الحرب في أوكرانيا.. ما الثمن المطلوب لإنهائها؟

بعد محاولات عدة للحل، قدّم ترامب خطّةً جديدة رحّبت بها روسيا، فيما استقبلتها كييف ببرودٍ وانتقاداتٍ منمّقة، وإن لم ترفضها بشكلٍ مباشر.. كيف يبدو المشهد السياسي والميداني؟

  • الحرب في أوكرانيا.. ما الثمن المطلوب لإنهائها؟
    الحرب في أوكرانيا.. ما الثمن المطلوب لإنهائها؟

تُطرح التّساؤلات يوميّاً عن المسار المقبل للعالم في ظلّ التطورات التي تُقاد في أوروبا الشّرقيّة بـ "إشرافٍ" أميركيّ، إذ لا تغيب عنِ ترامب متابعة مجريات الحروب، حتى لو كانت يده ممدودةً نحو المخطّطات الشّاملة في غرب آسيا. 

يجري الحديث الاعتياديّ عن "هيكلٍ جديدٍ للعالم"، بالتوازي مع مخاوف من "حربٍ عالميّةٍ ثالثة"، إزاء تصاعد قوى إقليمية جديدة تؤدي أدواراً جليّةً في مجالَي السياسة والاقتصاد العالميَين، باعتبار أنّ الحرب في أوكرانيا لها يدٌ في إعادة تنظيم الهيكل العالمي الجديد، إذ لا تقتصر الأزمة على نزاع داخليّ، بل تتوسع لتصبح أزمة دولية يومًا بعد يوم، بين روسيا من جهة، والولايات المتحدة الأميركية والناتو عامةً من جهةٍ أخرى.

أبرز محطات الحرب في أوكرانيا عام 2025

يشار إلى أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قد أعلن في 24 شباط/ فبراير 2022 عن عملية عسكرية خاصة للدفاع عن لوغانسك ودونيتسك في إقليم دونباس، وهو حوض منجمي كان قد اعترف باستقلاله سابقًا. وطالبت موسكو بضماناتٍ تؤكّد لها أنّ كييف لن تنضم إلى حلف شمال الأطلسيّ، ليعلن بعدها الاتحاد الأوروبي تسليم أسلحة إلى أوكرانيا للمرة الأولى، بعدما فرضت الدول الغربية -بزعامة أميركا- عقوباتٍ قاسيةً على روسيا، ومنحت تلك الدول مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

واليوم، بعد قرابة 4 أعوام على الحرب في أوكرانيا، تغيّرت مناطق السيطرة لدى طرفي النزاع، وتلاشَت محاورُ قتالٍ وتشكّلت أخرى، فما واقع السّيطرة الروسية في الأراضي الأوكرانية؟ 

لم يكن عام 2025 في بداياته عامَ "الخير الأميركيّ على أوكرانيا"، إذ انطلقت أبرز الأحداث هذا العام في شباط/ فبراير، حين برزت مشادة كلامية بين الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي ونظيره الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، أدّت إلى انقسام داخل صفوف الحزب الجمهوري، ما قلل فرص موافقة الكونغرس على إرسال مساعدات إضافية لكييف في حربها مع روسيا، واعتُبرت هذه الخطوة فرصة ضائعة لكل من البلدَين، إذ كان يمكن التوصل إلى اتفاق يعزز التعاون الاقتصادي والأمنيّ بينهما. 

ولم يخلُ شهر نيسان/أبريل من التطورات كذلك، إذ التقى الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترامب في روما، وفي الشّهر عينه، وقّعت أميركا وكييف اتّفاق المعادن من أجل الوصول إلى الموارد الطبيعية الأوكرانية، إذ سمحت الاتفاقية بامتيازات لأميركا في الوصول إلى مشاريع استثمارية جديدة لتطوير الموارد الطبيعية لكييف، بما في ذلك الألمنيوم والغرافيت والنفط والغاز الطبيعي.

وتَشكّل ختام الشّهر ذاته بإعادة سيطرة الجيش الروسي على كورسك. أمّا عن آب/ أغسطس، فقد شهد قمّةً في  ألاسكا جمعت بين ترامب وبوتين، وفي أيلول/ سبتمبر، ظهر "تحالف الراغبين" في باريس، والذي بحث في خطة السلام في البلدَين.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر، جرت مباحثات في جنيف بين واشنطن وكييف بشأن مسوّدة اتفاق سلامٍ أخرى. وخُتِمَ العام في كانون الثّاني/ ديسمبر بمباحثات في ميامي بين أميركا وأوروبا بشأن أوكرانيا. 

محاور القتال وأبرز نقاط السيطرة الروسية

كلّ موقعٍ هو نقطةٌ مصيريّة في الحرب الجارية بين روسيا وأوكرانيا، إذ تسيطر موسكو على نحو 99% من لوغانسك، فيما تسيطر على دونتيسك بنسبة تقدّر بـ 70 إلى 80%، وهما المقاطعتان اللّتان تشكّلان معاً ما يعرف بإقليم دونباس.

في زاباروجيا، تسيطر القوّات الرّوسيّة على 70% من المقاطعة، إلا أنها تسيطر على أكثر من 55% في خيرسون، وتتموضع في المناطق الواقعة شرقي نهر دنيبرو، فيما تتمركز القوات الأوكرانية غربَه.

أما محاور القتال، فتتركّز في 3 مقاطعات أساسيّة، وهي كلٌّ من سومي وخاركوف بشكلٍ بسيط. أمّا ثقل المعارك فيقع في دونتيسك.

من الشمال الأوكراني عند الحدود الشمالية لمقاطعة سومي، تسيطر القوات الروسية على عدد من القرى والمناطق الحدوديّة المحادية لمقاطعة كورسك. أمّا شرقاً في خاركوف وفي فوفشانسك، فتتموضع القوات الروسية في محيطها وداخلها، إلا أنّ المعارك تعتبر هادئة نسبيًّا.

ويتعرض محور كوبيانسك شرقي خاركوف بشكل يومي لعشرات الهجمات الروسية، في وقتٍ كانت قوّات موسكو قد أعلنتِ السيطرة على المدينة، لكن الرئيس الأوكراني كان قد أعلن استعادة السيطرة عليها، بعد نشرهِ مقطعاً مصوّراً عند مدخلها.

ما أهمية إقليم دونباس؟

أصبح مصير الأراضي في إقليم دونباس الأوكرانيّ إحدى العقد الأساسية التي تعوق أي تقدم في المفاوضات، فالإقليم غنيّ بالثروات والموارد الطبيعية، ويضمّ منطقتي لوغانسك ودونتيسك، وتشير مساحته التي تبلغ نحو 52 ألف كيلومتر مربّع إلى مدى أهميته في الصراع.

بعد معارك طاحنة منذ عام 2022، أصبحت روسيا الآن تسيطر على نحو 88% من مساحة الإقليم، بعدما سيطرت على لوغانسك بالكامل.

خاضت روسيا حرب استنزاف طويلة للسيطرة على دونباس، الذي يشكل إحدى أهم أهدافها الاستراتيجية، فأسقطت تباعًا قلاع الشرق الأوكرانيّ منذ سقوط باخموت عام 2023.

من هنا، فقد أظهرت المشاورات بشأن خطة ترامب مدى أهمية الإقليم، فالخطة الأميركية تنص على تسليم الإقليم لأوكرانيا، لكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قال إن التخلي عن الأراضي يحتاج إلى موافقة الأوكرانيين عبر استفتاء، فكيف جرت خطّة البيت الأبيض؟

خطّة ترامب

بعد محاولات عدة للحل، قدّم ترامب خطّةً جديدة رحّبت بها روسيا، فيما استقبلتها كييف ببرودٍ وانتقاداتٍ منمّقة، وإن لم ترفضها بشكلٍ مباشر.

تنصّ الخطّة على سيطرة روسيا على دونباس بما في ذلك الـ 30% التي ما زالت تحت سيطرة القوات الأوكرانية في دونتيسك، وتنصّ أيضاً على أن المناطق التي سينسحب منها الجيش الأوكراني تعتبر "منزوعة السّلاح"، ويُعترف بها دوليّاً بوصفها تابعةً لروسيا.

في الكفّة الأوكرانيّة، يعد التّخلّي عن الأراضي أمراً بالغ الحساسية. لذلك، حاول زيلينسكي، بدعمٍ من قادةٍ أوروربيين، إيجادَ مخرجٍ لا يرغمه على قبولِ ما كان قد رفضه سابقاً، إذ أشار إلى أنّ موضوع التخلي عن الأراضي يقرره الأوكرانيون عبر استفتاء.

من جهتها، كانت روسيا إيجابيّةً عموماً في تعليقها على الخطّة، بما في ذلك التّصريح اللافت للرئيس الروسي، الذي قال فيه إنّ روسيا "ستسيطر على دونباس كاملةً عاجلاً أم آجلاً"، بعدما رحّبت موسكو بالخطوط العريضة للخطّة، واضعةً شرطاً جليّاً بأنّها لن تقبل أيّ وقف لإطلاق النار قبل انسحاب القوات الأوكرانيّة من خط المواجهة، موضحةً أنّها تقبل المنطقة منزوعة السّلاح بشرط نشر قوات الشرطة الروسية فيها.

الهجوم على مقرّ بوتين

في ختام العام، جاء خبر الهجوم على مقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليشكّل "تهديداً خطيراً للخطة المطروحة التي جعلت بوتين "يعدّل خياره" بشأن خطّة السّلام، وفق تصريحه الأخير، في حين أجرى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مكالمة هاتفية "إيجابية" مع نظيره الروسي بشأن الحرب مع أوكرانيا، غداة عقده لقاءً مع نظيره الأوكراني في فلوريدا. يُذكر أنّ المكالمة هي الثانية من نوعها في غضون يومين، إذ أجرى ترامب مكالمة هاتفية سابقةً مع بوتين، وُصِفَت بـ"الاتصال المثمر للغاية".

من هنا، فإنّ بوتين يرى أن المدّ الدبلوماسي بات يميل لمصلحته، في ظل تحسّن العلاقات مع الولايات المتحدة وتحقيق مكاسب على أرض المعركة، عبر السيطرة على عدة مناطق استراتيجية.

وقد بدا في تصريحات بوتين ولقاءاته المتعددة أنّه لا يرغب في التراجع عن مطالبه، التي تشمل تخلّي أوكرانيا عن نحو 20 إلى 30% من إقليم دونيتسك التي لا تزال خاضعة لسيطرتها؛ والاعتراف الدولي بجميع الأراضي المحتلة -باعتبارها أراضي روسية- وتقليص الجيش الأوكراني إلى حد يفقده القدرة على التأثير؛ واستبعاد انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي.

وفي ظلّ التوترات الحاليّة، تبرز عدة سيناريوهات محتملة؛ أوّلها أن يحاول الرئيس الأميركيّ فرض الشّروط على أوكرانيا بنقاطٍ قد لا تحظى بقبول شعبيّ في كييف، من دون ضمانات أمنية كافية للبلاد، وبتنازلٍ عن الأراضي لمصحلة روسيا، وخصوصاً أنّ ترامب كان قد أشار إلى أنّه "ينأى بنفسه عن الحرب"، قائلاً: "أحياناً عليك أن تترك الناس يتقاتلون فيما بينهم".

وإذا أصرّ ترامب على "تركهما وحدهما"، فقد يُقدم على سحب الدعم الأميركي الحيويّ والأشد تأثيراً الذي تتّكئ عليه أوكرانيا في جميع المجالات. 

أمّا السيناريو الآخر، فيتمثل في استمرار الحرب دون حسم، مع مواصلة القوات الروسية تحقيق تقدّم بطيء والسيطرة على مزيدٍ من الأراضي.

الثمن المطلوب

أخيراً، وبعد المشاحنات المتصاعدة التي برزت في المنطقة، وفي ظلّ تراجع الدعم الأميركي لأوكرانيا، قد تظهر سيناريوهاتٌ متعدّدةٌ جديدة، وفقاً لقرارات كييف، وللتغير في آراء موسكو بعد الهجوم، ولـ "مزاج" ترامب.

وهنا تبرز التساؤلات: ما الذي يمكن، إن وُجد، أن يغيّر في حسابات ترامب أو حتّى، ماذا يمكن لروسيا وأوكرانيا أن يغيّرا إزاء المفاوضات؟ والسّؤال الأهمّ: ما الثمن المطلوب لإنهاء الحرب؟

الثمن لم يعد يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتمثّل في إعادة تعريف النظام الأمني الأوروبي بأكمله، وهو ثمن تدفعه أوكرانيا من جغرافيتها، وتدفعه أوروبا من استقلال قرارها الاستراتيجي، وتقبله الولايات المتحدة مقابل تخفيف انخراطها في نزاع لم تعد تعتبره أولوية، أو تراه خطيراً على مصالحها.

وبين هذه الحسابات المتقاطعة، تبدو الحرب في أوكرانيا أقرب إلى صراعٍ يُدار على حافة التسوية، فيما يبقى خطر الانفجار قائماً، إذ إن أي خلل في ميزان الردع، أو ضربة نوعية غير محسوبة، أو تغيير مفاجئ في مواقف القوى الكبرى، قد يدفع الحرب إلى طور أوسع وأعمق، يتجاوز أوكرانيا نفسها. 

حلف الناتو يحاول التمدد باتجاه الشرق قرب حدود روسيا، عن طريق ضم أوكرانيا، وروسيا الاتحادية ترفض ذلك وتطالب بضمانات أمنية، فتعترف بجمهوريتي لوغانسك ودونيتسك، وتطلق عملية عسكرية في إقليم دونباس، بسبب قصف القوات الأوكرانية المتكرر على الإقليم.

اخترنا لك