مأزق ترامب.. تصعيد بلا حرب أم تفاوض بلا اعتراف؟

تصعيد ترامب تجاه إيران يعكس مأزقاً سياسياً داخلياً وضغطاً انتخابياً، لا نية لحرب، في ظلّ إدراك واشنطن كلفة المواجهة مع طهران.

  • صورة مرسوم على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران تظهر ما يشبه لقاء بين مسؤول إيراني وآخر أميركي 2025 (أ ف ب)
    صورة مرسوم على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران تظهر ما يشبه لقاء بين مسؤول إيراني وآخر أميركي 2025 (أ ف ب)

في قراءةٍ متأنية لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة تجاه إيران، يتّضح أنّنا لسنا أمام مقدّمة حرب بقدر ما نحن أمام مأزق سياسي شخصي يحاول صاحبه الهروب إلى الأمام. ترامب لا يريد الاعتراف بالهزيمة، لا السياسية ولا المعنوية، وهو يدرك أنّ صورته كرئيس قوي قد تضرّرت بفعل فشل سياساته تجاه إيران، لذلك يلجأ إلى التصعيد اللفظي كبديلٍ من الاعتراف بالفشل أو تقديم مراجعة حقيقية لما جرى.

تصريحات ترامب، مهما بدت حادّة، لا تُترجم واقعياً على أنّها قرار حرب. فالولايات المتحدة لا تتحرّك بهذا الشكل الانفعالي، والمؤسسة العسكرية والأمنية الأميركية تدرك تماماً كلفة أي مواجهة مفتوحة مع إيران. والتجربة السابقة أثبتت أنّ الخطاب الناري لا يعني بالضرورة عملاً عسكرياً، بل يُستخدم غالباً كأداة ضغط إعلامي ونفسي في لحظات الضعف السياسي.

ترامب اليوم في مأزق حقيقي؛ فهو محاصر داخلياً بانتخابات وبانقسام سياسي حاد. هذا المأزق يجعله عاجزاً عن اتخاذ خطوات كبيرة، فيكتفي بالتصريحات لخلق انطباع زائف بالقوة. وحتى على مستوى الفوضى الداخلية في إيران، فهو لا يريد إنعاش المخربين المسلحين أو دفعهم إلى الواجهة، لأنّ أيّ فوضى غير منضبطة قد تخرج عن السيطرة وتؤدي إلى نتائج عكسية لا يمكن لواشنطن التحكّم بها.

التصريحات التي يطلقها ترامب تأتي ضمن سياق معروف في السياسة الأميركية، وهو رفع السقف قبل أيّ عملية تفاوض محتملة. الهدف هو تحسين شروط الجلوس إلى الطاولة، وليس إشعال حرب شاملة. هذا الأسلوب استُخدم سابقاً مع عدّة دول، لكنّه فشل مع إيران، لأنّ طهران قرأت الرسالة مبكراً وتعاملت معها بهدوء وثقة.

الأهم أنّ ترامب يعرف جيداً أنّه لا يستطيع مهاجمة إيران مرة أخرى. فالرد الإيراني لن يكون رمزياً، بل سيطال القواعد الأميركية في المنطقة، وسيضع "إسرائيل" في قلب المواجهة. وهذا ما لا تريده واشنطن ولا حلفاؤها، لأنّ كلفة هذا السيناريو تفوق بكثير أيّ مكسب سياسي أو انتخابي.

في هذا السياق، جاءت المسيرات المليونية في إيران لتشكّل رسالة ردع شعبية واضحة. هذه الحشود لم تكن مجرّد تعبير عاطفي، بل موقفاً سياسياً جماعياً يقول إن المجتمع الإيراني حاضر ومتماسك وقادر على الصمود. الرسالة وصلت إلى ترامب والغرب بأن الضغط لن يؤدّي إلى تفكك داخلي، بل إلى مزيد من الالتفاف الشعبي.

خلاصة المشهد أن تصريحات ترامب هي تعبير عن ضعف لا عن قوّة، وعن مأزق لا عن خيار استراتيجي. إيران قرأت ذلك جيداً وتعاملت معه بثبات ووعي، فيما بقي الخطاب الأميركي يدور في حلقة مفرغة من التهديد من دون القدرة على التنفيذ.

اخترنا لك