كيف تُجهض القوى الاستعمارية الحلم الأفريقي؟

بينما أسهمت دماء وثروات المستعمرات في انتصار الحلفاء ونهوض أوروبا، كانت مكافأتها وعوداً جوفاء واستقلالاً شكلياً. لقد حوّلت آليات الهيمنة الاقتصادية والعسكرية الجديدة حلم أفريقيا بالحرية والتنمية إلى تبعية وصراعات.

  • كيف تُجهض القوى الاستعمارية الحلم الأفريقي؟
    كيف تُجهض القوى الاستعمارية الحلم الأفريقي؟

خلال الحربين العالميتين، جنّدت فرنسا الآلاف من أبناء مستعمراتها للمشاركة في الحرب: "كتائب شمال أفريقيا" (مغاربيون)، وحدات "الرماة السنغاليون" (سنغاليون وجنود من المستعمرات الفرنسية في غرب أفريقيا)، الكتائب "الفيتنامية" (الهند الصينية). أما بريطانيا فقد جنّدت أكثر من 2.5 مليون جندي من الهند التاريخية. كما أسهمت المستعمرات الفرنسية والبريطانية في دعم الدولتين بالمواشي والمنتوجات الفلاحية والصناعية والأموال. وشكّل هذا الدعم مكوّناً حاسماً في صمود الدولتين.

دعم المستعمرات للمجهود الحربي الفرنسي والبريطاني كان مشروطاً بوعود بالاستقلال قدمت للقادة الوطنيين بعد انتهاء الحرب. لكن لا شيء من هذا حصل، إذ تنكرت الدول الاستعمارية لوعودها، وعملت على الإبقاء على احتلالها لدول كانت تغذي شرايين اقتصادها بالمواد الأولية والثروات المعدنية الضرورية لإعادة تدوير آلتها الصناعية المعطوبة وبناء اقتصاداتها المفلسة، وتمدها باليد العاملة الرخيصة لإعادة بناء ما دمرته الحرب. هذا ما دفع حركات التحرر في آسيا (فيتنام) وفي القارة السمراء إلى خوض معركة التحرير التي انتهت باستقلال بلدانها.

إجهاض الحلم الأفريقي: البعدان الاقتصادي والعسكري

بعد الاستقلال، كان لزعماء الحركات الوطنية الأفريقية حلم في أن يروا بلدانهم تنعم بالحرية والتقدم. لكن الدول الاستعمارية التي ظلت تعتبر القارة السمراء حديقتها الخلفية ستعمل على إجهاض الحلم الأفريقي لاستدامة الهيمنة على القرارات السيادية للدول الحديثة العهد بالاستقلال من خلال مسارين:

- الاغتيال الاقتصادي للدول المستقلة عبر إفشال كل المحاولات التنموية، مما كان له انعكاس على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وأدى إلى صراعات داخلية خدمت الأجندات الاستعمارية.

- التدخلات العسكرية والانقلابات، لتنصيب أو دعم حكام تابعين للاستعمار متماهين مع مخططاته ومستجيبين لأطماعه، جمعوا بين عدم الكفاءة والفساد والاستبداد.

الاغتيال الاقتصادي للدول الأفريقية

دفعت الدول الأفريقية الحديثة العهد بالاستقلال، من طرف مستشارين غربيين وخبراء البنك الدولي والنوادي المالية العالمية، إلى تبني مسارات تنموية أهملت الاستثمار في الإنسان، واعتمدت على الريع الذي يتيحه تصدير الخامات المعدنية والمنتوجات الفلاحية، وعلى تبني اقتصاد الفقاعات. والحصيلة أن هذا النموذج التنموي لم ينتج إلا الفقر والندرة في الموارد الأولية.

كما شُجعت الدول الأفريقية على الاقتراض، وحينما عجزت عن الوفاء بديونها، فُرِضت عليها سياسات التقويم الهيكلي، ثم تحويل الديون إلى استثمارات استفادت منها الشركات متعددة الجنسيات، وفُرِض عليها بعد ذلك بيع ما تبقى من المؤسسات المدرّة للأرباح تحت مسمّى الخصخصة، ما أفقد الكثير من دول أفريقيا التحكم في ثرواتها الطبيعية والمعدنية والفلاحية، ومنها من وصل إلى حافة الإفلاس الذي ترتبت عنه حالة من الاحتقان بين الحاكمين والمحكومين حينما تخلت الدول عن أدوارها الاجتماعية في مجالات حيوية كالصحة والتعليم والتشغيل.

اقرأ أيضاً: لماذا يجب على بريطانيا وفرنسا التخلي عن مقاعدهما الدائمة في مجلس الأمن؟

إجهاض الحلم الأفريقي بالانقلابات والتدخلات العسكرية

"معي أو ضدي" هذا هو الشعار الذي تبنته الدول الاستعمارية في علاقتها مع مستعمراتها القديمة. و"معي" تعني إطلاق يد الاستعمار في كل المجالات الحيوية التي تخدم مصالحه، أما الدولة فعليها أن تتحوّل إلى مجرد آلة أمنية لحماية مصالح الدول الاستعمارية، ولا يهم في هذا الصدد أن تنتهك حقوق الإنسان وأن يمارس الفساد من طرف الحكام. أما "ضدي" فتعني اختيار التحرر من الهيمنة الاستعمارية والرغبة في الاستفادة من ثروات البلاد وجعلها في خدمة التنمية الحقيقية وتوزيعها توزيعاً عادلاً.

حطمت أفريقيا الرقم القياسي في الانقلابات، إذ منذ ستينيات القرن العشرين، شهدت أزيد من 200 انقلاب عسكري (نحو 36.5% من الانقلابات التي عرفها العالم في هذه المدة). كما عرفت العديد من التدخلات العسكرية - خصوصاً إبان الحرب الباردة - قامت بها الجيوش الاستعمارية. وإذا كانت التدخلات تتم إما تحت ذريعة مواجهة الشيوعية أو لأسباب إنسانية أو تحت ذريعة "مكافحة الإرهاب"، فإن أهدافها كانت لأسباب متعددة منها:

- تقديم الدعم العسكري وحماية أنظمة موالية للاستعمار وفاقدة للشرعية السياسية.

- السيطرة على الثروات المعدنية والطاقية والمعادن النادرة.

- التمركز في المواقع الجيوسياسية، كالمضائق المائية (باب المندب والبحر الأحمر) لحماية مصالحها الاقتصادية واستثماراتها.

- محاصرة النفوذ الروسي والصيني في أفريقيا.

فرنسا رائدة التدخل العسكري في أفريقيا

للحفاظ على نفوذها الاستعماري في مستعمراتها الأفريقية، دعمت فرنسا العديد من الانقلابات العسكرية في دول حاولت التخلص من هيمنتها أو سلك حكامها نهجاً رأت فيه تهديداً لمصالحها. كما يسجل لفرنسا أنها تدخلت عسكرياً نحو أربعين مرة في أفريقيا طيلة 60 عاماً الأخيرة.

أسهمت في إسقاط حكومة باتريس لومومبا واغتياله، وتدخلت عسكرياً أكثر من مرة في هذا البلد، كما تدخلت في مالي والنيجر وجمهورية أفريقيا الوسطى وساحل العاج والغابون وجزر القمر، ولعبت دوراً عسكرياً بارزاً في الصراع بين الهوتو والتوتسي في رواندا والكونغو.

كما أسهمت في قيادة الحلف الأطلسي في التدخل العسكري في ليبيا أثناء ما سمي بـ"الربيع العربي" عام 2011، تحت غطاء حماية المدنيين. لكن يبدو أن هناك ثلاثة دوافع رئيسية تحكمت في مواقف فرنسا هي:

- التغطية على تلقي الرئيس الفرنسي ساركوزي رشاوى من الرئيس الليبي القذافي للقيام بحملته الانتخابية، وهو ما يعد جريمة في القانون الفرنسي.

- الاقتراب من مناجم الأورانيوم في النيجر ووضع اليد على آبار النفط في ليبيا.

- حماية "الفرنك الأفريقي"، العملة التي سكتها فرنسا عام 1945، تحت مسمى "فرنك المستعمرات الأفريقية الفرنسية"، وفرضتها على 14 دولة من مستعمراتها الأفريقية (بنين، بوركينا فاسو، ساحل العاج، غينيا بيساو، مالي، النيجر، السنغال، توغو، الكاميرون، جمهورية أفريقيا الوسطى، الكونغو، الغابون، غينيا الاستوائية وتشاد)، لضمان سيطرتها على الموارد المالية واقتصاديات هذه الدول.

وبغض النظر عن الموقف من معمر القذافي ومن الربيع الليبي، فإن الرئيس الليبي، يحسب له أنه سعى إلى إنشاء بنك أفريقي واعتماد عملة أفريقية موحّدة مدعومة بالذهب (الدينار الذهبي) لتشجيع الدول الأفريقية على التحرر من الفرنك الأفريقي، أي من الهيمنة الاقتصادية الفرنسية التي تحرم الدول المتعاملة بهذه العملة من نصف مداخلها من العملة الصعبة.

في عهد الرئيس سيكوتوري، قررت غينيا كوناكري سنة 1960 إصدار عملتها الخاصة، فما كان من فرنسا إلا أن خربت اقتصاد غينيا عبر إغراقها بأوراق نقدية مزيفة، وقد أقر بذلك الرئيس السابق لوكالة المخابرات الفرنسية بيير ميسمير في مذكراته.

في ديسمبر/كانون الأول 1984، تم اغتيال رئيس بوركينا فاسو توماس سانكارا مع 12 من مساعديه حينما عطل اتفاقيات التعاون مع فرنسا، وقد وُجهت أصابع الاتهام إلى فرنسا وشبكات نفوذها في مستعمرتها السابقة. هذا غيض من فيض.

اقرأ أيضاً: "فورين بوليسي": هل شارفت "أفريقيا الفرنسية" على نهايتها؟

الوجود العسكري البريطاني في أفريقيا

انتهجت بريطانيا إستراتيجية عسكرية زاوجت بين التدخل العسكري المباشر والتعاون المخابراتي والدفاعي المشترك وتبادل الخبرات والتدريبات، كما هي الحال مع مالاوي وسيراليون ونيجيريا. تدخلت عسكرياً في كينيا خلال الخمسينيات لسحق تمرد الماو ماو ضد وجودها الاستعماري، وتدخلت في سيراليون (2000) تحت ذريعة دعم الحكومة الشرعية ضد "الجبهة الثورية المتحدة"، وتدخلت في ليبيا (2011) في نطاق حلف "الناتو".

كما دعم الجيش البريطاني عسكرياً ولوجستياً، عملية "برخان" الفرنسية، و"تاكوبا" الأوروبية في منطقة الساحل، وعملية الاتحاد الأفريقي "أتميس" في الصومال.

يحتفظ الجيش البريطاني بوجود دائم في أفريقيا في كينيا نتيجة اتفاقية التعاون الدفاعي مع كينيا، وُقعت عام 2021، ويوجد أيضاً في جيبوتي في قاعدة "ليمونييه" الأميركية. ولبريطانيا قوات شبه عسكرية في الصومال، ويشارك بقوات ضمن بعثات حفظ السلام، في العديد من الدول الأفريقية، كمالي (2020 – 2022)، وجنوب السودان.

التدخلات العسكرية الأميركية في أفريقيا

اتهمت أميركا في المساهمة في العديد من الانقلابات والتدخلات العسكرية في أفريقيا. أسهمت في إسقاط حكومة باتريس لومومبا وفي المشاركة في الانقلاب الفاشل بالسيشل، وبتدخلاتها في جنوب السودان لدعم الانفصاليين ودعم التمرد في أكثر من دولة.

في 15 أبريل 1986؛ نفذت القوات الأميركية غارات جوية ضد ليبيا، كما تدخلت في الصومال (1992-1994). لكنها انسحبت سنة 1993 بعد حادثة "سقوط الصقر الأسود" (Black Hawk Down)، التي أدت إلى مقتل عدد من جنودها. ثم عادت في السنين الأخيرة لتنفذ ضربات جوية بطائرات من دون طيار ضد حركة الشباب الصومالية.

في منطقة الساحل (مالي، النيجر، بوركينا فاسو) نشرت أميركا قوات خاصة في النيجر في قاعدة طائرات من دون طيار بمدينة أغاديز استعملتها في قصف "داعش" و"القاعدة".

أما أهم وجود عسكري أميركي فيتمركز في القرن الأفريقي – جيبوتي في قاعدة ليمونيه (Camp Lemonnier)، والتي تُستخدم كنقطة انطلاق للعمليات العسكرية في القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية. وهي مقر القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا "أفريكوم" (AFRICOM) التي تولت تنسيق النشاطات العسكرية الأميركية في القارة.

كما يشمل الدعم الأميركي لنيجيريا ودول غرب أفريقيا التدريب والمساعدات العسكرية والاستخبارية، وتلعب طائراتها من دون طيار دوراً مهماً في مكافحة الجماعة المتطرفة في المنطقة.

شاركت سنة 2011، ضمن حلف "الناتو"، في إسقاط نظام معمر القذافي وتسليم ليبيا للفوضى الهدامة. وأياً تكون الأسباب المعلنة، فإن أميركا رأت في فكرة الدينار الذهبي تهديداً للدولار ونظام سويفت (SWIFT) للتحويلات المالية اللذين يمنحانها قوة هائلة لفرض العقوبات والتحكم في اقتصادات الدول.

دور المرتزقة في أفريقيا

مراراً، كانت الدول الاستعمارية تلجأ إلى المرتزقة لتحقيق أهدافها. ويعد المرتزق الفرنسي العقيد بوب دينار أو جيلبرت بورغود، أو سعيد مصطفى محجوب، من أشهر صانعي الانقلابات في أفريقيا على علاقة بالمخابرات الفرنسية، أدى عنها مهمات لا تستطيع فرنسا الرسمية القيام بها.

بدأت رحلته سنة 1960 بجانب مويس تشومبي بعد انفصال إقليم كاتنغا الغني بالمعادن عن الحكومة المركزية بقيادة الرئيس باتريس لومومبا، وقد اتُّهِم بالضلوع في قتل لومومبا. بعد ذلك، قاتل إلى جانب تشومبي ضد موبوتو (ثاني رئيس للكونغو)، ثم عاد وقاتل من أجل موبوتو ضد تشومبي، ثم ضد موبوتو مرة أخرى لصالح كاتنغا.

عام 1964، انتقل للعمل لصالح المخابرات البريطانية ضد مصر في حرب اليمن. قبل أن ينتقل إلى نيجيريا بين 1967 إلى 1970 للمشاركة في الحرب الأهلية النيجيرية بعد انشقاق بيافرا. كما شارك عام 1975 في الحرب الأهلية الأنغولية مسانداً لحركة يونيتا المدعومة من الغرب وجنوب أفريقيا العنصرية.

وعندما نُظِّم استفتاء تقرير المصير في جزر القمر عام 1974، صوَّت القمريون لصالح الاستقلال بنسبة 95%، باستثناء سكان جزيرة مايوت حيث صوّت 63.8% منهم ضد الاستقلال. رفضت فرنسا التنازل عن الجزيرة، لكن الرئيس القمري أحمد عبد الله بن عبد الرحمن تحداها بإعلان استقلال بلاده بجزرها كاملة، وهو ما أغضب فرنسا، فتكلَّف بوب دينار عام 1977، بإرغام الرئيس القمري على التنازل عن الحكم لصالح علي صويلحي. لكن، بعد توقف أحمد عبد الله عن مطالبته بجزيرة مايوت، عاد دينار عام 1978 ليسهم في الإطاحة بعلي صويلحي وتنصيب أحمد عبد الله، الذي كلفه بتنظيم الحرس الرئاسي والإشراف على الجيش القمري.

عام 1989، حل أحمد عبد الله الحرس الرئاسي، وسرعان ما اغتيل، ليقوم الرئيس القمري الجديد سعيد محمد جوهر بترحيل بوب دينار خارج البلاد، لكن سرعان ما استطاع هذا المرتزق الإطاحة به، ليحل محله الرئيس محمد تقي عبد الكريم، الذي منع بدوره دينار من العودة إلى البلاد، ليقتل هو الآخر عام 1998، ووجهت أصابع الاتهام إلى بوب دينار.

وإذا كانت فرنسا وبريطانيا قد لجأتا في بعض الأحيان إلى مرتزقة للقيام بالمهمات القذرة نيابة عنهما، فإن الولايات المتحدة وروسيا ستلجآن بعد ذلك إلى "شركات أمنية".

نحو فهم آليات الهيمنة للتحرر منها

وهكذا، تتبدى المعادلة الصعبة: فبينما أسهمت دماء وثروات المستعمرات بشكل حاسم في انتصار الحلفاء ونهوض أوروبا من تحت الأنقاض، كانت مكافأتها وعوداً مجوفة واستقلالاً شكلياً. لقد نجحت آليات الهيمنة الاقتصادية والعسكرية الجديدة، من الفرنك الاستعماري إلى دعم الانقلابات وشركات المرتزقة، في تحويل الحلم الأفريقي بالحرية والتنمية إلى واقع مرير من التبعية والصراعات. السؤال الذي يظل معلقاً: كيف يمكن لدول القارة اليوم، وهي أكثر وعياً بهذه الآليات، أن تنسج طريقاً حقيقياً للتحرر الاقتصادي والسياسي، وتقطع أخيراً حبال الوصاية التي ظلت تخنق أحلامها لعقود؟

اقرأ أيضاً: قصة ثلاث ديمقراطيات: بريطانيا وأميركا وفرنسا

اخترنا لك