العائدات تشتعل.. ما الذي قصده قاليباف؟ وما علاقة سندات الخزينة بالحرب على إيران؟

في الوقت الذي تتباهي فيه الولايات المتحدة الأميركية بمزاعم الانتصارات، تواجه حقائق قاسية تكاد تخرج من سيطرتها وقدرتها على ضبطها، واحدة من هذه الحقائق هو ارتفاع عائدات سندات الخزينة.

  • عائدات سندات الخزانة الأميركية تواجه نيران الحرب
    عائدات سندات الخزانة الأميركية تواجه نيران الحرب

في ردّ على تغريدة لوزير الخزانة الأميركية، سكوت بيسينت، ادعى فيها أن الولايات المتحدة الأميركية استطاعت إخراج 130 مليون برميل نفط من مضيق هرمز خلال الأسبوعين الفائتين، أشار رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، إلى الأضرار الاقتصادية التي يتكبدها الاقتصاد الأميركي نتيحة الحرب العدوانية الأميركية الإسرائيلية على إيران. خاتماً تغريدته بالقول "العائدات تشتعل" في غمز من زاوية ارتفاع عائدات سندات الخزانة الأميركية.

فما هي عائدات الخزانة؟ وما هي أسباب ارتفاعها؟ وما هو أثر ذلك الارتفاع على الاقتصاد الأميركي والعالمي؟ وما الدور الذي يلعبه اغلاق مضيق هرمز في التأثير على تلك العائدات؟

عائدات سندات الخزانة: التعريف والدور

عائد سندات الخزينة الأميركية، هو الكلفة التي يطلبها المستثمر لقاء إقراض الحكومة الأميركية. وهو ليس سعر السند نفسه: العلاقة بين الاثنين عكسية. عتدما ينخفض سعر السند في السوق، يصبح العائد الفعلي الذي يحصل عليه المشتري الجديد أعلى. وتكتسب "السندات لأجل عشر سنوات" أهمية خاصة لأن عائدها يمثل مرجعاً أساسياً لتسعير الرهون العقارية، وقروض الشركات، وعدد كبير من الأصول المالية.

وعندما يرتفع العائد، ترتفع حكماً كلفة الاقتراض للحكومة عند إعادة تمويل ديونها، وتزداد كلفة تمويل الشركات، كما تصبح القروض العقارية أكثر كلفة. وفي المقابل، تصبح السندات أكثر جاذبية للمستثمرين مقارنة ببعض الأسهم والأصول عالية المخاطر.

نيران عائدات سندات الخزانة الأميركية

دفعت عودة التصعيد العسكري الأميركي ـ الإيراني، في مساء 30 - 31 آب/أغسطس الجاري أسعار النفط إلى أكثر من 90 دولاراً للبرميل، وكان العائد قد أنهى جلسة 28 آب عند 4.73%  وفق بيانات وزارة الخزانة الأميركية.

ويرتبط ارتفاع العوائد الحالية بعوامل متعددة:

التضخم الأميركي 

ارتفع التضخم الاقتصادي في الولايات المتحدة في تموز/يوليو 2026 إلى 3.4%   على أساس سنوي، بينما زاد مؤشر أسعار المستهلكين 0.1% خلال الشهر. والأهم أن التضخم لا يزال أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. وفي 29 تموز/يوليو، أبقى الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة عند 3.5% - 3.75%، مع اعترافه بأن صدمات العرض، ومنها الطاقة، ساهمت في استمرار التضخم.

العجز المالي

يتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي، أن يبلغ العجز الفيدرالي في السنة المالية 2026 نحو 1.9  تريليون دولار، أو 5.8% من الناتج المحلي، وأن يبلغ الدين المحتفظ به لدى الجمهور 101% من الناتج. وفي أول عشرة أشهر من السنة المالية بلغ العجز بالفعل 1.8  تريليون دولار، بزيادة 169 مليار دولار عن الفترة نفسها من السنة السابقة. وكلما احتاجت الخزانة إلى إصدار كميات كبيرة من الدين، يصبح استعداد المستثمرين لامتصاص هذا المعروض عند العوائد القائمة عاملاً مهماً في تحديد الأسعار والعوائد، ولا سيما في الآجال الطويلة. 

الحرب على إيران

يشير صندوق النقد الدولي إلى أن الحرب الأميركية الإسرائيلية، وما تبعها من إغلاق المضيق فعلياً في مرحلتها الأولى، تسببت بتعطيل نحو 20  مليون برميل يومياً من الخام والمنتجات النفطية، أي قرابة خمس الاستهلاك العالمي. وقد حالت المخزونات وزيادة الإنتاج خارج الخليج، وتراجع الطلب دون انفلات أكبر للأسعار، لكن الصندوق حذر في تموز من أن هوامش الأمان بدأت تنفد.

ومع عودة الهجمات في الأيام الماضية، ارتفع خام برنت أكثر من 3% خلال التعاملات، متجاوزاً 90 دولاراً. وذلك رغم ما ادعته وكالة "رويترز" بأن تدفقات النفط عبر المضيق تعافت جزئياً إلى نحو 15 ـ 16 مليون برميل يومياً. وكلما طال الاضطراب، ارتفعت علاوة المخاطر التي تدخل في سعر النفط، ومعها احتمال انتقال الصدمة إلى النقل، والإنتاج، والطاقة، وأسعار المستهلك.

المعادلة التي تخشاها الأسواق الآن هي أن طول مدة الحرب، سترفع أسعار النفط، وهو ما سيؤدي إلى تضخم أكثر ثباتاً، أي فائدة أعلى لفترة أطول وهذا سيحافظ بالتالي على استمرار ارتفاع عوائد السندات.

وظهر هذا الخوف مباشرة في تسعير الفائدة؛ فبعد تصريحات متشددة لرئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، ارتفعت توقعات الأسواق لرفع الفائدة في أيلول/سبتمبر إلى نحو 64%، بعدما كانت 35% قبل تصريحاته، مع بقاء البيانات الاقتصادية المقبلة حاسمة في القرار.

وعلى الرغم من أنّ الحرب، في الظروف التقليدية، تدفع المستثمرين إلى الملاذات الآمنة، وفي مقدمتها سندات الخزانة، فيرتفع الطلب عليها وتنخفض عوائدها. لكن الصدمة الحالية تضرب سوق السندات من الجهة الأخرى، الخوف من نقص الطاقة يعني خوفاً من التضخم، والتضخم يعني فائدة أعلى، والفائدة الأعلى تعني عائداً أكبر مطلوباً على السندات.

أثار الحرب على إيران على الاقتصاد خارج الولايات المتحدة الأميركية

لم تلبث العدوى الاقتصادية أن انتقلت بسرعة إلى أوروبا. إذ أبقى البنك المركزي الأوروبي الفائدة دون تغيير في 23 تموز/يوليو الفائت، لكنه قال إن أسعار الطاقة بقيت أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، وإن الأثر التضخمي الكامل للصدمة لم يظهر بعد. 

وبلغ تضخم منطقة اليورو 2.8% في حزيران/يونيو الفائت، بينما يرى البنك أن ارتفاع الطاقة قد يبقي التضخم فوق الهدف حتى النصف الأول من 2027، في وقت تهدد فيه أسعار الطاقة المرتفعة الدخل الحقيقي والاستهلاك والاستثمار.

كما أظهر محضر اجتماع المركزي الأوروبي، أن ارتفاع العوائد الأوروبية منذ اندلاع الحرب عكس ارتفاعاً في تعويضات التضخم والعوائد الحقيقية، وأن الأسواق كانت تسعّر تشديداً إضافياً للسياسة النقدية.

أما عالمياً، فإن الصدمة النفطية ضربت الاقتصادات المستوردة للطاقة أولاً، ورفعت تكاليف الشحن والتأمين والإنتاج، كما ضغطت على الأسواق الناشئة التي تحتاج إلى تمويل خارجي. وقد خفض صندوق النقد توقعاته السابقة للنمو العالمي إلى 3% في 2026، مع رفع توقع التضخم العالمي إلى 4.7%، محذراً من أن استمرار الحرب يمكن أن يبدد المكاسب التي حققتها عملية خفض التضخم.

لهذا، فإن "نيران عائدات سندات الخزانة الأميركية"، وإن كانت لا تعني أن الاقتصاد الأميركي يقف على حافة الانهيار، لكن الخطر يكمن في اجتماع عدة عوامل، أهمها ارتفاع سعر النفط، وارتفاغ التضخم، والفائدة، ونمو الدين والعحز الحكومي. وعندها قد تتحول الصدمة الجيوسياسية من ارتفاع مؤقت في أسعار الطاقة إلى حلقة اقتصادية أوسع، تبدأ بارتفاع أسعار الطاقة، وتؤدي في نهاية إلى نمو أضعف.

والسؤال الذي يبقى مفتوحاً هو، إلى أي حد تستطيع الولايات المتحدة تحمّل هذه الحلقة إذا طال أمد الحرب واضطربت سوق الطاقة العالمية أكثر بعد مع تجاوز الدين العام 40 تريليون دولار أيضاً؟

اقرأ أيضاً: تقرير: سياسات ترامب الخارجية تدفع أسعار الفائدة إلى الارتفاع

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك