الداخل الفلسطيني ينزف: الجريمة المنظمة تحكم الشارع

الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948يشهد تصاعداً غير مسبوق في جرائم القتل والعنف، ما يهدد النسيج الاجتماعي ويقوّض الأمان، وسط غياب الحلول الأمنية من السلطات الإسرائيلية.

  • تظاهرة احتجاجية عند مدخل بلدة كوكب أبو الهيجاء، تنديداً باستفحال جرائم القتل 2025 (مواقع فلسطينية)
    تظاهرة احتجاجية عند مدخل بلدة كوكب أبو الهيجاء في الجليل تنديداً باستفحال جرائم القتل 2025 (مواقع فلسطينية)

في ظلّ التصاعد غير المسبوق لجرائم القتل والعنف في المجتمع العربي داخل أراضي 1948، تتزايد المخاوف من تحوّل هذه الظاهرة إلى واقع دائم يهدد النسيج الاجتماعي ويقوض ما تبقى من شعور بالأمان في البلدات العربية. لم تعد الجرائم حوادث متفرقة تُسجَّل في نشرات الأخبار، بل أصبحت حدثاً شبه يومي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة، من الشارع إلى المدرسة، ومن البيت إلى مكان العمل، لتصبح حالة القلق عامة وتشمل مجتمعاً بأسره يعيش تحت وطأة الترقب والخوف من المجهول.

استناداً إلى المعطيات الصادرة عن مراكز الرصد في الداخل، والتي توثق أرقاماً مرتفعة للقتل والإصابات والجروح النفسية، وكذلك تصريحات الخبراء والمختصين، يتضح أن الوضع تجاوز كل الحدود التقليدية للأزمات الأمنية والاجتماعية.

وفي مقابلة خاصة مع "الميادين نت"، قدّمت الناشطة والعاملة الاجتماعية يارا صفوري من الداخل المحتل قراءة ميدانية معمقة للواقع، مستندة إلى تجربتها المهنية في العمل الاجتماعي ومعايشتها اليومية لتداعيات العنف على الأفراد والعائلات والمجتمع ككل.

تفاقم الجريمة والعنف في المجتمع العربي بالداخل المحتل: أزمة تهدد النسيج الاجتماعي

يشير خبراء ومختصون إلى أنّ تصاعد العنف والجريمة في المجتمع العربي داخل أراضي فلسطين المحتلة عام 1948، يرتبط بشكل مباشر بسياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي يصفها البعض بأنها تغذي هذا الواقع من خلال تقاعسها عن مواجهة الجريمة بجدية وغياب أي استراتيجيات فعالة لحماية المجتمع.

ويرى رئيس لجنة المتابعة العليا لشؤون فلسطينيي 48، جمال زحالقة، أنّ الطبيعة المتطرفة لهذه الحكومة برئاسة بنيامين نتنياهو وبمشاركة إيتمار بن غفير، إلى جانب عودة ملف التهجير إلى صدارة التفكير السياسي والأمني الإسرائيلي بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر2023، ساهمت في تفاقم الجريمة بشكل غير مسبوق، وجعلت الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948 يعيشون في دائرة من العنف المستمر والتهديد اليومي.

ويرى زحالقة أنّ رفض "إسرائيل" لأيّ تسوية سياسية، بما في ذلك حل الدولتين، يجعل إدارة الواقع عبر نظام فصل عنصري غير مستقر، ويجعل التهجير خياراً استراتيجياً بديلاً، بينما يشير إلى وجود نوع من "التسامح الإسرائيلي" مع تفشي الجريمة والعنف داخل المجتمع العربي، ما قد يدفع بعض الفلسطينيين إلى مغادرة البلاد بحثاً عن الأمان، في حين أن المجتمع جماعياً سيعمل على إفشال أي مخطط من هذا النوع ولن يغادر أرضه.

وتعزز المعطيات الصادرة عن مركز أمان (المركز العربي لمجتمع آمن) هذه المخاوف، إذ وصف المركز الوضع بأنه مقلق في ظل تصاعد العنف والجريمة منذ تشكيل الحكومة الحالية، حيث تم تسجيل أكثر من 800 جريمة قتل، إلى جانب أكثر من 5000 إصابة جسدية وآلاف المتضررين نفسياً، إضافة إلى أكثر من 500 طفل فقدوا أحد والديهم، فضلاً عن توثيق أكثر من 75 ألف حادثة إطلاق نار، ما يعكس خللاً عميقاً في التعامل مع ملف الجريمة وغياب سياسات فعّالة توفر الحماية للسكان.

وحذّر المركز من أنّ استمرار هذا الواقع يشكل تهديداً مباشراً للنسيج الاجتماعي، داعياً إلى تحمّل المسؤولية بصورة جماعية ومحاسبة الجهات المعنية بجدية، ووضع قضية الأمن الشخصي في صدارة الاهتمام العام. وفي هذا السياق، يشدد رئيس المركز كامل ريان على ضرورة تصعيد الحراك المجتمعي داخل المجتمع العربي، والاستمرار فيه على الرغم من الألم الذي تخلّفه كل جريمة قتل.

حصيلة مرتفعة للقتلى خلال 2024 و2025: جريمة كل يومين تقريباً والشباب في قلب دائرة الاستهداف

شهد المجتمع العربي في الداخل المحتل عاماً يوصف بأنّه الأكثر دموية منذ عقود، في ظلّ تصاعد حاد في جرائم القتل واتساع دائرة العنف المنظم داخل البلدات العربية. هذه الظاهرة لم تعد تُقرأ باعتبارها أحداثاً جنائية منفصلة، بل باتت تُطرح بوصفها أزمة بنيوية تتداخل فيها عوامل سياسية وأمنية واجتماعية، وسط اتهامات متزايدة للسلطات الإسرائيلية بالتقاعس عن مواجهة الجريمة أو احتوائها.

يشير تقرير صادر عن مركز معطى إلى تصاعد متواصل في جرائم القتل والعنف داخل المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني المحتل، في ظاهرة باتت تُلقي بظلال ثقيلة على الإحساس بالأمن والاستقرار الاجتماعي. فمع انتشار السلاح وتزايد نشاط العصابات، تتعاظم مخاوف السكان، في ظل اتهامات متكررة للشرطة الإسرائيلية بالتقاعس عن مواجهة الجريمة وتركها تتفاقم داخل البلدات العربية.

ووفق التقرير، فقد شهدت المدن والقرى الفلسطينية في الداخل تصاعداً ملحوظاً في وتيرة العنف منذ تولي إيتمار بن غفير منصب وزير الأمن القومي، حيث ارتفعت حصيلة ضحايا الجريمة المنظمة خلال عام 2024 إلى مستويات غير مسبوقة مقارنة بالسنوات السابقة. وبحسب المعطيات، بلغ عدد ضحايا جرائم القتل خلال عام 2024 نحو 235 قتيلاً، بينهم 17 سيدة وشابة و10 أطفال دون سن السابعة عشرة، إضافة إلى قرابة 725 مصاباً من جراء أعمال العنف المختلفة، وهو الرقم الأعلى الذي يسجَّل منذ عقود داخل المجتمع العربي. كما وثق التقرير 590 جريمة داخل الوسط العربي الفلسطيني في الداخل المحتل خلال العام نفسه، تنوعت بين إطلاق نار واعتداءات وعمليات طعن ودهس وتفخيخ مركبات بهدف الاغتيال.

كشف تقرير صادر عن جمعية الشباب العرب أنّ عام 2025 كان من أكثر الأعوام دموية في الداخل الفلسطيني المحتل، إذ بلغ عدد ضحايا الجريمة المنظمة 255 قتيلاً، بمعدّل يقارب جريمة قتل كل يومين، وهي الحصيلة الأعلى خلال العقد الأخير.

وأشار التقرير إلى أن الشباب يشكلون الفئة الأكثر تأثراً بجرائم القتل، حيث تُظهر البيانات أن نحو 54% من الضحايا خلال عام 2025 تراوحت أعمارهم بين 16 و30 عاماً، بحسب ما أورده الموقع. وتبقى الفئة العمرية بين 26 و30 عاماً الأكثر استهدافاً، وهو نمط يتكرر منذ سنوات.

كما لفت التقرير إلى تسجيل ارتفاع ملحوظ في عدد الضحايا من الفئات العمرية الأكبر، في مؤشر على أن دائرة العنف باتت تتسع تدريجياً ولا تقتصر على فئة محددة من المجتمع. وبحسب المعطيات الواردة، بلغ معدّل جرائم القتل في الداخل الفلسطيني نحو 13.75 قتيلاً لكل 100 ألف مواطن، وهو معدّل مرتفع يضع هذه المنطقة في المرتبة السابعة عالمياً بين المناطق ذات أعلى معدلات القتل.

خوف يومي يقيد الحياة

تؤكد صفوري في حديثها لـ"الميادين نت" أنّ موجة الجريمة الأخيرة لم تبقَ في إطار العناوين الإخبارية، بل اقتحمت تفاصيل حياتها الشخصية وحياة من حولها، وفرضت إيقاعاً جديداً قائماً على الحذر الدائم. تقول إنّها باتت تتجنب مناطق معينة، وتعيد حساباتها قبل أي تنقل، وتفضل البقاء في المنزل لساعات أطول بدافع الخوف.

وتوضح أنّ الشعور بالأمان، الذي يُفترض أن يكون حقاً طبيعياً، تحوّل إلى رفاهية مفقودة. الخروج في المساء لم يعد أمراً عادياً، والتجمعات الاجتماعية باتت مشروطة بحسابات دقيقة للمكان والزمان. حتى المناسبات العائلية لم تعد بمنأى عن القلق، في ظل أخبار متكررة عن إطلاق نار في أحياء سكنية مكتظة.

وتضيف صفوري أن "الرصاصة الطائشة" لم تعد تعبيراً مجازياً بل احتمالاً واقعياً يراود الأهالي يومياً. هذا الخوف، بحسب قولها، يرافق الأمهات والآباء في كل تفصيل، عند ذهاب الأطفال إلى المدرسة، في أثناء لعبهم في الحي، وحتى عند عودتهم مساءً إلى منازلهم.

القلق أصبح حالة دائمة تسكن البيوت. وتشير إلى أنّ هذا المناخ المشحون يترك أثراً نفسياً عميقاً، خاصة لدى الأطفال الذين ينشأون في بيئة يسودها التوتر والترقب. فمشاهد إطلاق النار، وأصوات الإسعاف، وأخبار القتل المتكررة، كلها عناصر تشكل وعياً جمعياً مثقلاً بالخوف، وتؤسس لجيل يعيش تحت ضغط مستمر.

وترى صفوري أنّ أخطر ما في الأمر ليس فقط عدد الضحايا، بل تحول الخوف إلى جزء من الروتين اليومي، بحيث بات الناس يطبعون حياتهم مع القلق، ويتعاملون معه كقدر لا مفر منه. وتختم بالقول إن مجتمعاً يعيش بهذه الحالة من الانكماش والاحتراز الدائم، لا يمكنه أن ينمو أو يخطط لمستقبل آمن لأبنائه.

أزمة ثقة مع "الشرطة"

وفي ما يتعلق بدور "الجهات الرسمية"، ترى صفوري أنّ المشكلة لا تقتصر على ضعف الأداء الأمني، بل تمتد إلى أزمة ثقة عميقة ومتراكمة بين المجتمع العربي ومؤسسات إنفاذ القانون في "إسرائيل". وتؤكد أنّ شريحة واسعة من المواطنين لا تنظر إلى الشرطة بوصفها جهة حامية، بل كجسم منفصل عنهم، وأحياناً مصدر تهديد بحد ذاته.

وتستحضر صفوري تجارب شخصية وعائلية وصفتها بالعنيفة، من مداهمات متكررة للمنازل، وتفتيش من دون مبررات واضحة، وتعامل خشن خلف آثار نفسية عميقة. وتقول إنّ مثل هذه الممارسات لا تُنسى بسهولة، بل تترسخ في الذاكرة الجمعية، وتعيد إنتاج مشاعر الغضب والاغتراب كلما تكررت.

وتوضح أنّ الإشكالية لا تكمن فقط في سلوكيات فردية، بل في انطباع عام بأنّ التعاطي الأمني مع المجتمع العربي يتسم بازدواجية؛ فحين يتعلق الأمر بملاحقة مخالفات مدنية أو تنفيذ اقتحامات يكون الحضور الشرطي مكثفاً، بينما يتراجع هذا الحضور أو يتباطأ عندما يتعلق الأمر بجمع السلاح غير القانوني أو كشف جرائم القتل.

هذا التناقض، بحسب صفوري، يعمق الشعور بأن حياة المواطنين العرب لا تحظى بالأولوية ذاتها، ويغذي قناعة لدى البعض بأن هناك تقصيراً ممنهجاً في التعامل مع ملف الجريمة. كما أن تدني نسب كشف الجرائم، مقارنةً بمناطق أخرى، يعزز الإحساس بانعدام الردع ويجعل اللجوء إلى الشرطة خيارًا لا يحظى بثقة حقيقية.

فجوة صارخة في معدلات الجريمة

تؤكد صفوري أنّ الحديث عن الجريمة في المجتمع العربي لا يمكن فصله عن الفجوة الواضحة في معدلاتها مقارنة بالمجتمع اليهودي داخل "إسرائيل"، فبحسب ما تشير إليه، فإن نسبة جرائم القتل والعنف الخطير في البلدات العربية تفوق بشكلٍ لافت نسبتها في البلدات اليهودية، على الرغم من أنّ المواطنين العرب يشكلون أقلية سكانية.

وترى صفوري أنّ هذه الفجوة مؤشراً على خلل بنيوي عميق في توزيع الموارد، وأولويات إنفاذ القانون، والسياسات العامة. فحين ترتفع معدلات القتل في مجتمع بعينه بهذا الشكل المستمر، دون انخفاض ملموس أو معالجة جذرية، فإن ذلك يطرح تساؤلات جدية حول أسباب التفاوت.

وتنتقد صفوري تدني نسب كشف الجرائم في المجتمع العربي، خاصة في ملفات القتل، معتبرة أن غياب المحاسبة السريعة والحاسمة يضعف الردع ويمنح الجناة شعوراً بالإفلات من العقاب. وتوضح أنّ العدالة البطيئة أو الغائبة لا تؤذي الضحايا فحسب، بل تفتح الباب أمام تكرار الجريمة، لأنّ الرسالة التي تصل إلى الشارع تكون أنّ الكلفة ليست مرتفعة بما يكفي.

تصاعد العنف والجريمة يدفع الفلسطينيين في الداخل المحتل إلى الاحتجاج

شهد المجتمع العربي داخل أراضي 1948 تصاعداً غير مسبوق في جرائم القتل والعنف خلال الفترة الأخيرة، ما أثار مخاوف واسعة من تحول هذه الظاهرة إلى واقع دائم يهدد النسيج الاجتماعي ويقوّض شعور المواطنين بالأمان.

استناداً إلى معطيات مراكز الرصد في الداخل، فقد ارتفع عدد ضحايا الجريمة المنظمة منذ بداية العام الجاري إلى أكثر من 48 شخصاً، بعد أن سجل عام 2025 حصيلة قياسية بلغت 255 قتيلاً، لتضع الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948 ضمن أعلى الدول عالمياً في تفشي الجريمة المنظمة.

وقد أظهرت الإحصاءات أنّ نسبة ضحايا الجرائم بين الفلسطينيين تتجاوز 80% على الرغم من أنّ نسبتهم لا تتعدى 20% من السكان، مقارنة بنحو 20% فقط بين اليهود الإسرائيليين، وهو ما يعكس هشاشة الوضع الأمني وفشل السياسات الرسمية في حماية المجتمع.

وفي مواجهة هذا الواقع، شرع فلسطينيون الداخل المحتل في خطوات احتجاجية تصعيدية تشمل المسيرات والإضرابات عن العمل وتنظيم قوافل مركبات ضخمة، إلى جانب الدعوات إلى العصيان المدني الكامل. وشهدت مدن مثل سخنين و"تل أبيب" تنظيم تظاهرتين تحت مسمى "الرايات السوداء"، شارك فيهما عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بالإضافة إلى التظاهرات شبه اليومية في القرى والبلدات والخيم الاعتصامية.

ويبقى المجتمع العربي في أراضي فلسطين المحتلة عام 1948 أمام اختبار حقيقي لقدرة مؤسساته وفاعلية المجتمع على حماية أبنائه وإعادة الأمن إلى شوارع بلداته. ومع استمرار العنف وتفشي الجريمة، تتزايد المخاطر على الأجيال الصاعدة، ويطرح الواقع سؤالاً صعباً: هل ستنجح الجهود الجماعية في كسر دائرة الخوف والعنف، أم سيستمر شلال الدم في تهديد حياة المجتمع ومستقبله؟

اخترنا لك