حالة إحباط شامل.. لماذا تتزايد المشكلات المعيشية والخدمية في تونس؟

حالة من الإحباط الشامل والقلق تسود الشارع التونسي، أصبحت أكثر وضوحاً وعلنية منذ أسابيع طويلة.. مراسل الميادين في تونس يستعرض أبرز ما في المشهد.

  • حالة إحباط شامل.. لماذا تتزايد المشاكل المعيشية والخدمية في تونس؟
    من مظاهرة سابقة نظمها سكان العاصمة احتجاجاً على "غلاء المعيشة وتردي الأوضاع" (أ.ف.ب)

حالة من الإحباط الشامل والقلق تسود الشارع التونسي، أصبحت أكثر وضوحاً وعلنية منذ أسابيع طويلة، إذ على الرغم من أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والخدمية في البلاد لم تتوقف عن التعثر، ووصلت إلى حد التردي في مجالات كثيرة، كالصحة والنقل، إضافة إلى التضخم الذي بلغ أوَجه عام 2022، وبعض الأزمات العابرة كأزمة انقطاع البنزين منذ 3 سنوات، وغلاء غير مسبوق لأغلب المنتوجات الضرورية، إلا أن ما شهدته تونس خلال هذا الصيف يجمع المواطنون على أنه "غير مسبوق".

أزمات كهرباء وماء

بدأ الأمر عندما تفاجأ التونسيون بانقطاعات متكررة ومطولة للكهرباء، خاصة خلال موجه الحر العنيفة التي تعرفها تونس، إلى أن وصل الأمر إلى حد إصدار شركة الكهرباء قوائم يومية للمناطق والمحافظات التي سيشملها القطع.

صحيح أن قطع الكهرباء أمر يحدث في تونس، ولكنه كان محدوداً في الزمان والمكان، والجديد أن الأمر أصبح ممنهجاً وأُجبر التونسيون على التعامل معه.

وفي خضم أزمة الكهرباء، يُفاجأ التونسيون بفقدان قوارير مياه الشرب من الأسواق. قد يبدو الأمر غريباً، ولكن المواطن التونسي أصبح يجوب المحال تحت أشعة الشمس، أو ينتظر الطوابير من أجل الحصول على قاروة مياه أو بضع قوارير في مشهد سريالي لم تشهده البلاد في تاريخها.

هذه الأوضاع دفعت الرئيس قيس سعيد إلى القيام بجولة ليلية شملت معملاً للمياه، حيث تحدث مطولاً عن وجود لوبيات تريد الإضرار بالمواطن والدولة، لكن الجملة التي بقيت عالقة في أذهان التونسيين هي: "الوضع العام غير طبيعي"، من دون أن يُقدم حلولاً للمشكلات الحياتية العاجلة، وهو أمر خلق نوعاً من الإحباط لدى جانب من التونسيين، حيث بدا الأمر وكأن الدولة عاجزة عن إيجاد الحلول.

وهنا كثرت التساؤلات في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي: "هل توجد بالفعل مشكلات هيكلية ومالية تجعل الدولة عاجزة عن  معالجة هذه الأوضاع؟ وهل يجب على التونسي أن يتجهز لأزمات من هذا النوع أو أكثر خطورة حتى في المستقبل؟ أم أنه بالفعل يوجد مضاربون يسعون لإضعاف شعبية السلطة وخلق رأي عام معارض لها؟ ولماذا أصبحت الدولة بهذا العجز؟

تشير المعطيات المتقاطعة إلى أن انقطاع الكهرباء سببه تقاعس الحكومات المتعاقبة في إنشاء محطات جديدة لمجابهة الطلب السنوي المتزايد على الطاقة الكهربائية نتيجة ضعف الموارد المالية للدولة، أما شح مياه الشرب، فكان نتيجة مباشرة لقانون منع الاحتكار الذي حال دون تخزين كميات كبيرة من قوارير المياه، إضافة إلى الانقطاعات المتكررة للكهرباء، حيث تضررت الدورة الصناعية لمعامل المياه، أما ارتفاع أسعار لحوم الدجاج فهو نتيجة مباشرة أيضاً لانقطاع الكهرباء، حيث تكبدت المداجن خسائر كبيرة بعد نفوق الآلاف منها.

صمت رسمي في مواجهة الأزمات

ما يزيد من إحباط التونسيين هو غياب أي سياسة اتصالية من قبل السلطة، حيث لا تزال الحكومة برئيستها ووزرائها يلتزمون الصمت التام في مواجهة الأزمات، أما تدخلات رئيس الدولة فلا تقدم إجابات مقنعة أو تشخيصاً للأوضاع، عدا  اتهام المخربين والمضاربين واللوبيات والمعارضين الذين يسعون لـ "بث البلبلة"، حسب تصريحات الرئيس التونسي.

هذا التعامل الرسمي مع الأزمات المعيشية الذي يعتمد على الصمت وصفه مواطنون وسياسيون معارضون بأنه "سياسة إنكار قد تكون تكاليفها باهظة"، إذ إن غياب أي سردية حكومية مقنعة ومتماسكة توضح الأسباب والمسببات والحلول، قد يزيد من الضبابية لدى المواطن، وقد يسهم أيضاً في زيادة الارتباك الاجتماعي والتهافت على المواد المفقودة، وبالتالي يصبح المشهد شبيهاً بكرة الثلج التي تكبر وسط الصمت التام من الحكومة وعجز الإعلام العمومي والخاص عن طرح المشكلات بجدية وصراحة نتيجة الخوف من القوانين الجديدة التي تسلط عقوبات سجنية ثقيلة على من ينشر معطيات مغلوطة أو غير دقيقة، وهي تهم فضفاضة تقول المعارضة إنها وُضعت عمداً لإفراغ الفضاء العام الإعلامي والافتراضي من محتواه، ومنع النقاشات السياسية والاقتصادية التي تهم المواطن.

في المحصلة، كان كلام الرئيس التونسي وهو يصف الوضع الحالي بمنزلة اعتراف من أعلى هرم السلطة، بأن الأمور لا تسير كما ينبغي، من دون أن يقر بمسؤولية حكومته، وهو ما دعا موالين للرئيس إلى المناداة بإجراء تحوير حكومي شامل لإصلاح مكامن الخلل، ولكن، لا يبدو أن أي تحوير حكومي سيكون له صدى كبير، باعتبار أن 4 رؤساء حكومات قد تداولوا على رئاسة الحكومة منذ إمساك الرئيس سعيد بزمام الأمور عام 2021، ولم يحسّن ذلك من واقع الخدمات العامة والاقتصاد الكلي. 

اقرأ أيضاً: الهجرة غير الشرعية في تونس: غرق المركب فطفت من جديد قضية التنمية وتشغيل الشباب

اخترنا لك