من المظلة الأميركية إلى الشراكة مع إيران.. كيف أعادت الحرب صياغة أمن دول الخليج؟

بعد العدوان الأميركي الإسرائيلي، تحاول إيران أن ترسم نظاماً أمنياً إقليمياً جديداً مع دول الخليج، بعيداً عن المظلة الأميركية. هل نشهد ولادة "الاستقلالية الإقليمية" بعد مذكرة طهران وواشنطن؟

  • من الحماية الخارجية إلى الاستقلال الأمني.. كيف أعادت الحرب ضد إيران صياغة أمن دول الخليج؟
    من الحماية الخارجية إلى الاستقلال الأمني.. كيف أعادت الحرب ضد إيران صياغة أمن دول الخليج؟

لم تكن العلاقات العربية-الإيرانية يوماً خطاً مستقيماً، فقد تماهت طويلاً بين محاولات التقارب الدبلوماسي وتوترات القطيعة التي فرضتها ضغوط "المظلة الأميركية" حيناً وضغوط إسرائيلية حيناً آخر. فمن دعم إيران للاقتصاد القطري إبان الحصار  "السعودي، الإماراتي، والبحريني" في 2017، إلى مساعيها الدؤوبة لفتح قنوات حوار مع الرياض والذي أدّى لاتفاق إيراني سعودي برعاية صينية عام 2023، وكذلك محاولات طهران  تطوير العلاقة مع القاهرة الثقل العربي الأكبر، ظلّت إيران تراهن على "علاقات صحية" مع الجوار، بينما كانت عواصم خليجية وعربية تجد نفسها أسيرة لمعادلاتٍ دولية، قوامها التوجّس الأمني تارةً، والرهان على مسارات التطبيع مع "إسرائيل" تارةً أخرى.

لكنّ الحرب الأخيرة، بميدانيتها القاسية وعقيدة "وحدة الساحات" التي فرضت حقائقها على الأرض، أسدلت الستار على ذلك الفصل التاريخي. فاليوم، لم يعد السؤال حول "طبيعة العلاقات" في ظل الضغط، بل حول قدرة هذه الدول على إدراك حقيقة "اللاعب الإقليمي" ذي التأثير العالمي الذي لم يعد بالإمكان تجاوزه.

إن التساؤلات التي تُطرح اليوم في كواليس القرار العربي لم تعد عن كيفية إدارة الخصومة، بل عن إمكانية التحول نحو "حلفٍ إقليمي" يُعيد صياغة أمن المنطقة -هذا ما كانت إيران تطلبه قبل اندلاع العدوان الأميركي الإسرائيلي عليها في 28 شباط/فبراير الماضي- بعيداً عن صدى الحرب، وخارج دائرة النفوذ الأميركي الذي تآكلت هيبته أمام معادلات الردع الجديدة التي فرضتها إيران وحلفاؤها في المنطقة.

وفي ضوء هذا التحوّل، يبرز تساؤل استراتيجي جوهري: هل ستتمكن العواصم العربية من التحرر نهائياً من هيمنة "المظلة الأميركية"، لتُعيد تموضعها ضمن نظام إقليمي جديد تُعد فيه طهران ركيزةً للأمن لا خصماً له؟

هل بدأت العواصم العربية بفك الارتباط مع "المظلة الأميركية"؟

لم يعد الرهان على "المظلة الأميركية" في العواصم العربية، وتحديداً الخليجية منها، ذلك الرهان "الآمن" الذي ساد لعقود. فالحرب الأخيرة كشفت أن الاستراتيجية الأميركية لا تُدار بالضرورة وفق مصالح حلفائها، بل وفق حسابات واشنطن المتقلبة التي أثبتت عجزها عن حماية مصالحها الخاصة –فضلاً عن مصالح حلفائها– أمام معادلات الردع الجديدة.

هذا الانكشاف الاستراتيجي دفع النخب السياسية العربية إلى إعادة تقييم جدوى "الارتهان لأمن الخارج"، مقابل البدء في استكشاف مسارات "الاستثمار في أمن الجوار".

لقد تآكلت الثقة في الحماية الأميركية إلى حدٍ بات فيه التساؤل عن "توقيت" الرحيل الأميركي لا "إمكانية" حدوثه، هو الهاجس الأكبر في كواليس الخليج.

ويمكن رصد هذا التحول عبر شاهدين مفصليين أعقبا العدوان الأميركي-الإسرائيلي في 28 شباط/فبراير الماضي إذ نقل عسكريون في واشنطن أنّ دول الخليج طلبت من الولايات المتحدة، بعد نحو 20 يوماً على اندلاع العدوان على إيران، تقليص استخدام أراضيها في العمليات العسكرية. وتزامن ذلك مع إرسال السعودية وقطر والكويت رسائل متكررة إلى إيران تبلغها فيها بوقف النشاط العسكري في عددٍ من القواعد والمطارات لضمان "الحياد" والتواصل المباشر مع طهران لتجنب أيّ سوء فهم ميداني.

من هنا أدركت دول الخليج أنّ الانخراط في الحرب الأميركية ضد إيران يعني تحويل أراضيها ومصالحها الاقتصادية إلى بنك أهداف مشروع في معادلة الردع الإيرانية التي أرستها إيران منذ الساعات الأولى لانطلاق العدوان عليها في شباط/فبراير الماضي.

أما الشاهد الثاني فيمكن تلخيصه بفشل محاولات واشنطن لتشكيل تحالف إقليمي عسكري ضد إيران تحت ذريعة "حماية الممرات المائية". فعلى الرغم من الضغوط الأميركية المكثفة، قوبلت هذه الدعوات بـ "فتور" خليجي، بل ذهبت بعض دول الخليج –خاصة سلطنة عمان وقطر– نحو تعزيز التنسيق الأمني الثنائي مع طهران لتأمين مضيق هرمز ومحيطه بعيداً عن "التحالفات الدولية" التي لا تجلب سوى التوتر.

هذا الإدراك النوعي يضع دول المنطقة أمام حقيقة جديدة، وهي أنّ تأمين الممرات المائية، هرمز بالدرجة الأولى وباب المندب بالدرجة الثانية، وضمان استقرار أسواق الطاقة، وتحصين الداخل من ارتدادات الصراعات، ليست مهاماً يمكن إيكالها لقوةٍ عابرة للبحار، بل هي مسؤوليةٌ جماعية تفرضها وحدة الجغرافيا والمصير.

لذلك، فإنّ التحوّل الجوهري لا يكمن فقط في تغيير التحالفات، بل في تغيير "قواعد اللعبة" ذاتها. فالاستثمار في أمن الجوار مع طهران لم يعد خياراً تكتيكياً لخفض التصعيد، بل تحوّل إلى ضرورة وجودية لضمان الاستقرار، وهو ما تقاطع مع تقارير لوكالة "بلومبرغ" الأميركية التي رصدت هذا التحول في أولويات العواصم الخليجية.

ومع تزايد القناعة بأنّ أمن إيران هو جزء لا يتجزأ من أمن الخليج، بدأت الأجندات الاقتصادية والأمنية تشهد إعادة ترتيب أولويات، حيث يحلّ التنسيق الإقليمي محل التبعية للسياسات الخارجية، ما يُمهّد الطريق لنظامٍ أمنيٍّ جديد تُضبط ساعته في كل من الرياض، الدوحة، أبو ظبي، مسقط، المنامة، الكويت مع اللاعب الرئيس طهران، لا في أروقة "البنتاغون" أو البيت الأبيض.

دبلوماسية التوازن "الصعب": إيران شريكٌ للأمن لا تهديدٌ له

لم تعد عقيدة طهران تجاه جوارها الخليجي مجرّد استجابةٍ لمتغيرات ظرفية، بل تبلورت في مرحلة ما بعد الحرب كاستراتيجية ثابتة وضرورة أمنية. ففي ظل التطورات المتسارعة، أدركت طهران أنّ أمنها لا يتجزأ عن استقرار الإقليم، وهو ما ترجمته في انفتاحٍ دبلوماسيٍ غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة الماضية.

وقد توّج هذا التوجه بتأكيدات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الأسبوع الماضي، بأنّ الجهود الدبلوماسية قد أثمرت نتائج إيجابية، وباتت الكثير من ملفات سوء الفهم مع دول الخليج في مسارها نحو التسوية، مؤكداً أنّ تطوير التعاون الإقليمي يضع طاقات اقتصادية وأمنية هائلة تحت تصرّف المنطقة.

وعلى الرغم من وطأة العدوان الأميركي-الإسرائيلي المستمر آنذاك، لم تنكفئ طهران نحو الخيار العسكري فحسب، بل أطلقت سلسلة من المبادرات الدبلوماسية والأمنية التي عكست رؤيتها لنظام إقليمي بديل، في 25 آذار/مارس الماضي، دعا "مقر خاتم الأنبياء المركزي" في رسالةٍ موجهة للشعوب العربية والإسلامية إلى تجاوز الاعتماد على الولايات المتحدة و"إسرائيل"، والاتجاه نحو إنشاء تحالف أمني إقليمي قائم على الوحدة والمرجعيات الذاتية، مشددة على أنّ الأمة الإسلامية لا تحتاج إلى قوى تبعد آلاف الكيلومترات وتضع أمن "إسرائيل" في مقدمة أولوياتها.

كذلك، في 30 نيسان/أبريل الماضي، أكّد حرس الثورة الإسلامية في إيران، في بيانٍ بمناسبة يوم الخليج، أن المنطقة تعيش ظروفاً تفرض تعزيز الاستقرار عبر التعاون الإقليمي، معتبراً الخليج "شريان حياة" لا يُصان إلا بمشاركة دوله "من دون وجود الأجانب والقوى المهيمنة". كما شدد البيان على مبدأ "حسن الجوار والاحترام المتبادل"، مؤكداً أن استراتيجية طهران تجاه الخليج تقوم على الأمن الجماعي والتنمية المشتركة واحترام سيادة الدول، ومنتقداً في الوقت ذاته السياسات الأميركية-الإسرائيلية التي تسعى إلى توريط دول الجوار في العدوان على إيران.

هذه "الدبلوماسية الهادئة" تضع إيران أمام اختبارٍ دقيق: كيف ستتعامل مع دولٍ كانت حتى الأمس القريب تستقوي بمسارات "التطبيع" مع "إسرائيل"؟ وهنا تبرز براغماتية طهران في طرح مفهوم "الأمن الجماعي" كبديلٍ جذري عن "الأحلاف الدفاعية" التي تقودها واشنطن. فبدلاً من "التسليح المتبادل" الذي تقتات عليه مبيعات الأسلحة الغربية، تقترح إيران نظاماً إقليمياً يقوم على التنسيق الأمني البيني، وتأمين الملاحة بجهدٍ ذاتي يحقق مكاسب أمنية ومادية، ونبذ التدخلات الخارجية.

وقد تجسّد ذلك عملياً في الرسائل التي تبادلتها السعودية وقطر مع طهران خلال وبعد العدوان الأميركي-الإسرائيلي حيث سعت هذه العواصم لضمان "الحياد" والتواصل المباشر مع طهران لتجنب سوء الفهم الميداني، وهو ما استجابت له إيران بإيجابية انطلاقاً من حرصها على "علاقات صحية" مع الجوار.

إن نجاح طهران في تحويل "الخصوم" إلى "شركاء أمنيين" يعتمد على تقديم نموذجٍ لنظامٍ إقليميٍّ يتحرر من الهيمنة العسكرية الأجنبية في الخليج. فالحرب كشفت أنّ المنطقة تشهد حالة من "إعادة التقييم الاستراتيجي" في العواصم الخليجية، بعد أن أدركت هذه العواصم أن الانخراط في الحرب الأميركية لا يجلب سوى مخاطر استهداف منشآتها الحيوية. واليوم، تراهن إيران على أن دول المنطقة قد استوعبت الدرس وهو أنّ التحالف مع القوى البعيدة يوفر "حماية مؤقتة" مشروطة، بينما الشراكة مع "القوى الإقليمية الثابتة" توفر استقراراً مستداماً.

ومن خلال تأكيدها الدائم على أن "أمن الخليج لأهل الخليج"، بدأت طهران تسحب البساط من تحت الذرائع الغربية، لتضع المنطقة أمام لحظة الحقيقة التاريخية: إما الاستمرار في دوامة الأحلاف التي تخدم الأجندات الأجنبية، أو البدء ببناء هيكلية أمنية إقليمية تُصان بقرارٍ عربي-إيراني مشترك.

"مستقبل التكتلات": نحو نظام إقليمي جديد بعيداً عن صدى الحرب

إنّ ما نشهده اليوم من إعادة تموضعٍ استراتيجي، يضعنا أمام فرضية ولادة "كتلة إقليمية" كبرى تتجاوز ثنائية الخصومة التاريخية نحو "شراكة الضرورة الأمنية والاقتصادية"، لتكون بديلاً فعلياً عن سياسات المحاور الدولية التي مزقت المنطقة لعقود.

هذه الكتلة، في حال تبلورها، لن تكون مجرّد تحالفٍ عسكري تقليدي، بل هيكلية أمنية متكاملة تهدف إلى طرد "التدخلات الدولية" من معادلة أمن الممرات المائية وأسواق الطاقة. وقد أشارت تقارير لمراكز بحثية إلى أنّ تكاليف الحفاظ على الوضع الراهن أصبحت اليوم أعلى بكثير من مخاطر تغييره، ما يمنح دول المنطقة حافزاً قسرياً للبحث عن "شرعية أمنية داخلية" بدلاً من الاعتماد على مظلة واشنطن التي باتت تُنظر إليها كعامل "تأجيج" لا "استقرار".

ومن هذا المنطلق، لا تسعى طهران إلى استبدال النفوذ الأميركي بنفوذٍ خاص بها، بل تطرح مشروعاً يقوم على "توازن القوى" الإقليمي، حيث تُلجم المطامع الخارجية عبر تنسيقٍ أمنيٍّ يضم دول الخليج وإيران، ما يغلق الباب أمام محاولات "إسرائيل" لفرض أجندة أمنية تخدم هيمنتها.

إنّ ملامح هذا النظام الجديد تتجاوز الشعارات لتتجسد في خطواتٍ عمليةٍ بدأت معالمها تتضح، ولا سيما في ما يتعلق بتأمين "شريان الطاقة" العالمي. فقد كشف نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، في نيسان/أبريل الماضي، عن توجهٍ استراتيجيٍّ لما بعد الحرب، يتمثل في تطبيق "نظام ملاحة جديد" في مضيق هرمز يتم إعداده بالتعاون مع دولٍ عربية، وعلى رأسها سلطنة عُمان.

هذا التوجه يعيد التأكيد على أن أمن المضيق هو مسؤولية "الدول الساحلية" حصراً، بعيداً عن أي تدخلٍ أجنبي، حيث تهدف الاتفاقيات الأمنية إلى ضمان مرورٍ آمن للسفن، مع وضع بروتوكولاتٍ تمنع استخدام هذه الممرات من قبل "المعتدين" أو حلفائهم الذين يشاركون في العمليات العسكرية ضد إيران وحلفائها. إن هذا التنسيق الإيراني-العماني يمثل نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه التعاون الإقليمي، حيث تتحول السيادة الوطنية إلى حمايةٍ جماعية، ما يقلب الطاولة على هندسة المنطقة السابقة التي كانت تضع أمن الملاحة تحت الوصاية الأميركية.

وبهذا التوجه، لم تعد خيارات دول المنطقة ترفاً سياسياً، إذ باتت أمام "لحظة تاريخية" لا تتكرر، فإما الاستمرار في دوامة "التبعية للأحلاف" التي ترهن سيادة الدول وتستنزف مواردها، أو المضي قدماً في بناء هذا النظام الإقليمي الذي تُضبط ساعته في العواصم العربية وطهران.

إنّ نجاح هذا التوجّه لا يعني بالضرورة غياب التباينات، بل يعني صياغة "عقيدة أمنية" تجعل من الإقليم منطقة حصينة ضد الصراعات الدولية، ومساحةً للتنمية المشتركة، وهو مسارٌ يراه الكثير من المراقبين، حتى في مراكز الأبحاث الغربية كـ "CSIS"، الخيار الأكثر عقلانية لضمان استقرارٍ لا تهزه تقلبات الإدارات في واشنطن أو أهواء حكومات الاحتلال الإسرائيلي، وفي هذا السياق، تطرح مذكرة التفاهم الموقّعة إلكترونياً، أمس الخميس، بين إيران والولايات المتحدة تساؤلاً جوهرياً: هل ستكون هذه الخطوة مؤشراً لبزوغ فجر "الاستقلالية الإقليمية" لدول الخليج التي أجبرتها واشنطن على دفع تكاليف عدوانٍ شنتّه هي بالتعاون مع "إسرائيل"؟

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك