بين الصمود وإدارة المواجهة.. كيف يمكن فهم رسالة السيد مجتبى خامنئي الأولى؟
ما الذي أراد قائد الجمهورية الإسلامية في إيران، السيد مجتبى خامنئي قوله في رسالته الأولى؟ وكيف يمكن قراءة أبرز النقاط التي اعتمد عليها فيها؟
-
بين الصمود وإدارة المواجهة.. كيف يمكن فهم رسالة السيد مجتبى خامنئي الأولى؟
في أوّل رسالة له بعد توليه موقع قيادة الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران، رسم السيد مجتبى خامنئي معالم المرحلة الجديدة للبلاد، محدداً مجموعة من الرسائل السياسية والاستراتيجية الجامِعة بين ماهيّة إدارة الحرب القائمة، وتثبيت شرعية القيادة واستمراريتها، والحفاظ على تماسك الشعب الإيراني ودوره في التصدي لأعدائه.
يمكن لهذه الرسالة أن تُستحضَر بـ 7 نقاط أساس، بالأولوية والتراتبيّة التي أرادَ القائد السيد مجتبى ترسيخها في هذه المرحلة الحساسة، بعد استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي.
أولاً: استمرارية نهج القيادة
انسجاماً مع المبدأ الإسلامي الذي تقوم عليه الجمهورية في إيران، فإن قائدها السيد مجتبى، استهلّ رسالته بالتأكيد أن استشهاد القادة لا يعني سقوط قِلاع الدولة ولا انهيار مشروعها الثوريّ، وإنما يعكس قدرتها على الاستمرار والتجدّد، مستنداً بذلك إلى منهجٍ متجذّر يتجاوز الأفراد ويستمد قوته من الإيمان والصمود في مواجهة أعداء البلاد.
فبعد أن بدأ السيد الرسالة بتقديم التعازي ورجاء الدعاء، توجّه مباشرةً إلى الشعب الإيراني، وأخرَطه في التفاعل المباشر بينه وبين القيادة، وهو مبدأ أساسي في مفهوم الجمهورية هذا، بألا تقوم البلاد على سلطة فردية، وإنما على تماسك مجتمعي ثوري يبني بأساسه استمرارية التصدي لمحاولة إسقاط مشروع الثورة.
لم تخلُ رسالته هذه من الإشارة إلى أن المرحلة الجديدة تحمل ثقل المسؤولية، بخلافة قائدٍ شكّل محور استمرارية النهج لعقود، مشيراً إلى أن "يده السليمة كانت مقبوضةً على شكل قبضة محكمة" إبّان استشهاده، وفي ذكره لهذا إشارة إلى القوة التي بُنيت عليها الجمهورية، وما زال يتمسّك بها قادتها، حتى في لحظة الاستشهاد.
ثانياً: الشعب ركيزة قيام الدولة وانتصارها
وضع السيد مجتبى خامنئي الشعب الإيراني في موقع "القلب النابض للثورة"، مشدداً على أن القيادة ليست منفصلة عن الأمة، باعتبار أنها امتداد لممارسة الشعب وعزيمته وصموده، مؤكداً وجوب المشاركة الشعبية في كل الميادين، السياسية منها والاجتماعية والتربوية والثقافية.
وهنا مربط الفرَس، فقد ذكر السيد نقطة محورية في هذا السياق، مثنياً على الشعب، قائلاً إنهم "كانوا في موقع القيادة"، في الفترة ما بين استشهاد السيد علي خامنئي واستلام القيادة الحالية، معتبراً أن هذا بحد ذاته يشكل قوةً تُخيف الأعداء.
المسألة الأساس هنا هي أن الرسالة أبرزَت المكانة المركزية للشعب الإيراني بوصفه الضامن الأساسي لاستقرار الدولة واستمرارية ثورتها، فاعتبر السيد أن وعي الشعب وصموده خلال تلك الأيام، كانا العامل الحاسم في تجاوز تلك الفترة ومواجهة العدوان الخارجي، وهما ما سيكونان العامل الأساس في الفترة المقبلة.
هذا الأسلوب يجعل الشعب في صُلب قرارات القيادة، ويحمّله مسؤولية التمسك بالموقف الثابت للتصدي لأي تهديدات حالية أو مقبلة، ويؤنسن العلاقة بين القيادة وشعبها، ويجعلهما في جسم واحد، ويمثل استمرارية منهج القيادة السابقة.
ثالثاً: مضيق هرمز والتمسك بخيارات القوة
تمسّك السيد مجتبى بورقة إغلاق مضيق هرمز، باعتبارها أحد عناصر الضغط الاستراتيجية في المواجهة مع العدو، مشيراً إلى أنّ هذا الخيار مدروس ضمن حسابات الحرب الجارية، وأن اللجوء إليه وارد دائماً في إطار الدفاع عن البلاد، بالأخص إذا استمرت الاعتداءات.
ويحمل هذا الموقف دلالات مفادُها أن مضيق هرمز، والذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والطاقة، ورقة ضغط مؤثرة بيد الجمهورية، والتهديد بإغلاقه رسالة سياسية وعسكرية قوية موجهة إلى أعدائها.
ولم يستبعد السيد في رسالته إمكانية فتح جبهات أخرى في حال استمرار الحرب، في إشارة إلى توسيع خيارات المواجهة، مع التشديد على أدوار قوى المقاومة في المنطقة وتماسكها، أي إن المواجهة لن تبقى محصورة في ساحة واحدة أو في شكل واحد من الرد، فالخيارات قد تتسع جغرافياً أو عسكرياً إذا استمر العدوان، بـ "مواصلة الدفاع المؤثر والرادع".
رابعاً: تماسك قوى المقاومة في المنطقة
وربط السيد مجتبى الجمهورية الإسلامية بمحور المقاومة بشكل مباشر، فتحدث عن تماسك هذه القوى في اليمن وحزب الله والعراق، ومعركتهم الدائمة والواحدة ضد الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية.
وأكد على أن تعاون هذه الجبهات معاً يقصّر عمر الفتنة الصهيونية، معتبراً أن جبهات المقاومة جميعها شركاء أساسيون في المعركة الجارية ضد أعداء البلاد، فالتنسيق الدائم والتكامل بين هذه القوى يغيّر ميزان القوى ويُضعف أعداءها.
يشير هذا إلى إيمان السيد بالمقاومة بوصفها جزءاً من هوية الثورة الدائمة، معتبراً أن هذا الخيار متجذر في عقيدة الجمهورية الإسلامية، وفي عقيدة قوى المقاومة الأخرى، وكأنه يقول إن "المعركة واحدة، ولكنها متعددة الساحات"، فجميع هذه القوى تمتلك البوصلة عينَها، بساحةٍ وميدانٍ مغايِرين.
خامساً: الوحدة الشعبية والحضور الدائم
وفي حديثه عن تشكيلِ الشعب لركيزة قيام الدولة، ختم السيد القائد هذه النقطة بالقول إنه "إن لم تظهر قوة الشعب في الساحة، فلن يكون للدولة ومؤسساتها الفاعلية المطلوبة"، أي إنه ربط مصير تماسك الشعب بمصير تماسك القيادة، وأكد أن وحدة المجتمع الإيراني وتجاوز أي خلافات داخلية يمثلان ركيزة أساسية في مواجهة التحديات الحالية.
وبالتالي، فإن التماسك الوطني، وفق هذه الرؤية، يتحول إلى عنصر قوة سياسي واستراتيجي يضمن فعالية مؤسسات الدولة، التي أشار السيد مجتبى خامنئي إلى أن هدفها هو خدمة الشعب.
ولم تخلُ رسالة السيد في هذا السياق من الدعوة إلى استمرار الحضور الشعبي والمشاركة الواسعة في يوم القدس العالمي، المستمر إحياؤه منذ بدء الثورة، ما يحمل دلالات سياسية وتعبوية مباشرة، باعتبار أن التهديدات الإسرائيلية والأميركية الحالية، من ضمن أهدافها إخضاع النظام وشعبه، ودحض الأسس العقائدية التي تقوم عليها الثورة.
سادساً: رسائل سياسية للدول المجاورة
أما في سياق ذكره للحدود البرية والبحرية بين إيران والـ 15 دولة الأخرى، فشدد السيد على العلاقات البناءة بينها وبين بلاده، مشيراً إلى أن الاستهدافات الماضية كانت للقواعد العسكرية الأميركية، لا لسيادة الدول.
يمكن النظر إلى هذه النقطة بسياقَين، أولاً: توضيح طبيعة الموقع الجيوسياسي لطهران، أي، الموقع الحساس جغرافياً، بما يعني أن الصراع لن يُحصر في حدود البلاد، خاصةً في سياق العدوان الإسرائيلي الأميركي الجاري.
ثانياً، توجيه رسالة ضمنية للدول المجاورة بأن أي قواعد أو تحركات عسكرية تستهدف إيران على أراضيها أو على حدودها البحرية يُعتبر تهديداً مباشراً، وبالتالي يصبح المسبب للتهديد -أي القواعد- هدفاً مشروعاً، بالتوازي مع تأكيد الرغبة في استمرار العلاقات الودية مع الدول المجاورة، شريطة ألا تُستخدم أراضيها ضد الجمهورية.
سابعاً: المشروع الثوري القائم... وثأر الجمهورية لأبنائها
خصّ القائد القوات المسلحة والمقاومين بإشادة واضحة، مؤكداً أن تصديهم للهجوم الخارجي كان -وما زال- عنصراً حاسماً في حماية البلاد، ما يحقق الردع ويمنع العدو من فرض معادلاته.
ولم يقل السيد أن الثأر لأبناء شعبه سيأتي في توقيت مجهول لاحق، وإنما اعتبر أن كل شهيد يمثل ملفاً كاملاً من الثأر الذي تحقق جزء منه.
يصبّ هذا في إطار الرسالة السياسية التي أراد القائد إيصالها بشأن طبيعة الردّ الإيراني، فقد طرح الثأر بوصفه مساراً قائماً بالفعل، بما معناه أن عملية الثأر متواصلة وتُبنى على مراحل، وقد تحقق منها بالفعل جزء خلال المواجهة الجارية.
بهذا المعنى، تحمل العبارة رسالتين أساسيتين، الأولى موجّهة إلى الداخل الإيراني، للتأكيد أن دماء الشهداء لن تُطوى أو تُختزل بردٍ سابق واحد، وإنما هي جزء من معادلة المواجهة، والأخرى للخارج، ومفادها أن الرد الإيراني سيتخذ أشكالاً متعددة وعلى فترات مختلفة، بما يجعل ملف المواجهة مفتوحاً طالما بقي العدوان قائماً.
الرسالة الأولى: باكورة المرحلة المقبلة
في جوهرها، تعيد رسالة السيد مجتبى خامنئي صياغة العلاقة بين القيادة والشعب، بعد استشهاد القائد الأمة، ويضع التوكل على الله والصمود والمشاركة الشعبية، عناصر مركزية لاستمرار الثورة، ويؤكد أن الجمهورية الإسلامية في إيران، رغم فقدان قائدها الأمة، ما زالت قوية بروح شعبها ومؤسساتها، وأن المقاومة والنصر في الحاضر والمستقبل لا يتحققان إلا بالتماسك الوطني والإيمان بالقيم الثورية.
باختصار، أجابت الرسالة عن أسئلة ثلاثة، بتناولها للنقاط السبع: كيف يمكن توظيف الوحدة الدينية والوطنية في مواجهة الضغوط الدولية؟ وكيف تستحضر القيادة نقاط قوتها الأساس اليوم؟ وختاماً، كيف يمكن للجمهورية الإسلامية في إيران، أن تنتصر بقوة شعبها، على أعدائها؟
والسؤال الأخير هو ما أحاط بالمسألةِ كلها، فما سيأتي من تجمعات شعبية قادمة، وصمود إيراني، ومقاومة وثبات، وعمليات متصاعدة، إنما هي جزء من نطاق المعركة المستمرة كلها، والتي تضع قيادة الجمهورية فيها النصر نصب أعينها، وتعمل عليه، لا بنقاطٍ سبع فقط، بل بمعادلاتٍ واسعة تطال المنطقة برمّتها، بشعبٍ صامد وقيادة حكيمة.