برنامج نووي مشترك: محطة جديدة للتحالف الأميركي السعودي

اتفاق نووي أميركي سعودي يفتح الباب للتخصيب بشرط السيطرة الأميركية، وسط اشتراط ترامب ربطه بالتطبيع ومخاوف من استثناء المملكة من التفتيش الدولي.

  • أعلام الولايات المتحدة والسعودية على طول طريق سريع في الرياض (رويترز)
    أعلام الولايات المتحدة والسعودية على طول طريق سريع في الرياض (رويترز)

بعد سنوات من المفاوضات الممتدة عبر إدارة ترامب الأولى وإدارة بايدن، وقّعت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية اتفاقاً للتعاون النووي المدني، يفتح الباب (من حيث المبدأ) لتخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية، ويتضمن إطلاق برنامج نووي مدني للمملكة بموجب المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي لعام 1954 (Section 123 of the U.S. Atomic Energy Act of 1954).

ويوفر الاتفاق الأساس القانوني لتنفيذ الشركات الأميركية البنية التحتية النووية، مثل المفاعلات وسلاسل إمداد الوقود، ويسري لثلاثين عاماً شاملاً نقل التكنولوجيا والخبرات الأميركية، على أن يجري الطرفان "دراسة مشتركة" لعامين لتحديد ما إذا كان إنشاء قدرات محلية للتخصيب "مبرراً تجارياً ومجدياً اقتصادياً مقارنة باستيراد الوقود النووي". وأكد ترامب أن البرنامج النووي لن يشمل تخصيباً لليورانيوم، فيما قال ستيفن ميلر، نائب رئيس موظفي البيت الأبيض لشؤون السياسات، إن ترامب "يمتلك رؤية واضحة لمستقبل السعودية"، معتبراً أن التعاون بين البلدين منذ عام 2017 عزز دور المملكة "ركيزةً للاستقرار ومواجهة الإرهاب".

يعود التفاهم على الاتفاق إلى زيارة ولي العهد السعودي إلى البيت الأبيض، حيث وقّع الطرفان إعلاناً مشتركاً للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، واتفاقات استراتيجية أخرى في مجالي الدفاع والذكاء الاصطناعي. ويخضع الاتفاق لفترة مراجعة تستمر 90 يوماً من الانعقاد المتواصل للكونغرس الأميركي، ويدخل حيّز التنفيذ تلقائياً ما لم يُقر الكونغرس "قراراً مشتركاً بالرفض"، وهو قرار يكون بدوره خاضعاً لحق النقض (الفيتو) الرئاسي، الذي لا يمكن تجاوزه إلا بأغلبية الثلثين في مجلسي النواب والشيوخ.

وتُعد شركة "ويستنغهاوس إلكتريك" (Westinghouse Electric) أحد أكبر المستفيدين المتوقَعين من الاتفاق، إذ يُعد مفاعل AP1000 الذي تطوره من أبرز المرشحين للاستخدام في المملكة، ويمكنه إنتاج نحو 1100 ميغاواط من الكهرباء، ما يكفي لتغذية مدينة متوسطة الحجم بالطاقة، أو تشغيل مراكز بيانات ضخمة للذكاء الاصطناعي.

ضوابط التكنولوجيا والربط بالتطبيع الإقليمي

اللافت أن الاتفاق يُبقي تكنولوجيا التخصيب ذاتها تحت السيطرة الأميركية، بموجب برنامج "الصندوق الأسود" (Black Box)؛ إذ تتولى الشركات الأميركية بناء منشأة التخصيب وتشغيلها، ولا تُنقل التكنولوجيا المنتجة للتخصيب والمعرفة التقنية المتعلقة بها إلى الكادر السعودي، ما يعني غياب إمكانية تراكم خبرات محلية سعودية في هذا المجال، حتى على المدى الطويل. ومن ناحية أخرى، لم يسلم الأمر من مناورات ترامب، وكثرة تراجعاته عن تصريحاته الرسمية، إذ أعلن أن الاتفاق "مرتبط بالكامل" بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام وإقامة علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل"، كما أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن الاتفاق يُعد لاغياً إذا لم تنضم السعودية إلى الاتفاقيات، ما يمثل تراجعاً (بات مألوفاً) عن مؤشرات سابقة كان مفادها أن الاتفاق النووي منفصل عن ملف التطبيع.

وينص الاتفاق على أنه إذا خلصت الدراسة المشتركة، بعد انقضاء العامين الأولين، إلى أن التخصيب المحلي غير مبرر، تُمنع السعودية من التخصيب سواء بمفردها أو بالتعاون مع أي شريك أجنبي آخر لمدة عشر سنوات. وتحتاج بموجبه أي عملية تخصيب مستقبلية إلى موافقة الولايات المتحدة، مع منحها حق النقض (الفيتو) على عمليات التخصيب عن طريق برنامج "الصندوق الأسود" الأميركي. كما ينص على "آلية رقابة ثنائية" نووية مخصصة للبرنامج السعودي، تتولى وفقاً لها فرق أميركية تنفيذ التفتيش، بعد رفض المملكة البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA Additional Protocol)، الذي يسمح بعمليات تفتيش واسعة ومفاجئة.

ومع اشتراط المملكة انطلاق "مسار" واضح يؤدي إلى دولة فلسطينية مقابل إقامة علاقات رسمية مع "إسرائيل"، وهو ما لم يتحقق، فضلاً عن التصعيد الإسرائيلي المتواصل، يبدو أن التساهل الأميركي الذي يعكسه إتمام الاتفاق (أي السماح مبدئياً ببرنامج نووي) ليس منحة أو امتيازاً غير مشروط، إنما سيُستخدم لطلب مقابل من السعودية في الملف الإسرائيلي، ولجذبها إلى الطرف الأميركي في معادلة الصراع على مضيق هرمز، التي تواجه فيها الولايات المتحدة وضعاً حرجاً؛ وذلك في ضوء مسعى المملكة، أو احتياجها بالأحرى، إلى تعزيز موقفها الاستراتيجي بعد صعود أسهم إيران مؤخراً نتيجةً للحرب القائمة، وتقدمها استراتيجياً بصفتها نداً إقليمياً لـ"إسرائيل".

المكاسب الاستراتيجية والمحاذير الدولية

مع ذلك، يمكن القول إن الاتفاق يحقق -من منظور سعودي- مكسباً متعدد الأبعاد؛ فمع البُعد الاستراتيجي المتصل بالتوازن مع إيران، يفتح الباب في البُعد الاقتصادي للتحول إلى الطاقة النووية لتلبية الطلب المحلي المتزايد على الكهرباء، الذي يعتمد حالياً على النفط والغاز، وبالتالي تصدير كميات أكبر من احتياطيات الوقود. ويشكّل النفط الخام نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي، مع سعي برنامج "رؤية 2030" إلى إنهاء ما تصفه الحكومة بـ"إدمان الاقتصاد على النفط"، وما كشفه الصراع الحالي في غرب آسيا والانفراد الأميركي بالقرار من هشاشة نموذج الاقتصاد المعتمد على النفط، بعد إغلاقات الممرات البحرية والأزمات الناتجة عنها.

ومن ناحية أخرى، تمثل خطوة الاتفاق النووي، مع معاهدة الدفاع الاستراتيجي السعودية الباكستانية الموقّعة في أيلول/سبتمبر 2025، سعي المملكة لتجيير المدفوعات السعودية الضخمة لما هو أبعد من عائد الاستثمار العادي -مع كونها حدثت بطلب أميركي (يمكن اعتباره ضغطاً)- نحو تحصيل مكسب استراتيجي معتبر يعظّم هذا العائد، خاصةً مع الصعود الإيراني الجديد، وتكشّف إخفاق الحرب الحالية في "تحجيم" الطرف الرافض للهيمنة الغربية في غرب آسيا، وفي ظل الهشاشة الجديدة لسوق الطاقة، وغياب صيغة مستدامة للتوافق والاستقرار مع اليمن. والمحصلة هي الاحتياج إلى إعادة إنتاج "الضمانة الأمنية" الأميركية ثم تكريسها، وتعميق الاستفادة منها ومن التحالف الوثيق مع شخص ترامب.

وفي الخلفية، يحذر خبراء مثل كيلسي دافنبورت، الخبير في منع الانتشار النووي، من أن الاتفاق يمثل سابقة سلبية تشجّع دولاً أخرى على المطالبة باستثناء من المعايير الدولية المتعلقة بالتفتيش النووي، وهو الطرح نفسه الذي أثاره النائب في الكونغرس عن الحزب الديمقراطي براد شيرمان، معرباً عن قلقه إزاء غياب "عمليات التفتيش الدولية الصارمة" في هذا الملف.

لكن يظل مسار البرنامج ملغوماً بسياسة المناورات والتزام ترامب بها مع الحلفاء والخصوم على حد سواء، إضافة إلى علامات استفهام تنفيذية؛ مثل ذكْر ترامب في منشور لاحق للاتفاق أنه "لن يكون هناك أي تخصيب"، في مقابل نصّ الإطار القانوني للاتفاق على إجراء دراسة مشتركة أولاً من دون إلزام مستقبلي واضح بعدم التخصيب، وهو ما لا يغلق باب التخصيب مستقبلاً بالمعنى التام، بخلاف اتفاق "المعيار الذهبي" بين أميركا والإمارات عام 2009 الذي يحظر التخصيب داخل البلاد بصفة دائمة. ويضاف إلى ذلك سؤال آخر عن التطبيع مع "إسرائيل" والانضمام لاتفاقيات أبراهام، التي روّج لها ترامب بعد الاتفاق النووي قائلاً إنها "حققت مكاسب للدول المنضمة"، في معرض تأكيده أن التعاون النووي مع الرياض مسار يعزز أمن المنطقة واستقرارها.

اخترنا لك