تصعيد الضفة يثير قلق المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ويربك أولويات الجبهات

الضفة الغربية تشهد تصعيداً استيطانيةً ومواجهات واسعة، ما يستنزف "الجيش" الإسرائيلي عبر نشر 24 كتيبة وسط أزمة قوى بشرية ومخاوف من انفجار شامل.

  • مستوطنون إسرائيليون تحت حماية
    مستوطنون إسرائيليون تحت حماية "جيش" الاحتلال يهاجمون بلدة سرا التابعة لمدينة نابلس في الضفة الغربية (الأناضول)

بلغت الضفة الغربية ذروة تصعيد إسرائيلي متجددة بفعل مواجهات، أمس الجمعة، قرب نابلس، سبقتها أحداث متواصلة على المستويين الحكومي والاستيطاني عبر إجراءات مصادرة أراضي وإقامة بؤر استيطانية بشكل واسع على أراضي الضفة، يرافقها خطوات "المستوطنين المتطرفين" عبر اقتحامات وإحراقات وهجمات على القرى الفلسطينية.

الأعمال الاستفزازية التي يقوم بها المستوطنون وقادتهم الرسميين، تصاعدت بفعل خطوات أعضاء في "الكابينت" الإسرائيلي، مثل اقتحام وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير للحرم القدسي قبل أيام، ودعوة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى تنفيذ عمليات انتقامية وعقابية في القرى المحيطة بنابلس ومناطق أخرى من الضفة الغربية.

المشهد في الضفة، انعكس قلقاً في المؤسسة الأمنية والعسكرية، ولا سيما "الجيش" الإسرائيلي، الذي عليه العمل على خطين: تأمين الغزو الاستيطاني المنفلت واحتياجاته الأمنية الجارية، وتأمين المستوطنين تجاه ردود الفعل الفلسطينية، في وقت يعاني فيه من أزمة قوى بشرية مستحكمة.

"الجيش" الإسرائيلي يستعد لتصعيدٍ كبير

يُعلن "الجيش" الإسرائيلي أنه ينشر في الضفة الغربية حالياً نحو 24 كتيبة (بينها 10 كتائب احتياط)، مع تعزيزات إضافية من لواء المظليين، وهو رقم لم يُسجل منذ عام 2020، وفق تقارير. ويأتي هذا الانتشار في وقت يواجه فيه "الجيش" الإسرائيلي نقصاً في القوى البشرية، وتراجعاً في نسب الحضور في وحدات الاحتياط، من بين أسباب أُخرى، على خلفية الإرهاق التراكمي.

وتلعب زيادة البؤر الاستيطانية (80 بؤرة و126 مزرعة جديدة خلال عامين) الدور الجوهري في رفع حدة "الاحتكاكات"، والتوصيف لرئيس الشاباك ذو النزعة الاستيطانية المتطرفة، الأمر الذي يفرض على "الجيش" توزيع قواته لتأمين مناطق واسعة ومتناثرة.

وتتفق تقارير عديدة على ان حوادث مثل إطلاق نار وهجمات فردية (كحادثة نابلس) تتحول بسرعة إلى دوامة اشتباك انتقامي من طرف المستوطنين، مما يستدعي تدخلاً عسكرياً فورياً من "الجيش" يفرض عليه تنفيذ عمليات عقابية واسعة (هدم منازل، فرض حصار)، مما يزيد من أعبائه على المستويين اللوجستي والبشري.

وسبق أن لفت قائد المنطقة الوسطى سابقا في "الجيش" الإسرائيلي، اللواء في الاحتياط نيتسان ألون، في مؤتمر هرتسيليا، إلى أنّ "الواقع في الضفة الغربية خطر جداً، وقد يقودنا إلى مواجهات أمنية بالغة الخطورة، وقد يوصلنا إلى واقع استراتيجي شبيه بدولة فصل عنصر، بواسطة بناء خطوط استيطانية تمتد من الغرب إلى الشرق لتفكيك أي تواصل فلسطيني في سلسلة الجبال ومناطق أخرى".

وكان لافتاً، ما أشار إليه معلّق عسكري من تقديرات أمنية تفيد أنّ تهريب مسيرات (مُحلِّقات) من الأردن أو عبر الحدود، وتدفّق أموال من إيران وتركيا لتحفيز خلايا محلية، مما يزيد تعقيد "المهمة الدفاعية". وبناء عليه، يعدّ الجيش سيناريوهات لتصعيد كبير قد يشمل استخدام طائرات مسيّرة، على غرار ما واجهه في لبنان.

تحذيرات: المنطقة تقف على شفا انفجار

توافق عدد من الخبراء والمعلقين، على أنّ المنطقة "تقف على شفا انفجار"، وأنّ "الجيش" يُستنزف هناك مع توسّع رقعة البؤر الاستيطانية، مما يحولها إلى مستنقع لقوات الجيش، حيث يحتاج فيها إلى تعزيزات مستمرة على حساب جبهات أخرى. يتزامن هذا الاستنزاف مع عمليات في غزة (اغتيال قادة حماس) ولبنان (المشروع التجريبي)، لكن الخشية من اندلاع جبهة لبنانية جديدة تبقى قائمة، خاصة مع التوتر الإيراني.

في المقلب الآخر، يواجه عدد من أركان الائتلاف اليميني الحاكم اتهامات بتأجيج الأوضاع وتوظيفها لخدمة أجنداتهم الأيديولوجية وحساباتهم الانتخابية، على حساب أمن "الدولة" واستنزاف "الجيش". حيث أنّ أطرافاً في الحكومة (بن غفير، سموتريتش) "ترى في التصعيد بالضفة فرصة لـ: تفكيك السلطة الفلسطينية وفرض سيطرة كاملة على المنطقة، وتحويل الأنظار عن إخفاقات 7 تشرين الأول/أكتوبر قبل انتخابات تشرين الأول 2026، عبر استغلال حالة الطوارئ الأمنية".

وفي إحدى زوايا المقاربة الإعلامية، ثمة بين المراقبين العسكريين مَنْ وجد في التصعيد في ساحة الضفة الغربية تأثيراً في الجبهات الأُخرى. وعلاوة على تحضيراتٍ لاحتمال هجوم واسع على إيران (أميركي أو/وإسرائيلي)، يُعدّ التصعيد في الضفة عامل تشتيت، إذ يستنزف وحدات نخبوية (كتائب نظامية) كان يمكن توجيهها لجبهات رئيسة. ويظهر النقص في قوات "الجيش" الإسرائيلي جلياً في صعوبة إدارة "جولات" المستوطنين غير المصرّح بها في لبنان وسوريا وغزة، مما يشتت جهود "الجيش" ويلقي المزيد من الأعباء عليه.

المقاربة الإعلامية لم تخلُ أيضاً من مخاوف اندلاع "انتفاضة ثالثة"، مدعومة بتهريب أسلحة ومسيّرات، مع تصعيد انتقامي متبادل، قد تجبر "إسرائيل" على سحب قوات من غزة أو لبنان لتعزيز الضفة، مما يُضعف الردع في تلك الجبهات.

في المحصّلة، أصبحت الضفة الغربية جبهةَ استنزاف ذات طابع استراتيجي، ليس بسبب التهديد العسكري المباشر فحسب، بل بسبب متطلباتها اللوجستية الهائلة (نشر 24 كتيبة) في وقت تعاني فيه "إسرائيل" من أزمة قوى بشرية. ويخدمُ التصعيد المتعمّد من قبل أطراف حكومية أجنداتٍ سياسيةً داخلية، ويزيد من تعقيد إدارة "الجيش" للموارد، ويُضعف جاهزيته لجبهات رئيسية (إيران، لبنان).

لقد تمحورت تقريباً المقاربة الإعلامية على اعتبار أنّ الخطر الأكبر يتمثّل في تحوّل الضفة إلى ساحة لهجمات نوعية (مسيرات، خلايا محلية) تستنزف الجهد الاستخباراتي والعسكري الإسرائيليين، بينما تبقى جبهتا غزة ولبنان في حالة توتر دائم، ما يُنذر بمعادلة أمنية غير مستقرة على كل الجبهات.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك