جنوب لبنان... احتلال إسرائيلي بثلاثة خطوط؟

في محاولة لنيل شرعية لوجوده كقوة احتلال في لبنان يسعى "الجيش" الإسرائيلي إلى تسويق فكرة "انسحاب" من الخط الأصفر إلى منطقة أمنية أصغر تحت مسمى "الخط الرمادي"، لتفادي المطالبات الدولية بالانسحاب إلى خلف الخط الأزرق.

  • جنوب لبنان... احتلال بثلاثة خطوط
    جنوب لبنان... احتلال إسرائيلي بثلاثة خطوط؟

لم يكن إعلان "إسرائيل"، مطلع أيلول/سبتمبر، فرض "السيطرة العملياتية" على تلة علي الطاهر سوى وجه واحد لمشهد أوسع أخذ يتشكل في جنوب لبنان. فالتلة، التي ترتفع نحو 600 متر وتبعد قرابة 15 كيلومتراً عن الحدود، تمنح موقعاً مشرفاً على المنطقة، وتربط المواقع الجنوبية بإقليم التفاح.

وفي حين ادعى "الجيش" الإسرائيلي أنه أخلى شبكة أنفاق تحتها من مقاومي حزب الله، لم يصدر بعد أي تعليق من قبل المقاومة في لبنان، فيما قال مسؤول عسكري لبناني إن القوات الإسرائيلية تسيطر على المداخل الجنوبية وتراقب الشمالية بالمسيّرات، بينما لم يتضح مدى توغلها داخل الشبكة.

وفي الوقت نفسه امتدت الغارات الإسرائيلية إلى ما وراء "منطقة الاحتلال البري"، حيث دمر "جيش" الاحتلال مستشفى غندور في النبطية الفوقا، وأصاب مبنى وزارة المالية ومنشآت ومنازل مدنية. وعلى الرغم من الادعاء الإسرائيلي بأن المستشفى استُخدم كمركز قيادة لحزب الله، إلا أنّ الاستهداف من دون تقديم أي دليل، يترك للاحتلال حرية الاعتداء على البنى التحتية المدنية بمجرد الادعاء.

وفي كفر رمان، في قضاء النبطية، استشهد صباح اليوم، 7 أيلول/سبتمبر، 11 شخصاً، بينهم طفلان ومسعفان، وفق الوكالة الوطنية للإعلام.

تأتي هذه التطورات بينما تبحث "إسرائيل"، وفق ما نقلته هيئة البث "كان 11" عن مسؤولين أمنيين، تقليص المنطقة التي تحتلها حالياً إلى شريط بعمق ثلاثة إلى أربعة كيلومترات، يتبع ما سُمي "الخط الرمادي"، وتُبنى داخله بنية عسكرية جديدة. المشروع لم يحصل بعد على الموافقة السياسية، لكنه يعيد طرح سؤال أبعد من حجم الانسحاب: هل تتراجع "إسرائيل" من جنوب لبنان أم تعيد تشكيل احتلاله؟

جنوب لبنان بين ثلاثة خطوط

بعد الحديث الأخير عن "الخط الرمادي"، بات الجنوب، اليوم، محكوماً بثلاثة خطوط متفاوتة جذرياً في وضعها. الأول هو الخط الأزرق، الذي وضعته الأمم المتحدة عام 2000 للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي؛ وهو ليس حدوداً دولية نهائية، لكنه المرجعية الأممية العملية بين لبنان وكيان الاحتلال.

أما الخط الأصفر فأعلنه "الجيش" الإسرائيلي خلال الحرب الحالية، ونشر في نيسان/أبريل خريطة لمنطقة أمنية يصل عمقها إلى عشرة كيلومترات، مع نحو عشرين موقعاً عسكرياً جديداً، وهو جزء من الرؤية الأمنية الإسرائيلية الجديدة، التي تقول إن "الحدود الأمنية لإسرائيل" تتسع إلى حيث يقدر جنودها على الوصول. وهذا النموذح قدّمت له حكومة الاحتلال صورةً واضحةً في قطاع غزة، حيث لا يزال الخط يمتدّ ويتسع إلى اليوم طارداً من داخله العائلات الفلسطينية، ومخلفاً وراءه أرضاً جرداء جراء أعمال التجريف. 

والخط الثالث، "الرمادي"، ليس حتى الآن خطاً رسمياً، بل مشروعاً إسرائيلياً لتقليص ذلك العمق.

إلا أنّ تقليص مساحة الاحتلال، لا يعني حكماً تقليص نطاق القوة. فالسيطرة على مرتفعات مثل علي الطاهر، مع المواقع المحصنة والمسيّرات والاستطلاع والتفوق الجوي، تتيح نظرياً الاحتفاظ بشريط بري أصغر مع إبقاء مناطق أمنية أوسع تحت المراقبة والنيران.

حزام أمني جديد قيد التشكل

يستحضر السلوك الإسرائيلي الحالي، في جنوب لبنان، نموذج "الحزام الأمني" الذي انتهى عام 2000. مع الإشارة إلى أنّ الحزام القديم اعتمد على انتشار بري طويل الأمد، و"جيش لبنان الجنوبي" (ميليشيا لحد)، ووجود سكاني داخل المنطقة؛ أما الحزام المحتمل اليوم فيستطيع الاعتماد على قوات أقل، ومواقع أكثر تحصيناً، وسيطرة جوية ونارية أكبر. وفي تموز/يوليو، نقلت "رويترز" عن جنود إسرائيليين خدموا في الحزام السابق مخاوف من تكرار التجربة، بينما وصف رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، المناطق الأمنية الجديدة بأنها "تحول في النموذج". 

فالمنطقة الحالية، بحسب "رويترز"، أصبحت في معظمها خالية من المدنيين اللبنانيين بعدما دُمرت قرى واسعة، فيما بقي أكثر من 340 ألف شخص نازحين في الجنوب مطلع أيلول/سبتمبر الجاري.

الخطوط الثلاثة في الموازين الدولية

أممياً، لا وجود لهذا التدرج اللوني. فقرار مجلس الأمن 2790 يتمسك بالخط الأزرق، ويطالب "إسرائيل" بسحب قواتها من شماله ورفع المناطق العازلة داخل لبنان. كما اعتبرت قوات الـ"يونيفيل"، العاملة في لبنان، الوجود الإسرائيلي والمناطق العازلة انتهاكاً للقرار 1701. وبذلك، لا يصبح الانتقال من الأصفر إلى الرمادي "انسحاباً" بالمعنى القانوني، ما دام التراجع لا ينتهي عند الخط الأزرق.

إلا أنّ هذه المسألة تصبح أكثر تعقيداً في المسار الأميركي. فاتفاق الإطار المبرم في 26 حزيران/يونيو، ربط "استعادة الجيش اللبناني سلطته ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية بإعادة انتشار "إسرائيل" تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية. وفي  مفاوضات روما في تموز/يوليو، اتُفق على هيكل "المناطق التجريبية" (Pilot Zones) التي ينتشر فيها الجيش اللبناني بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية. إلا أن الاختبار الأول في زوطر الغربية كشف صعوبة النموذج، إذ برزت تحديات كإطلاق نار قرب الجيش اللبناني، والدمار الواسع في القرى، والخلاف على التحقق من نزع السلاح، وغياب جدول زمني شامل للانسحاب.

كما لم تقتصر المواجهة مع الجيش اللبناني على منطقة الاحتلال؛ ففي 3 حزيران/يونيو استهدفت مسيّرة إسرائيلية آلية للجيش على طريق دير الزهراني–النبطية، فأصابت ضابطاً وعسكرياً، وفي الـ20 من الشهر نفسه، استشهد عسكري بغارة على طريق كفر رمان–النبطية.

هكذا تكشف الخطوط الثلاثة حدوداً مختلفة: أزرق للشرعية الدولية، وأصفر للاحتلال القائم، ورمادي محتمل لإعادة تنظيمه، فيما تمتد القوة الجوية والنارية الإسرائيلية إلى ما وراء الجميع. وقد يعني الانتقال إلى "الرمادي" بالفعل تقلصاً ملموساً لمساحة الاحتلال، لكنه، إذا استقر داخل الأراضي اللبنانية، فسيختبر نموذجاً آخر: احتلال أقل اعتماداً على الأرض وأكثر اعتماداً على السيطرة عليها من بعيد. عندها يصبح السؤال ليس كم كيلومتراً ستنسحب "إسرائيل"، بل هل يكون الخط وسيلة لجعل الاحتلال أصغر مساحة كي يصبح أطول عمراً؟

اقرأ أيضاً: الإبادة في غزة وجنوب لبنان: كيف تتحول الجغرافيا إلى ساحة للإقصاء والسيطرة؟

اخترنا لك