صفقة النفط الفنزويلي بين غموض الاتفاق والمبالغة في التوقعات
تتباين الروايتان الأميركية والفنزويلية بشأن اتفاق يشمل 17 حقلاً نفطياً، وسط ترتيبات تمنح شركات وجهات أميركية حقوقاً اقتصادية وشرائية، بالتوازي مع تغييرات تطال النفط والغاز والذهب ومساراً سياسياً جارياً في فنزويلا.
-
منصات النفط في كابيمس، ولاية زوليا. فنزويلا. 31 كانون الثاني/يناير 2026. (أ. ف. ب)
في الثامن والعشرين من آب/أغسطس الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصته الرقمية ما اعتبره "أكبر صفقة نفط في تاريخ العالم"، قائلاً إن الولايات المتحدة أحكمت السيطرة على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة في فنزويلا من دون أن يدفع دافع الضرائب الأميركي دولاراً واحداً، وإن الصفقة تضاعف الاحتياطيات الأميركية وتخفّض أسعار الوقود. وبعد ثلاثة أيام نشر البيت الأبيض مذكرة حقائق تفيد بأن السلطات الانتقالية في كاراكاس منحت شركة "نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز" امتيازات لمئة عام في 17 حقلاً، وأن الاتفاق الذي وقّعه وزيرا الخارجية والحرب يمنح الحكومة الأميركية حقوق حوكمة وملكية اقتصادية وحق شراء مضمون بتكلفة منخفضة.
لكن في مساء التاسع والعشرين من الشهر ذاته، خرجت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز في خطاب متلفز حمل أرقاماً مختلفة. فقد تحدثت عن مشروع مدته 25 عاماً فقط يشمل 17 حقلاً، يجتذب أكثر من 100 مليار دولار استثمارات، ويستهدف إنتاجاً يتجاوز مليوناً ونصف مليون برميل يومياً، ويدرّ على الخزانة نحو 209 مليار دولار من الضرائب والإتاوات محسوبة على سعر مرجعي قدره 65 دولاراً للبرميل. وقالت إن هذا يعني أن نحو 19 دولاراً تدخل البلاد مباشرة عن كل برميل يُنتج ويُباع. وأوضحت أن ثمانية من المشاريع بلوكات بكر في حزام أورينوكو بإتاوة لا تقل عن 16% وضريبة دخل قدرها 34%، مؤكدة أن البلاد تحتفظ بملكية مواردها وبسيادتها عليها.
ولم يبقى الفارق بين الروايتين محصوراً في الأرقام، فبينما كتب ترامب أن بلاده دخلت في اتفاق مع دولة فنزويلا بالعمل الوثيق مع رودريغيز، أصدر البيت الأبيض في الثاني من الشهر الجاري بياناً يردّ فيه على الانتقادات، ويقول إن هذا اتفاق مع شركة خاصة لا مع الحكومة الانتقالية، وإن المفاوضات لم تتضمن أي مسار سياسي، وإن العقد خاضع للقانون الأميركي، وإن أي مبالغ تخصصها الشركة للشركة الوطنية الفنزويلية ستمر عبر حساب تديره واشنطن وتدقّقه. وكرّر روبيو الصيغة نفسها في مقابلة بالإسبانية مع صحافي فنزويلي مقيم في ميامي، فيما أبلغ مسؤول أميركي موقع "نوتس" أن التعاقد جرى مع كيان مسجَّل في جزيرة بربادوس (وهي ملاذ ضريبي في شرق الكاريبي) وأنه "لا يرسّخ الحكومة القائمة" ولا يعرقل "الانتقال السياسي الموعود".
"ما يحدث في #فنزويلا يكشف عن عقلية الولايات المتحدة في استغلال الدول الأخرى، لخدمة مصالح شركات النفط الأميركية"
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) August 31, 2026
المدير المساعد لشبكة أيزنهاور الإعلامية ماثيو هوه#الولايات_المتحدة pic.twitter.com/mfkSnolUOP
النفط الفنزويللي في قبضة "الشركات الخاصة"
أقرّت الجمعية الوطنية الفنزويلية الاتفاق في جلسة استثنائية في الأول من أيلول/سبتمبر الجاري، وبعد ذلك بيوم واحد، وبحضور وزير الطاقة الأميركي في كاراكاس، حصلت شركة "إيني" الإيطالية على صفة المشغّل الحصري لحقل "خونين" الخامس لخمسة وعشرين عاماً، بديلاً من شركة مختلطة كانت تملك فيها 40% مقابل 60% للطرف الفنزويلي. وفي اليوم نفسه أعلنت شركة "جيوبارك" الكولومبية دخولها إلى حقل "باري" في حزام أورينوكو بعقد مشاركة إنتاجية للمدة نفسها، يموّل فيه المشغّل 100% من الاستثمارات الرأسمالية مقابل حصة اقتصادية صافية قدرها 65%، مع حقوق التسويق المباشر والوصول إلى البنية التحتية. وهذه الصيغة التعاقدية ليست جديدة، فقد فعّلتها كاراكاس من قبل في نيسان/أبريل عام 2024 على حقل "زامورا" فارتفع إنتاجه من عشرين ألف برميل إلى أكثر من مئة ألف.
وفي الأول من أيلول/سبتمبر الجاري كشف موقع "أكسيوس" أن مسؤولاً أميركياً قال إنه لولا أليخاندرو بيتانكور لما وُجد اتفاق للطاقة، وإنه كان على الهاتف مع الوسيط غير الرسمي لملف فنزويلا لدى ترامب ومع رودريغيز في وقت واحد، في أعقاب اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو يوم الثالث من كانون الثاني/يناير الماضي. وبيتانكور هو رجل أعمال فنزويلي يملك شركة "نابيب" التي تأسست في نيسان/أبريل عام 2024 وستشغّل الحقول السبعة عشر التي تشملها الصفقة، منها أربعة عشر عقداً مُنحت لها حديثاً من دون عملية تنافسية. وكانت مجموعته "ديرويك" قد حصلت بين عامي 2009 و2011 على أحد عشر عقداً بلا مناقصة لبناء محطات كهرباء بقيمة تقارب خمسة مليارات دولار، قُدِّر الزائد عن تكلفتها بنحو 2.9 مليار دولار. وفي حزيران/يونيو الماضي أعادت المحكمة الوطنية الإسبانية فتح ملف يتهم بيتانكور بالاحتيال في عمليات صرف قيمتها 4.85 مليار دولار، بعدما طلب مسؤولون أميركيون من السلطات السويسرية تعليق تحقيقها معه.
الأكثر إثارة للجدل في الصفقة، حسب ما ورد في مذكرة البيت الأبيض، هو أن "مكتب رأس المال الاستراتيجي" (ذراع تمويلية داخل وزارة الحرب) يحصل على حقوق في حصة قدرها 35% لا في شركة "نابيب" نفسها بل في الشركة الأم المالكة لها (التي بقيت هويتها مجهولة)، فيما تحصل وزارة الخارجية على حق شراء 20% من الإنتاج بسعر التكلفة وأولوية شراء ما تبقى، أي ما عدّه مسؤول في البيت الأبيض نسبة 55% من الإنتاج الفعلي. وكان المتحدث باسم البنتاغون قد نفى قبل يومين من نشر المذكرة أن يأخذ المكتب حصص ملكية في شركات خاصة، قائلاً إن دوره يقتصر على القروض والضمانات والمساعدة الفنية. لكن المذكرة بيَّنَت خلاف ذلك، كما أفاد مسؤول أميركي في الرابع من أيلول/سبتمبر الجاري بأن هذه الحصة رُتّبت عبر "أذونات شراء بسعر رمزي تحميها من التخفيف" عند جمع رؤوس أموال جديدة.
وفي موازاة ذلك، يسري حتى السابع عشر من الشهر الجاري ترخيص أميركي يعلّق تنفيذ حكم ببيع شركة "سيتغو" الفنزويلية (شركة مملوكة للدولة وتخضع أسهمها لإجراءات بيع قضائية لصالح دائني فنزويلا) واتُّفق على أن تُودَع حصيلة 31 طناً من الذهب الفنزويلي المحتجز في "بنك إنجلترا"، عند الإفراج عنها، في حسابات الخزانة الأميركية. كما سبق أن مُنح تحالف يضم شركة "بي بي" البريطانية وشركة "إكس آر جي" الإماراتية وشركة "يو سي سي" القطرية رخصة المرحلة الثانية من حقل "لوران" الغازي في الثالث عشر من الشهر الماضي، من دون احتفاظ شركة النفط الوطنية الفنزويلية بحصة في التحالف، على أن يُسال الغاز ويُصدَّر عبر منشآت في ترينيداد. وتكشف هذه الترتيبات أن إعادة توزيع العوائد والأصول الفنزويلية لا تقتصر على النفط الخام وحده، وإنما تمتد أيضاً إلى الذهب والغاز وغيرها من مصادر الدخل.
يستند هذا كله إلى الأمر التنفيذي 14373 الصادر في التاسع من كانون الثاني/يناير الماضي، الذي أنشأ حساباً في الخزانة الأميركية تُودَع فيه عائدات النفط الفنزويلي وحصّنه من أي حجز قضائي. وقال ترامب في تموز/يوليو الماضي إن مبيعات النفط تجاوزت ثلاثة عشر مليار دولار منذ مطلع العام وإنها "سدّدت تكلفة الحرب مرات عدة"، في إشارة إلى العدوان العسكري على فنزويلا وعملية اختطاف مادورو، فيما لم تتمكن صحيفة "فايننشال تايمز" من تتبّع سوى ثلاثمئة مليون دولار عادت فعلاً إلى كاراكاس. وفي الثاني من أيلول/سبتمبر الجاري مُدّدت الآلية نفسها إلى الذهب والفحم عبر ثلاثة تراخيص جديدة، فصار كل دفع لجهة فنزويلية محظورة يمر عبر الحساب ذاته، مع حظر أي تعامل يشمل الصين وروسيا وإيران وكوبا، وإلزام المورّدين بتقارير كل تسعين يوماً.
ومن أصل أربعة عشر عقداً جديداً في الصفقة، كانت خمسة تديرها شركات صينية وواحد شركة روسية، بينها مشروعان لشركة معاقبة أميركياً منذ عام 2019 بسبب أنشطة تتصل بإيران. ومذكرة البيت الأبيض نفسها تحمل عنواناً فرعياً يعلن إعادة تثبيت عقيدة مونرو وطرد الخصوم الأجانب من نصف الكرة الغربي. وكانت واردات الصين من الخام الفنزويلي قد هبطت بنحو 74% لتستقر عند 166 ألف برميل يومياً، بعدما كانت بكين قد أقرضت كاراكاس ما بين عشرة واثني عشر مليار دولار بضمان النفط. وقد ردّت الخارجية الصينية بأن حقوق بكين ومصالحها المشروعة في فنزويلا يجب أن تُصان وأن التعاون بين البلدين محمي بالقانون الدولي، فيما أعلنت شركة "روس زاروبيجنيفت" أن أصولها هناك ملك للدولة الروسية. وقد صرَّحَت وزيرة المحروقات الفنزويلية باولا هيناو في السادس من أيلول/سبتمبر الجاري بأن الشركات المختلطة مع الصين وروسيا تحتفظ بتراخيصها وستواصل نشاطها، وأن كاراكاس تحترم جداً هذه الاتفاقات.
يظهر الدافع المادي لهذه الصفقة في أرقام واردات الولايات المتحدة من الخام الفنزويلي التي ارتفعت من 3.9 ملايين برميل في كانون الثاني/يناير الماضي إلى 18.8 مليون برميل في أيار/مايو الماضي، وبلغ المعدل اليومي في حزيران/يونيو الماضي 575 ألف برميل، وهو الأعلى منذ عام 2018. وتستقبل تكساس 43% من هذه الشحنات ولويزيانا 39%، لأن الصناعة الأميركية أنفقت نحو مئة مليار دولار بين عامي 1990 و2010 على وحدات تفحيم (تحويل حراري يكسر الفئات الثقيلة إلى منتجات أخف) صُمّمت لهذا النوع من الخام تحديداً. وقد تضاعفت الواردات أربع مرات تقريباً بعدما أوقف إغلاق مضيق هرمز تدفق الخام العراقي والسعودي إلى ساحل الخليج الأميركي، فأزاحت فنزويلا المكسيك عن موقع أكبر مورّد لاتيني لمصافي تكساس ولويزيانا.
احتجاجات في شوارع كراكاس ضد الاتفاق النفطي بين فنزويلا وواشنطن
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) August 31, 2026
تقرير: علي حجازي#فنزويلا pic.twitter.com/ESkEcg9A1C
مواصفات تعرقل التطلعات
وكتب ترامب في الثلاثين من آب/أغسطس الماضي أن عملية ملء الاحتياطي الاستراتيجي ستبدأ قريباً جداً، واصفاً النفط الفنزويلي بأنه "هدية للشعب الأميركي". لكن مواصفات الاحتياطي المعلنة من وزارة الطاقة تشترط كثافة ونسبة كبريت لا يستوفيهما الخام الفنزويلي. ولذلك أوضح وزير الطاقة كريس رايت وهو على متن طائرته العائدة من كاراكاس أن الآلية ستكون مقايضة تسلّم فيها الشركات الأميركية الخام الفنزويلي إلى المصافي ويُودَع في الاحتياطي خام أميركي خفيف أو متوسط بديلاً عنه، وأن تأثير ذلك على أسعار الوقود داخل بلاده سيحتاج إلى ما بين اثني عشر وأربعة وعشرين شهراً. وفي الرابع من أيلول/سبتمبر الجاري، أي بعد أسبوع من إعلان الصفقة، سجّل الديزل الأميركي رقماً قياسياً مطلقاً عند 5.85 دولار للغالون، ثم بلغ خام برنت في السابع من الشهر ذاته 97 دولاراً، وهو الأعلى منذ شهر تموز/يوليو الماضي.
يوضح القياس التاريخي حجم هذا التحول الجاري في نفط فنزويلا، ففي "الانفتاح النفطي" خلال التسعينيات جرت ثلاث جولات مناقصات علنية أثمرت اثنتين وثلاثين اتفاقية تشغيل وأربع شراكات في حزام أورينوكو بمشاركة خمسين شركة من خمس عشرة دولة، وخُفضت الإتاوة إلى ما بين 1% و16.6% وضريبة الدخل إلى 34%. ثم رفع تشافيز الإتاوة إلى 30% كحد أدنى وضريبة الدخل إلى 50% ثم 60% في الحزام، مع مساهمة خاصة تقتطع 50% من الفائض فوق سبعين دولاراً للبرميل، فبلغت حصة الدولة من الريع ما بين 80% و90%. أما تعديل قانون المحروقات الذي جرى في نهاية كانون الثاني/يناير الماضي فقد ألغى ضريبة الاستخراج البالغة 33.3% واستبدلها بضريبة متكاملة لا تتجاوز 15% يملك الرئيس تعديلها أثناء سريان العقد.
وداخل التيار البوليفاري نفسه، وصف المكتب السياسي للحزب الشيوعي الفنزويلي الاتفاق بأنه "سلب مغلَّف بخطاب تقني"، مشيراً إلى أن القائمة المتداولة لا تضم حقولاً بكراً حصراً بل حقولاً ثبت فيها وجود النفط. وقالت إيريس فاريلا، عضو الجمعية الوطنية الفنزويلية، إن "الاتفاق أُبرم تحت الإكراه" ويشوبه عيب استناداً إلى المادة 339 من الدستور، فيما اعتبره رافائيل راميريز، وزير النفط في عهد تشافيز، تنازلاً عن السيادة على أكثر من 23% من الاحتياطيات. وجاءت تظاهرت "الجبهة الشعبية المناهضة للإمبريالية" في كاراكاس على مدار أيام مطالبةً باستشارة الشعب في هذا الصدد، وقال أحد قياداتها إن "الحكومة نفسها ضحية لما يجري".
"صفقة النفط بين #فنزويلا والولايات المتحدة تمنح شركات أميركية حق تشغيل جزء كبير من الحقول النفطية الفنزويلية لعقود طويلة"
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) August 29, 2026
التفاصيل مع، مدير مكتب الميادين في فنزويلا، علي حجازي👇#الولايات_المتحدة @AHIJAZY7 pic.twitter.com/R5K3cGp5AM
الولايات المتحدة تسعى لفرض سلطتها على الأميركيتين في ظل الفوضى العالمية
يجري هذا كله في لحظة إقليمية شديدة الاختلال. ففي السابع من آذار/مارس عقدت واشنطن قمة "درع الأميركتين"، التي جمعت عدداً من الحكومات اليمينية الحليفة لواشنطن في إطار ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في نصف الكرة الغربي، وانضمت إليها كولومبيا في آب/أغسطس الماضي بعد وصول اليمين إلى الرئاسة، إلى جانب الأرجنتين والإكوادور وبوليفيا وبيرو وغيرها. وحتى الخامس والعشرين من الشهر الماضي كانت العملية العسكرية الأميركية في الكاريبي قد قتلت 227 شخصاً في 68 ضربة. وتوقفت شحنات النفط الفنزويلي إلى كوبا تماماً مع عدوان الثالث من كانون الثاني/يناير الماضي بعدما كانت تناهز 46 ألف برميل يومياً، فانهار النظام الكهربائي الكوبي بالكامل في السادس عشر من آذار/مارس الماضي في أول انقطاع شامل في الجزيرة هذا العام.
وتتجلّى الوظيفة الاستراتيجية للصفقة بوضعها في سياق إغلاق مضيق هرمز الذي يمر من خلاله خُمس الإمدادات العالمية، وهبوط الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي دون ثلاثمئة مليون برميل للمرة الأولى منذ عام 1983، وارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة قبل انتخابات نصفية حاسمة. وفنزويلا هي المصدر القريب الوحيد الذي يلائم خامه بنية تكرير أميركية أُنشئت لأجله أصلاً. لكن التبرير المعلن في مذكرة البيت الأبيض لم يكن اقتصادياً فحسب، وإنما أيضاً عقائدياً، إذ أُدرج طرد الشركات الصينية والروسية تحت عنوان إعادة تثبيت عقيدة مونرو. وقاد تراجع قوى اليسار في القارة إلى إزالة أي ثقل مقابل يستطيع رفع تكلفة هذا الترتيب الجاري، فمرّ من دون اعتراض إقليمي يُذكر ومن دون أن يجد حكومة واحدة مستعدة لدفع ثمن رفضه.
ويستحق تسلسل الخطوات السياسية الموازية لمجريات هذه الصفقة الانتباه، ففي السادس من آب/أغسطس الماضي انطلقت طاولة تفاوض برعاية أميركية معلنة بين الحكومة الحالية وعدد من أعضاء الجمعية الوطنية المنتخبة عام 2015 (التي حقق فيها اليمين الأغلبية لأول مرة منذ صعود تشافيز)، واتفق الطرفان على الشروع في إعادة تشكيل المحكمة العليا، على أن تُشكَّل المحكمة الجديدة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، فيما يقضي الجدول الزمني المعلن للعملية بتجديد المجلس الانتخابي الوطني في كانون الأول/ديسمبر المقبل، في وقت قال فيه ترامب مستهل الشهر الجاري إن الفنزويليين ليسوا مستعدين بعد للانتخابات.
وتكتمل الخريطة مع هذا المسار السياسي المتزامن مع خطوات اقتصادية موازية تعيد رسم خريطة السيطرة على أصول وموارد فنزويلا. لكن الصفقة الأخيرة وما يتصل بها موضوع مازال غامضاً إلى حد كبير، إذ لم يُنشر نص الاتفاق حتى الآن بعد أكثر من أسبوع على إعلانها، والطرفان يختلفان علناً على مدته بين خمسة وعشرين عاماً ومئة عام، وعلى صفته بين اتفاق بين دولتين وصفقة مع شركة خاصة. والجدير ذكره أخيراً أن الشركة المتعاقدة على الحقول السبعة عشر التي تشملها الصفقة كانت تنتج في حزيران/يونيو الماضي 104 آلاف برميل يومياً وتستهدف 192 ألفاً بحلول عام 2030، وهو رقم بعيد عن المليون والنصف المعلنة. ويكشف هذا الفارق أن الزيادة الإنتاجية المتوقعة من الصفقة لا تزال دون حجم الطموح المعلن، وأن تحويل الاحتياطيات الهائلة التي تتحدث عنها واشنطن إلى إنتاج فعلي سيحتاج إلى استثمارات وزمن أكبر بكثير مما توحي به لغة الإعلان.