رسائل طهران النووية: تعاون بلا تنازل
إيران تجدد استعدادها للتعاون النووي لإزالة المخاوف الغربية، مع رفض أي تنازل عن حقها في التخصيب، وربط التعاون مع الوكالة باحترام الحقوق ووقف التهديدات.
-
بهروز كمالوندي، المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية
في خضمّ اشتباك مفتوح بين منطق القوّة ومنطق التفاوض، تعود طهران لتتحدث بلغة محسوبة وتبعث برسائل دقيقة، حيث قال بهروز كمالوندي، المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، في مقابلة مع وكالة "إيسنا" الإيرانية: "إذا كانت لدى الدول الأوروبية والولايات المتحدة مخاوف مشروعة، فإنّ إيران مستعدة للتعاون من أجل إزالتها".
أول ما يلفت في تصريحات كمالوندي هو تثبيت الخطوط الحمر بوضوح، خصوصاً عندما شدد على أنّ النقطة الأهم بالنسبة إلى التفاوض هي أن يقتنع الطرف المقابل بأنّ المطالب التي تدور في أذهانهم بشأن إيران وبرنامج التخصيب، ولا سيما التخصيب الصفري، غير قابلة للتحقق.
هذا الموقف لا يُقدَّم بوصفه موقفاً أيديولوجياً، بل حقيقة واقعية أثبتتها التجربة، في رسالة مفادها أنّ الزمن تجاوز منطق الإملاءات، وأنّ أيّ تفاوض جاد يجب أن ينطلق من الاعتراف بالقدرات القائمة لا السعي لمحوها. هنا تعيد طهران تعريف مفهوم الضمانات الغربية، من مطلب إلغاء القدرة إلى توازن مصالح وضبط سلوك.
وأشار كمالوندي أيضاً إلى أنّ التجارب السابقة من أعمال التخريب والهجمات على المنشآت النووية أظهرت أن الصناعة النووية الإيرانية، بعد كل ضرر وهجوم، لم تتوقف، بل أُعيد بناؤها بقوة وبجودة أعلى.
وهو ما يمثل بُعداً ردعياً هادئاً للتأكيد على فشل استراتيجية الضغط الأمني، والإيحاء بأن الاستمرار في هذا المسار لن يغيّر النتائج بل سيعقّدها.
وفيما يخصّ التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أوضح المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية: "في الوقت الراهن، وبالاستناد إلى قانون مجلس الشورى وقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي، يتم بحث طلبات الوكالة والاستجابة لها، لكن إذا كان من المقرر الاستمرار في التعاون مع الوكالة، فلا بدّ من التوصل إلى حل عبر التشاور والمباحثات"، مشدداً على أهمية أخذ ملاحظات إيران بعين الاعتبار في المفاوضات.
إنّ ربط التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بقوانين البرلمان وقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي، ينقل الملف من مستوى التفاهمات الظرفية إلى مستوى السيادة المؤسسية، ويقلّص هامش الابتزاز السياسي. فالتعاون قائم، لكنّه مشروط، وقابل للتوسيع أو التقليص تبعاً لسلوك الطرف المقابل.
وأضاف كمالوندي أنّه إذا توقفت التهديدات العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، وتمّ احترام حقوق إيران في الملف النووي، ولا سيما فيما يتعلق بالتخصيب، فإنّ ظروف التعاون مع الوكالة ستعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
هذا الخطاب يعكس سردية تفاوضية جديدة تقوم على التعاون المشروط وعدم التنازل عن الثوابت النووية والسياسية.
وتصريحات بهروز كمالوندي، المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، لا تأتي بوصفها شرحاً تقنياً لملف شائك، بل كوثيقة سياسية غير معلنة تعكس كيفية رؤية إيران للصراع النووي وحدود التسوية الممكنة فيه، في لحظةٍ إقليمية ودولية تتسع فيها رهانات الضغط.