اليمين يبتلع "إسرائيل": قصة تحوّل من الداخل
المجتمع الإسرائيلي يشهد تحوّلاً جذرياً نحو اليمين الديني والقومي، مع تراجع قاعدة اليسار، في ظل صراع محتدم حول الهوية والدين والأمن.
-
المجتمع الإسرائيلي يشهد تحوّلاً جذرياً نحو اليمين الديني والقومي
منذ احتلال فلسطين وإعلان تأسيس الكيان عام 1948، لم يكن الصراع الحزبي في "إسرائيل" محصوراً بتناوب السلطة، بل كان انعكاساً ومرآةً لتحولات أعمق: خوفٌ يتبدّل شكله، ومجتمعٌ يعيد تعريف نفسه، وهويةٌ ضائعة تتأرجح بين "الدولة العلمانية" و"الدولة التوراتية"، وصراع بين خطاب "السلام" وواقع "إدارة الصراع"، والعيش على "حدّ السيف".
الأرقام التي راكمتها استطلاعات "معهد الديمقراطية الإسرائيلي" و"معهد دراسات الأمن القومي" ونتائج الانتخابات المتلاحقة، أظهرت شيئاً واحداً بوضوح: المجتمع الإسرائيلي تغيّر، والأفكار التي أسست الكيان من "مساواة واشتراكية وصهيونية" اضمحلت، واليسار الإسرائيلي لم يخسر انتخابات فحسب… بل خسر قاعدة اجتماعية كاملة، فيما صار اليمين — بأطيافه القومية والدينية — اللغة الغالبة في الشارع وفي صناديق الاقتراع. وعلى هذا الدرب تسير "إسرائيل"، لتكون "دولة يمينية دينية".
في الثلث الأول من عمر الكيان، كان المشهد محسوماً: حَكم "مباي" الذي صار لاحقاً "حزب العمل" "إسرائيل" من دون منازع تقريباً. حَمل الحزب سردية "الصهيونية العمالية"، وبناء المؤسسات وتشكيل المجتمع الجديد، وكانت هذه الأفكار متأثرة بالفلسفات الاشتراكية التي كانت منتشرة في أوروبا. ثم في تشرين الثاني/أكتوبر من عام 1973، جاء المنعطف الكبير: "حرب تشرين" كسرت صورة "الجيش" الذي لا يُقهر، وزادت الشكوك في قيادة النخبة الأشكنازية التي كانت مسيطرة على الحكم، ولم تكن ترى في اليهود الشرقيين (المزراحي) سوى يد عمل رخيصة، مما فتح الباب أمام غضب المزراحيين الذين شعروا طويلاً بأنهم مواطنون من درجة ثانية في "دولة" تتغنّى بالمساواة وتُدار فعلياً من طبقة واحدة.
تحول المجتمع لم يكن وليد لحظة انتخابية فقط؛ كان مساراً طويلاً: ديموغرافيا تغيّرت، وصعود تيارات دينية، وتوسع استيطاني بعد 1967، ثم أعاد حدثان تشكيل المزاج الإسرائيلي: فشل "عملية السلام" واندلاع "الانتفاضة الثانية". بعد توقيع "اتفاقية أوسلو" سجّلت بيانات "مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي" أن 36% من اليهود عرّفوا أنفسهم "يساراً" مقابل 29% "يميناً".
لكن الريح تغيّرت سريعاً. انهارت "اتفاقية أوسلو" عام 2000، ثم اندلعت الانتفاضة الثانية في العام نفسه، ودخل المجتمع الإسرائيلي حالة صدمة ساهم "الليكود" في تعميقها للإمساك بالحكم أكثر: "هؤلاء الذين أراد حزب العمل السلام معهم… انظروا ماذا يفعلون: عمليات، تفجيرات". لم يكتفِ رئيس "الليكود" حينذاك، أرييل شارون، وشريكه بنيامين نتنياهو، بهذه السردية، بل عزّزا قناعة أنه لا "يوجد شريك" لتوقيع اتفاقية سلام. تلك العبارة التي رسّخها اليمين الإسرائيلي حفرت عميقاً في وجدان العامة، وتسللت إلى فئات كانت تصوّت لليسار أو للوسط، وأصبح هؤلاء ينجذبون إلى اليمين ليحقق لهم ما روّج له: الأمن. هذا التبدل جعل نسبة اليسار اليوم في "إسرائيل" 11%، فيما صعدت نسبة من يعرّفون أنفسهم "يميناً" إلى نحو 62% عام 2022.
كما ساهمت لعبة الديموغرافيا في زيادة عدد اليمينيين. إذ شهد "المجتمع الحريدي" تحديداً نمواً سريعاً، فبلغت نسبتهم نحو 13.5% من السكان عام 2023 (نحو 1.28 مليون)، مع نمو قارب 4% سنوياً، ما سيرفع نسبتهم إلى نحو 16% مع نهاية العقد. في المقابل، لا يزال أكثر اليهود يعرّفون أنفسهم علمانيين أو تقليديين: نحو 45% علمانيون، و33% تقليديون، و12% دينيون، و10% حريديم، وفق تقديرات 2021. لكن المفارقة أن الدين السياسي أقوى من حجمه العددي. لماذا؟ لأن الأحزاب الدينية تتقن لعبة الائتلافات، إذ صارت "شاس" و"يهدوت هتوراه" "بيضة القبان"، وتفرض على الحكومات ميزانيات وإعفاءات وتشريعات، وتعيد تعريف "الدولة" خطوة خطوة.
إلى جانب "الحريديم"، صعد تيار "الصهيونية الدينية" بعد عام 1967 بوصفه رأس حربة الاستيطان في الضفة، ثم تحوّل من حركة إلى خطاب، ومن خطاب إلى أحزاب أكثر راديكالية. وصول حكومة بنيامين نتنياهو عام 2022 بأثقل تمثيل ديني–قومي وأكثره تشدداً كشف عمق التحوّل الذي أصاب المجتمع الإسرائيلي: نصف الائتلاف تقريباً من أحزاب دينية ("شاس"، "يهدوت هتوراه"، "الصهيونية الدينية") مدعومة بيمين ليكودي ذي توجه تقليدي. فحصلت هذه الأحزاب على امتيازات: إعفاءات لطلاب المدارس الدينية، وزيادات في المخصصات، وصراعاً مع المحكمة العليا، وتشدداً في قضايا عطلة يوم السبت والنقل العام، ومحاولات لتعديل قواعد اللعبة القضائية، ومنح الحاخامية سلطة أكبر على الأحوال الشخصية.
في المقابل، ازداد قلق العلمانيين. فبحسب استطلاع نُشر عام 2024 قال 67% منهم إنهم يشعرون بأن نمط حياتهم مهدد بسبب نفوذ الجماعات الدينية. لذلك ظهرت حركات علمانية تضغط لفصل أوضح بين الدين و"الدولة"، وتضع "السبت" و"الأحوال الشخصية" و"تجنيد الحريديم" في قلب معركة الهوية. أزمة "الإصلاح القضائي" عام 2023 كانت ذروة هذا الاشتباك: معارضون رأوا فيها محاولة من تحالف ديني–قومي لإعادة تشكيل "الدولة" من فوق، ومؤيدون قرأوها كتصحيح لما يسمونه "دولة المحكمة".
هنا تتضح الحقيقة: "إسرائيل" في صراع مع نفسها؛ أي "دولة" تريد أن تكون؟ "دولة" نخبة ليبرالية أم "دولة" توراتية قومية؟ والجواب، حتى الآن، يميل يوماً بعد يوم نحو اليمين الديني والقومي، لأن الديموغرافيا والسياسة تسيران في اتجاه واحد. وظهرت هذه التحولات في صندوق الاقتراع: من "دولة" حكمها اليسار منذ تأسيس الكيان حتى 1977، إلى ثنائية قطبية (يمين/"الليكود" مقابل يسار/"حزب العمل") في الثمانينيات والتسعينيات، إلى مشهد جديد: يسار يتفكك، ووسط يتضخم، ويمين يبتلع الجميع.
"حزب العمل" الذي قاد تاريخاً كاملاً صار يقاتل كي يبقى. في 2022 حصل على 4 مقاعد فقط، وخرج "ميرتس" من "الكنيست" بعد فشله في تجاوز نسبة الحسم، واليوم يضطر "حزب العمل" إلى التحالف مع أحزاب يسارية أخرى ضمن تحالف "ديموقراطيون" برئاسة يائير غولان لضمان بضعة مقاعد له.
في المقابل، رسّخ "الليكود" موقعه (32 مقعداً في 2022) وتحالف مع أحزاب دينية وقومية متشددة مثل "الصهيونية الدينية" و"عوتسما يهوديت"، ومع "شاس" و"يهدوت هتوراه". هذه ليست حكومة "يمين" فقط؛ إنها حكومة تعكس قاعدة اجتماعية صارت ترى "الدولة" عبر ثلاث كلمات: أمن، هوية، دين.
أما الوسط، فنجح لأنه قدّم نفسه حلاً "إدارياً" أكثر منه حلاً أيديولوجياً: "كديما" عام 2006، ثم "يش عتيد"، ثم "أزرق أبيض" عام 2019 بقيادة جنرالات سابقين. الوسط استوعب ناخبين تخلّوا عن اليسار، لكنه لم يجرؤ على تبنّي أجندة يسارية. لذلك صار أقرب إلى يمين "معتدل" في الأمن، وأقرب إلى ليبرالية "انتقائية" في الداخل، مع هدف واحد يجمعه غالباً: كسر احتكار نتنياهو، لا كسر منطق اليمين. اليوم حتى من ينافس "الليكود" يضطر إلى تبنّي خطاب أكثر صرامة كي يبدو "مؤهلاً" في نظر جمهور يعتبر الأمن معيار الشرعية الأول. وهذا، في النهاية، هو الانتصار الأكبر لليمين: أنه فرض لغته على خصومه. وما نفتالي بينت إلا مثالاً على ذلك.
يبقى السؤال الذي يجب أن يطارد الجميع: إذا كان الجمهور الإسرائيلي قد انتقل إلى اليمين بهذا العمق، فهل من ينادي اليوم بالتطبيع منطقي؟ نحن أمام مجتمع تغيّر، ويرى بالآخر عدواً، حتى لو كان الآخر يهودياً غير متدين. فكيف، برأيكم، سينظر إلينا وهو يعتبر أن التطرف أصبح أمراً عادياً؟