بين الحرب على إيران وأزمة التمويل: كواليس ساخنة في انتخابات الحزب الديمقراطي
كيف تواجه الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لعام 2026 أزمات تمويل غير مسبوقة، وقضية دعم "إسرائيل" التي ترتكب إبادة في غزة، ومعركة الصلاحيات بشأن الحرب الأميركية ضد إيران؟
-
بين الحرب على إيران وأزمة التمويل: كواليس ساخنة في انتخابات الحزب الديمقراطي (الميادين نت)
ليست الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لعام 2026 مجرّد سباق لترتيب البيت الداخلي في ظل الأزمات الكبرى، بل هي اختبار سياسي يكشف تخبطاً بين قواعد غاضبة ومؤسسة تمسك بتلابيب القرار. ومع تحوّل الأنظار نحو اختبارات حاسمة في ولايتي ميشيغان وميسوري وغيرهما، ترسم هذه المحطة معالم انتخابات التجديد النصفي في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، متنافسةً على كامل مقاعد مجلس النواب (435)، وثلث مقاعد الشيوخ (33)، وحكام 36 ولاية، لقياس الصراع بين الجناح التقدمي والمؤسسة التقليدية في الحزب الديمقراطي.
ووسط بيانات التصويت المبكر، التي تشهد ارتفاعاً في الإقبال، تعبيراً عن حالة احتجاج شعبي، تظهر الأرقام أن نسبة خسارة النواب الديمقراطيين الحاليين لمقاعدهم استقرت عند 2.1% (مقارنة بـ 3.6% للجمهوريين)، وفق موقع "MultiState Elections" الأميركي المتخصص في تتبع وتحليل بيانات الانتخابات. غير أن هذا الاستقرار الظاهري يخفي تصدعات عميقة بشأن الموقف المتآكل من "إسرائيل" واعتراضات على دعم مرشحي المكاتب.
وستكون هذه النتائج حاسمة لإدارة الرئيس دونالد ترامب لتحديد قدرتها على المضي في برنامجها التشريعي، خصوصاً مع تراجع شعبيته في حدود الثلاثينيات وفق أحدث استطلاعات الرأي. ومن هنا، يجد الديمقراطيون أنفسهم أمام فرصة استغلال السخط الشعبي وفاتورة الأزمات المعيشية والاقتصادية الناتجة عن سياسات الإدارة الحالية، محولين إياها إلى ورقة رابحة في معركتهم الكبرى لاستعادة السيطرة على الكونغرس، قبل أن تُخاض المعركة ضد الخصم الجمهوري.
استثمار الأزمات.. كيف يحاول الديمقراطيون ركوب موجة إخفاقات ترامب الاقتصادية؟
تتحول الساحة السياسية الأميركية تدريجياً إلى ساحة مواجهة مفتوحة، يجد فيها الحزب الديمقراطي نفسه أمام فرصة تاريخية لاستعادة زمام المبادرة التشريعية.
ومع انطلاق الانتخابات التمهيدية للكونغرس، يغرق المواطن الأميركي في موجة سخط عارمة من جراء التضخم الهيكلي وغلاء المعيشة، إذ تكشف لغة الأرقام عن جزء من قسوة هذه الأزمات التي تضاعفت حدتها بفعل التداعيات المباشرة لكلفة الحرب الأميركية على إيران، حيث قفز متوسط سعر غالون البنزين فوق حاجز الـ4 دولارات ووصل إلى 8 دولارات في بعض الولايات الأميركية، وصعد التضخم نحو مستويات تخطّت 3.5% ويعد المستوى الأعلى له خلال 3 سنوات، بينما تباطأ نمو الاقتصاد الأميركي إلى نحو 1.5%.
ولا تنفصل هذه المعركة عن واقع السخط الشعبي — الذي أظهرت استطلاعات الرأي أنّ أكثر من 75% من الناخبين يعتبرونه قضيتهم الأولى — حيث تسعى القيادات الديمقراطية لتوظيف هذه الاختناقات المعيشية للضغط على خصومهم.
وفي خطوة تعكس ارتباك المشهد المؤسسي، أقرّ مجلس النواب الأميركي (الذي يسيطر عليه الجمهوريون) إجراءً قصير الأجل لتجنب احتمال توقف عمل الحكومة قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر، وذلك من خلال تمويل الوكالات الاتحادية حتى الـ4 من كانون الأول/ديسمبر المقبل. ويأتي هذا التحرك تفادياً لأن تُشكّل أزمة الإغلاق الحكومي — التي هددت بانتهاء تمويل معظم برامج الوكالات الاتحادية عند منتصف ليل 30 أيلول/سبتمبر مع نهاية السنة المالية الحالية — مشكلة سياسية كبرى للجمهوريين الذين يسيطرون حالياً على البيت الأبيض وكلا مجلسي النواب والشيوخ.
تسعى المؤسسة الديمقراطية من خلال هذا التوظيف لتحويل التداعيات الاقتصادية الفادحة لحرب الإدارة الحالية إلى أوراق ضغط حاسمة لاستعادة الأغلبية في الكونغرس، متجاوزةً أي نقد ذاتي لسياساتها السابقة سواء في التعامل مع ملف إيران أو في دعمها المتواصل لـ"إسرائيل"، في مشهد يكرّس ما يجري بوصفه صراع سلطة داخلياً تُحرّكه الحسابات الضيقة، وتتقاطع فيه مصالح النخب الحزبية متجاهلةً الأثر العميق لهذه الأزمات على معاناة الفئات الشعبية الواسعة التي تكتوي بنار التضخم وتداعيات المغامرات العسكرية الخارجية.
نفاق المؤسسة السياسية.. اختبار غزة ومواقف الحزبين من الدعم المطلق لـ"إسرائيل"
يُمثّل التعامل مع العدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة ولبنان اختباراً فاضحاً لزيف الشعارات وهشاشة الخطاب الأخلاقي داخل الحزب الديمقراطي نفسه. فبينما يحاول الجناح التقدمي الصاعد (تيار اليسار والاشتراكيون الديمقراطيون، وأبرز رموزه: ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، زهران ممداني، رشيدة طليب) ركوب موجة الاحتجاجات الشعبية العارمة للتبرؤ شكلياً من جرائم الحرب والتغطية السياسية والعسكرية، تواصل قيادة الحزب والمؤسسة التقليدية (ما يُعرف بالليبراليين المؤسسيين وأبرز رموزهم: حكيم جيفريز، ونانسي بيلوسي) التزامها المطلق بالثوابت الاستراتيجية لدعم "إسرائيل". ويُظهر هذا المشهد المأزوم أنّ التنافس الداخلي لا يدور حول "أخلاقية السياسة الخارجية"، بل حول كيفية إدارة الهيمنة الأميركية بأقل قدر ممكن من الخسائر السياسية الانتخابية.
أزمة تمويل غير مسبوقة وتمرّد المانحين الكبار
يتجلى هذا التخبّط المؤسسي بوضوح على جبهة التمويل الانتخابي، حيث يواجه جهاز جمع التبرعات الديمقراطي أزمة هيكلية خانقة تعكس حجم السخط داخل قواعد الحزب ونخبه على حد سواء.
فقد قاطع كبار المانحين المؤسسة السياسية في واشنطن، وتخلفت اللجان الديمقراطية عن نظيراتها الجمهورية في جميع المجالات. ولأول مرة، امتنعت أسماء بارزة — مثل عائلة جورج وأليكس سوروس وريد هوفمان المؤسس المشارك لشركة "لينكدإن" — عن تقديم أي تبرعات للجنة الوطنية الديمقراطية (DNC) في دورة انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، وسط نكتة متداولة بين المانحين بأن اختصار (DNC) بات يعني "لا تتبرع"، وفق ما ذكرت "وول ستريت جورنال" الأميركية.
وفي هذا السياق، يعكس موقف بوب كيريغان، المانح الديمقراطي والمحامي المقيم في فلوريدا (الذي يقدر حجم تبرعاته بنحو مليوني دولار)، عمق الأزمة، إذ أشار إلى أنّ اللجنة لم تتواصل معه قط لطلب التبرع، منتقداً عجز الحزب التاريخي عن أداء دور المعارضة، ومتسائلاً بحدة: "المشكلة الأكثر جوهرية تتجسد في التساؤل عما يفعله هؤلاء حقاً، فهم محبوسون داخل فقاعة واشنطن، يحيط بهم شعور زائِف بالأهمية، ويجمعون الأموال بمختلف الطرق، لكن بلا طائل"، وفق صحيفة "بوليتيكو" الأميركية.
ويعود هذا الإرهاق والإحباط المؤسسي إلى مزيجٍ من خيبة الأمل بشأن كيفية إداراة إنفاق الأموال في الانتخابات الرئاسية السابقة، والغضب المتصاعد من الانقسامات الحادة في قاعدة المانحين بشأن الحرب في غزة والسياسات الخارجية، وفي تجسيد عملي لمدى هيمنة هذه اللجان وانحياز القيادة التقليدية، رفض أعضاء اللجنة الوطنية في الحزب الديمقراطي مؤخراً "قراراً رمزياً" يهدف إلى الحد من نفوذ لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك" في الانتخابات التمهيدية للحزب، في خطوة نقلتها صحيفة "بوليتيكو" وشكّلت انتكاسة صارخة للأصوات الداخلية التي طالما عبرت عن استيائها من تدخلات الجماعة المؤيدة لـ"إسرائيل".
وفي المقابل، يتجه كبار المانحين نحو دعم المرشحين الأفراد المتمردين على المؤسسة مباشرة مثل: (حملة جيمس تالاريكو في تكساس أو السيناتور جون أوسوف)، متجاوزين اللجان المركزية التي فقدت ثقة قاعدتها، وتتزامن هذه الأزمات مع تخبّط إداري طاحن يعاني منه رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية كين مارتن وسط ديون بلغت 18 مليون دولار ومطالبات واسعة باستقالته.
ميشيغان وميسوري: ساحات اختبار كبرى لمستقبل الموقف من "إسرائيل"
تتحول ولاية ميشيغان — التي تضمّ أكبر تجمع للأميركيين العرب والمسلمين في البلاد — إلى ساحة مواجهة حاسمة في الانتخابات التمهيدية، حيث يتنافس المرشح التقدمي الطبيب المصري-الأميركي عبد السيد (المؤيد للفلسطينيين والمطالب بالرعاية الصحية الشاملة) مع النائبة هايلي ستيفنز (المؤيدة للوقوف المطلق مع إسرائيل). وقد تحولت هذه المعركة إلى استفتاء مباشر على حرب غزة، بعد أن أنفقت لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك" نحو 30 مليون دولار لدعم ستيفنز وضخ ملايين إضافية لمهاجمة منافسها، في أكبر إنفاق انتخابي تاريخي لتأمين أجندة لجان الضغط، مترافقاً مع إنفاق مماثل في ميسوري لإحباط عودة النائبة السابقة كوري بوش.
وتعكس هذه المعارك تحولاً بنيوياً في المزاج العام للحزب الديمقراطي، إذ تشير استطلاعات الرأي (مثل بيانات أسوشيتد برس ومركز NORC) إلى أن نحو 60% من الديمقراطيين باتوا يرون أن الحزب يدعم "إسرائيل" أكثر مما ينبغي، مقابل 45% سابقاً. ومع تفوّق عبد السيد في استطلاعات الرأي الأخيرة في ميشيغان، وتنامي التيارات المنتقدة لـ"إسرائيل" في ولايات عدة كنيويورك وكولورادو وبنسلفانيا، يجد الحزب الديمقراطي نفسه ممزقاً بين استرضاء لجان الضغط الإسرائيلية ومؤسسات التمويل الكبرى، وبين خطر فقدان القواعد الشعبية والشبابية التي أدركت أن الدعم الأعمى للحروب الخارجية هو الذي يلتهم مقدرات المواطن الأميركي ويهدد مستقبله المعيشي.
أظهر استطلاع جديد لمؤسسة "Civiqs" تراجعاً ملحوظاً في شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 11 ولاية كان قد فاز بها بفارق 10 نقاط مئوية أو أكثر في الانتخابات الرئاسية لعام 2024، في مؤشر على تنامي الاستياء من أدائه قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر المقبل.… pic.twitter.com/SjEL1fRQ44
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) August 2, 2026
معركة الصلاحيات.. فرملة الميزانية الدفاعية وسقوط مسوغات الحرب على إيران
تتحول المواجهة بين الكونغرس والإدارة الأميركية إلى اشتباك دستوري ومؤسسي واسع النطاق، يجد فيه الحزب الديمقراطي نفسه مسنداً بورقة الضغط الأقوى منذ اندلاع الأزمة. ففي تصعيد تشريعي حاسم، عرقل الديمقراطيون في مجلس الشيوخ إقرار مشروع قانون "السياسة الدفاعية" السنوي البالغة قيمته 1.15 تريليون دولار، احتجاجاً على الحرب المفتوحة ضد إيران، ومؤكدين رفضهم القاطع لانزلاق البلاد في صراع عبثي فرضه الرئيس دونالد ترامب من دون تفويض دستوري من المؤسسة التشريعية.
وفي هذا السياق، لخص زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، الموقف بحدة خلال كلمة أمام المجلس قائلاً: "لقد بدأ ترامب هذه الحرب من دون تفويض، ومن دون استراتيجية، أو خطة للانسحاب"، معلناً صراحة تصويته ضد مشروع القانون. ويتزامن هذا التحرّك مع عزم السيناتور الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، آدم شيف، تقديم قرار جديد بشأن صلاحيات الحرب لإجبار الأعضاء على التصويت مجدداً لإنهاء الحرب ضد إيران.
وهاجم شيف بشدة سياسة الإدارة عبر برنامج "ميت ذا برس" على شبكة "إن بي سي"، مؤكداً أن ما يجري هو "حرب اختيارية" زجّ الرئيس البلاد فيها من دون تهديد وشيك أو تفويض قانوني، ووصف الصراع بأنه "غير دستوري وغير قانوني". وفي المقابل، قوبل الحراك الديمقراطي بتهجم رئاسي مباشر، إذ انتقد ترامب عبر منصة "تروث سوشال" مشروعات القوانين الرامية لإنهاء الحرب، معتبراً إياها "سيئة التوقيت وبلا معنى"، وداعياً إلى المضي في المعركة بحجة أن إيران "محاصرة وجاهزة للسقوط"، وسط إصرار رئاسي على إنجاز المهمة بمعزل عن قيود الكونغرس.
هل يسعى ترامب إلى إبقاء الحرب مع إيران مفتوحة حتى ما بعد الانتخابات النصفية؟
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) July 26, 2026
نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق لشؤون الشرق الأوسط ميك ميلوري لـ #الميادين pic.twitter.com/WWS9bM6epO
ولا يقتصر المأزق على البعد الدستوري، بل يمتد إلى تعتيم حكومي مقصود على التكلفة المالية الفادحة للحرب، فقد رفض مدير مكتب الميزانية في البيت الأبيض، راسل فوغت، تقديم أي تقديرات رسمية للمشرعين بشأن تكاليف الحرب متذرعاً بأن "الأرقام تتغير باستمرار"، رافضاً التعليق على تقارير تؤكد أن الصراع كلّف عشرات المليارات.
في المقابل، طُرحت تحت قبة مجلس الشيوخ تقديرات صادمة تفيد بأن الحرب على إيران تُكلف الخزينة الأميركية ما يصل إلى 10 مليارات دولار أسبوعياً، بينما تستعد الإدارة لطلب تمويل دفاعي إضافي. وقد وجّه مشرعون اتهامات حادة للمسؤولين بمحاولة "إخفاء" حجم الإنفاق الحقيقي، في وقت يواصل فيه الدين الوطني الأميركي مستوياته القياسية، ليكشف هذا المحور بوضوح أن الحرب ضد إيران لا تُمثل فقط مغامرة عسكرية خارجية، بل نزيفاً داخلياً ومأزقاً دستورياً ومالياً يعمق جراح الاقتصاد الأميركي قبيل الاستحقاقات الانتخابية.