيات السابع من أكتوبر أيضاً أن وضعت "إسرائيل"، بمؤسستَيها العسكرية والأمنية، سيناريوهات غير متوقعة، وبدأت التعامل معها على أنها وقائع قد تحدث، مثل هجوم الجيش المصري على "إسرائيل"، أو هجوم أنصار الله عليها من الأردن أو البحر، وصولاً إلى هجوم تركي ينطلق من سوريا، ومؤخراً طُرح سيناريو جديد، هجوم الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية على "إسرائيل" على غرار السابع من أكتوبر!
استندت العقيدة العسكرية الإسرائيلية، منذ عهد أول رئيس لحكومة العدو، دافيد بن غوريون، إلى ثلاثية: ردع الخصم عن شن الحرب، واكتشاف التهديد قبل تحوله إلى هجوم، ثم حسم المواجهة بسرعة ونقلها إلى أرض الخصم.
بدت هذه العقيدة ناجحة، قبل أن تخضع لاحقاً لسلسلة من التعديلات التي حاولت ملاءمتها لتطور طبيعة الحروب. وفي عام 2019، طرح رئيس الأركان السابق أفيف كوخافي عقيدة "الزخم"، القائمة على ربط أذرع الجيش بمنظومة رقمية تسمح بكشف أهداف الخصم وضربها في وقت قصير. وبعده، جاء هرتسي هاليفي بمفهوم "الصعود"، الذي جمع بين الحرب التقليدية ومواجهة التنظيمات غير النظامية، مع إعادة الاعتبار إلى المناورة البرية.
إلى جانب ذلك، تبنّت "إسرائيل"، منذ نهاية الانتفاضة الثانية في العام 2005، سياسة "جزّ العشب"؛ أي تنفيذ عمليات عسكرية محدودة ومتكررة لإضعاف قدرات حماس وحزب الله وإعادة ترميم الردع.
الأحزمة الأمنية: رهان "تل أبيب" في غزة ولبنان
لكن السابع من أكتوبر كشف هشاشة هذه المنظومة. فلم يمنع الردع حماس من تنفيذ هجومها، ولم توفّر أجهزة الاستخبارات إنذاراً مبكراً، كما لم يتمكن الجيش من تحقيق حسم سريع في غزة. ومع امتداد القتال إلى أكثر من جبهة، ظهر أن العقيدة القديمة لم تعد قادرة على توفير الأمن الذي وعدت به الإسرائيليين.
أمام هذا الفشل، انتقلت "إسرائيل" من الانتظار والسماح لأعدائها ببناء قدرات تهددها إلى ضرب تلك القدرات قبل أن تشكّل تهديداً. وإضافة إلى ذلك، عاد العدو إلى استخدام مفهوم قديم لديه، مفاده أن "العربي لا يفهم إلا عندما يفقد أرضه". لذلك، وسّعت "إسرائيل" سيطرتها العسكرية في غزة ولبنان وسوريا، وأنشأت مناطق عازلة لتكون هذه الأراضي عمقاً عسكرياً يوفّر الإنذار المبكر في حال وقوع أي هجوم مشابه للسابع من أكتوبر.
اليوم، وبعد نحو ثلاث سنوات من الحروب التي شنّتها "إسرائيل"، أدركت تل أبيب أنها لا تستطيع القضاء على حماس أو حزب الله أو إيران؛ إذ يبدو ذلك غير واقعي في نظر دوائر عسكرية إسرائيلية. وبدلاً من ذلك، بات هدفها إنشاء واقع يسمح باحتوائهم عسكرياً، ومنعهم من الاقتراب من الحدود أو إعادة بناء قدراتهم. وترى "إسرائيل" أن حماية مستوطناتها الحدودية لا تتحقق من داخل الحدود، وإنما عبر دفع خطوط المواجهة إلى أراضي الطرف الآخر.
كان قطاع غزة المكان الأول لهذا التحول. فبعدما كانت المنطقة العازلة على الحدود لا تتجاوز، في بعض المراحل، مئات الأمتار، شرعت "إسرائيل"، بعد تشرين الثاني/نوفمبر 2023، في إنشاء حزام أمني بعمق يقترب من كيلومتر واحد على امتداد الحدود.
إلى جانب المنطقة العازلة، سيطر الجيش الإسرائيلي على ممر نتساريم، الذي يفصل شمال القطاع عن جنوبه، وأعاد تهيئته للاستخدام العسكري، وقيّد حركة المدنيين عبره. ولا تقتصر وظيفة الممر على تسهيل تحركات الجيش، بل يمنح "إسرائيل" القدرة على تقطيع القطاع، والتحكم في حركة سكانه، وفرض وقائع يصعب التراجع عنها حتى بعد توقف العمليات العسكرية الكبرى.
في لبنان، أعادت المواجهة مع حزب الله إلى الواجهة مفهوم الحزام الأمني الذي أقامته "إسرائيل" في الجنوب بين عامَي 1985 و2000. وتقوم الرؤية الجديدة على إفراغ الشريط الحدودي، وهدم القرى والمنازل القريبة من الحدود، وإبعاد البنية العسكرية لحزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني.
هذه السياسة لا تستهدف مواقع حزب الله العسكرية فحسب، بل البيئة العمرانية والسكانية التي ترى "إسرائيل" أنها تتيح له العمل بالقرب من الحدود. وهو ما يفسر الحديث عن تطبيق نموذجَي رفح وخان يونس على قرى الجنوب اللبناني، عبر تدمير المباني ومنع السكان من العودة قبل ضمان خلو المنطقة من أي حضور مسلح.
لكن استعادة تجربة الحزام الأمني تحمل معها ذاكرة ثقيلة. فالاحتلال الإسرائيلي السابق لجنوب لبنان لم يوفّر الأمن الدائم، بل تحوّل إلى ساحة استنزاف متواصل انتهت بانسحاب عام 2000. ولذلك، قد تُنتج المنطقة العازلة الجديدة المشكلة نفسها التي يُفترض أن تحلّها: احتكاكاً دائماً، ومقاومة محلية، وخسائر متراكمة.
الجنوب السوري: حزام صامت وأوهام أمنية متجددة
أما في سوريا، فقد استغلت "إسرائيل" التحولات التي شهدتها البلاد لتوسيع حضورها خارج خط الفصل المحدد بموجب اتفاق عام 1974. فأقامت شبكة من المواقع العسكرية الثابتة في الجولان والجنوب السوري، ضمن منطقة سيطرة فعلية تمتد من جبل الشيخ إلى حوض اليرموك.
ولم تعد التحركات الإسرائيلية تقتصر على المنطقة العازلة، بل شملت عمليات توغل متكررة داخل محافظتَي القنيطرة ودرعا، في إطار السعي إلى إبعاد القوات والجماعات المسلحة التي تعدّها "إسرائيل" مرتبطة بإيران.
ويبدو أن "إسرائيل" تطمح إلى فرض منطقة منزوعة السلاح أوسع، تمتد من دمشق إلى الجولان، مع الاحتفاظ بحرية التدخل العسكري والبقاء في المواقع التي تراها ضرورية لفترة غير محددة. وهكذا، يتشكل في الجنوب السوري حزام أمني أقل صخباً من نظيرَيه في غزة ولبنان، لكنه لا يقل عنهما أهمية في إعادة رسم المجال الأمني الإسرائيلي.
توفّر الأحزمة الأمنية بحسب الرؤية الإسرائيلية مكاسب مباشرة عدة؛ فهي تُبعد مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة عن بلداتها، وتمنح الجيش وقتاً ومساحة أكبر للتعامل مع الهجمات، كما تسمح للحكومة بتقديم السيطرة على الأرض بوصفها "صورة نصر" تعوّض تعثر الحسم العسكري.
كذلك، تلبّي هذه السياسة مطالب اليمين الإسرائيلي الذي لم يعد يخفي رغبته في إعادة رسم الحدود وفرض ما يسميه "السلام بالقوة". لكنها، في المقابل، تحمل تكاليف هائلة.
وترى "إرسائيل" أن تدمير الممتلكات المدنية، وتهجير السكان، ومنعهم من العودة، وسائل لإقناع المقاومة بكلفة خياراتها. إلا أن تدمير القرى وإدامة النزوح لا يقضيان بالضرورة على البيئة الحاضنة للمقاومة، بل يعيدان إنتاجها بصورة مغايرة. فالأحزمة الأمنية تستطيع إبعاد الخطر جغرافياً لبعض الوقت، لكنها لا تعالج أسبابه السياسية، وقد تحوّل الحدود إلى ساحات اشتباك دائم.
تكشف العقيدة الإسرائيلية الجديدة عن اعتراف ضمني بأن الحسم الكامل لم يعد ممكناً. لذلك، تحاول "إسرائيل" الاستعاضة عنه بسيطر جغرافية مفتوحة، وتدمير متكرر، ومنع الخصوم من التعافي. إنها عقيدة لا تسعى إلى إنهاء الحرب بقدر ما تسعى إلى إدارتها من موقع هجومي دائم.
لكن التجارب السابقة تشير إلى أن الأحزمة الأمنية لا تنتج بالضرورة حدوداً آمنة. ففي لبنان، تحولت المنطقة المحتلة سابقاً إلى مصدر استنزاف، وفي غزة، لم تمنع سنوات الحصار والمناطق العازلة وقوع هجوم السابع من أكتوبر. قد يؤدي توسيع السيطرة الإسرائيلية إلى إحياء جبهة مقاومة ونشوء مقاومة جديدة تضم أفراداً يحملون في قلوبهم سخطاً لأن "إسرائيل" قتلت آباءهم.