التنافس الاقتصادي الغربي الصيني في أفريقيا
باعتبار أن الصين مصنفة من طرف الولايات المتحدة وحلفائها "كمنافس محتمل" فقد يتحوّل التنافس على أفريقيا إلى صراع وحرب باردة، فحروب بالوكالة ثم حروب مفتوحة بين القوى العظمى.
-
التنافس الاقتصادي الغربي الصيني في أفريقيا
حافظت الدول الاستعمارية الأوروبية على مستعمراتها في الدول الأفريقية بعد الحرب العالمية الثانية. وبعد استقلال هذه الدول حرصت على الإبقاء على نفوذها الكبير في البلدان المستقلة.
أما أميركا، فقد اختارت بدايةً أن تترك أفريقيا للدول الاستعمارية الأوروبية لاستغلال ثرواتها في إعادة بناء ما دمرته الحرب الكونية عمرانياً وصناعياً واقتصادياً. وهذا لا يعني أن أميركا لم تكن تهتم بما يجري في أفريقيا، خصوصاً مع ظهور بوادر تأثر بعض قادة القارة السمراء بالنموذج الاشتراكي وتمتين علاقة بلدانهم بالاتحاد السوفياتي. لكن تدخلاتها في أفريقيا كانت بالأخص ذات بعد أمني واستخباري. وطيلة الحرب الباردة حاولت الولايات المتحدة الحد من تغلغل النفوذ الشيوعي في هذه القارة.
أفريقيا حيوية بالنسبة لاقتصادات الغرب وأميركا باعتبارها خزاناً للموارد الطبيعية وأسواقاً مستقبلية، وموقعها الجغرافي يسمح بالتحكم في طرق بحرية وتجارية استراتيجية. لكن منذ مطلع الألفية الثالثة عرفت العلاقة الصينية الأفريقية تطوراً سريعاً على المستوى الاقتصادي وحتى العسكري، ما ألهب حمى التنافس الغربي–الصيني على هذه القارة.
أما روسيا التي تحاول استعادة مكانتها كقوة عظمى وكسر العزلة الدولية عليها، فإن تعاونها مع الدول الأفريقية يقوم اليوم بالأساس على التعاون العسكري وبيع السلاح ودعم الأنظمة بالشركات الأمنية الخاصة (مثل فاغنر)، لكن من المؤكد أن غاية روسيا في نهاية المطاف هي الوصول إلى الموارد والموانئ الأفريقية.
أوروبا وأفريقيا
في محاولة منها لمنع الصين من التفرد بأفريقيا، عملت الدول الأوروبية بين 2000 و 2024 على زيادة حجم المبادلات التجارية مع دول هذه القارة، شملت الاستثمار في البنية التحتية والتجارة، ودعم الإنتاج المحلي، وتحسين الوصول إلى الأسواق، واتفاقيات الشراكة التي تُعزّز نمو التبادل التجاري بين الجانبين.
سنة 2024 بلغت قيمة المبادلات التجارية في السلع بين الاتحاد الأوروبي وأفريقيا ما يقرب من 355 مليار يورو، منها 188.5 ملياراً واردات الاتحاد الأوروبي من أفريقيا و166.1 ملياراً صادرات الاتحاد الأوروبي إلى أفريقيا. وفي السنة نفسها، تجاوزت التجارة في الخدمات بينهما 100 مليار يورو. ويسجل أنه في السنوات الأخيرة تزايدت الاستثمارات الأوروبية في قطاعات استراتيجية: الطاقة النظيفة، الانتقال الرقمي، البنى التحتية، الاستثمارات الصناعية في أفريقيا.
كما ترتبط أفريقيا بالعديد من اتفاقيات التجارة بين أوروبا وعدد من دول أفريقيا كاتفاقيات الشراكة الاقتصادية (EPAs). كما يحظى بعض الدول الأفريقية بنظام تفضيلي مثل" كل شيء ما عدا الأسلحة" Everything But Arms.
وقد أعلن الاتحاد الأوروبي عن تخصيص ميزانية تقارب 68 مليار دولار بين 2025 و2027 لدعم التنمية والصحة، والتعليم والتجارة وتنظيم الهجرة ودعم عمليات السلام والأمن الإقليمي في أفريقيا.
أفريقيا والولايات المتحدة
في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون توسعت العلاقات الأميركية في هذه القارة بعد صدور قانون "النمو والفرص" (AGOA) في أيار/مايو 2000، الذي استهدف توسيع نطاق التجارة والاستثمار بين الجانبين، واعتبر فرصة لإدماج الاقتصاد الأفريقي جنوب الصحراء بالاقتصاد العالمي وتسهيل ولوج الدول الأفريقية إلى الأسواق الأميركية، بناءً على التفضيلات، التي تسمح بدخول بعض منتجاتها إلى السوق الأميركية من دون أي رسوم جمركية.
لكن للحصول على امتيازات قانون "أجوا"، كانت هناك شروط من أهمها: توجه اقتصادات الدول الأفريقية إلى اقتصاد السوق وسيادة القانون وتعزيز الجهود والمبادرات التي من شأنها مكافحة الفساد. وقد كان الكونغرس الأميركي يطلب سنويًّا من الرئيس أن يحدد قائمة الدول الأفريقية التي تتوفر فيها هذه الشروط.
أما الرئيس جورج بوش الابن فقد ارتبط اسمه بقانون الإغاثة من الإيدز والسُل والملاريا (PEPFAR) الذي سنّه عام 2003، وبحسب تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأميركية عام 2017 فقد نجح قانون "بيبفار" في تجنيب 11 مليون حالة وفاة مرتبطة بالإيدز، كما عمل على تجنيب 16 مليوناً آخرين من الإصابة بهذا المرض.
لكن في الفترة الأولى من عهد باراك أوباما الذي انتخب عام 2008، عرف التعاون الأميركي الأفريقي بعض التراجع، إذ لم تطلق مشاريع لمصلحة أفريقيا إلا بين عامي 2013 و2015، أبرزها مشروع "أطعم أفريقيا" الذي كان يهدف إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي الغذائي، و"تجارة أفريقيا" الذي صُمم لتسهيل صادرات أفريقيا إلى أسواق جديدة، ومشروع "طاقة أفريقيا" الذي كان من المفترض أن يضاعف إنتاج الكهرباء في أفريقيا. لكن هذه المشاريع كانت تتعثر لافتقارها إلى التمويل الكافي.
في أيلول/سبتمبر 2016 عُقدت النسخة الثانية لمنتدى الأعمال الأميركي-الأفريقي، في نيويورك، وجمعت رجال أعمال أفارقة وأميركيين، هذا المنتدى شجع رجال الأعمال الأميركيين على الاهتمام بأفريقيا والتركيز على الفرص التجارية التي تقدمها لهم.
في كانون الأول/ديسمبر 2018 ظهر إطار جديد يضبط العلاقة التجارية الأميركية الأفريقية، إذ أصدرت الولايات المتحدة "مبادرة أفريقيا المزدهرة" (Prosper Afric)، والتي كانت تعديلاً لـ "إجماع واشنطن" (Washington Consensus) الذي فرض مجموعة من "الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية" أوصت بها مؤسسات مثل "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي" ووزارة الخزانة الأميركية وتم تطبيقها في أفريقيا، من خلال برامج التقويم الهيكلي مقابل القروض، منها خفض الإنفاق العام والخصخصة وتحرير التجارة والأسواق، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد والانفتاح على الاستثمار الأجنبي وتحرير سعر صرف العملة الوطنية. وقد أدت هذه السياسات إلى نتائج عكسية، إذ ازداد الفقر وانخفض الإنفاق الاجتماعي (الصحة، التعليم) وضعفت الدولة وازداد الاعتماد على صادرات المواد الخام.
مبادرة "أفريقيا المزدهرة" لم تخرج كثيراً عن الإطار السياسي الذي رسمه الرئيس دونالد ترامب والقائم على مواجهة التمدد الصيني، وضمان استخدام المساعدات الأميركية بما يخدم المصالح الأميركية. لهذا لم تقدم هذه المبادرة شيئاً ملموساً للدول الأفريقية، والواضح أن واشنطن كانت تسعى إلى تعزيز الشراكات التي ستوفر الوظائف في الولايات المتحدة فقط.
بلغ معدل التبادل التجاري بين أفريقيا والولايات المتحدة في عام 2018 نحو 41 مليار دولار، منها نحو 16 مليار دولار صادرات أميركية لأفريقيا، فيما بلغت الواردات الأميركية من أفريقيا نحو 25 مليار دولار. كما بلغت واردات "أجوا" غير النفطية في عام 2018 نحو 4.3 مليارات دولار.
في عام 2019 أصبحت 39 دولة أفريقية جنوب الصحراء تتمتع بامتيازات قانون "أجوا"، ما ساعد على زيادة التبادل التجاري بين الجانبين.
ويجمع المحللون الاقتصاديون على أن المبادرات الأميركية في أفريقيا تواجه العديد من الصعوبات، بسبب الشروط التعجيزية التي تعيق نمو معدلات التبادل التجاري بين أميركا والدول الأفريقية. وهو ما تتجنبه الصين (انعدام الشروط) وتستغله.
الصين وأفريقيا
بدأ نفوذ الصين الاقتصادي في أفريقيا في تزايد منذ أوائل العام 2000، حين بدأت الاستثمارات تنمو، مدفوعة بمبادرات مثل منتدى التعاون الصيني-الأفريقي (فوكاك Focac) الذي أنشئ عام 2000، ومبادرة "الحزام والطريق" التي أطلقتها الصين عام 2013.
وصلت الاستثمارات المباشرة الصينية (FDI) في أفريقيا في 2022 إلى أكثر من 44 مليار دولار منذ بداية التعاون بينهما سنة 2000. هذا الرقم لا يشمل القروض التنموية أو العقود التمويلية الكبيرة (مثل قروض البنية التحتية والطاقة) والتي تقدر بأكثر من 160 مليار دولار على الأقل بين 2000 و2024.
ووفق الإحصاءات الرسمية الصينية فقد بلغ إجمالي حجم التجارة (الصادرات + الواردات) بين الصين والدول الأفريقية نحو 204 مليارات دولار أميركي في 2018. لتظل أكبر شريك تجاري لأفريقيا خلال هذه السنة. منها 104 مليارات دولار صادرات الصين إلى أفريقيا ونحو 100 مليار دولار واردات الصين من أفريقيا.
بنهاية 2018، كان هناك أكثر من 3700 شركة صينية تعمل في أفريقيا بفضل الاستثمارات المباشرة، تجاوزت 46 مليار دولار. أما في 2024 فقد فاق عددها 10 آلاف شركة تعمل في مجالات متنوعة.
كما ارتبطت الصين وعدد من الدول الأفريقية باتفاقيات مالية، وشملت إدراج بعض الدول "اليوان الصيني" ضمن احتياطياتها الأجنبية وإنشاء ترتيبات مقاصة بالعملة الصينية.
في منتدى التعاون الاقتصادي الصيني الأفريقي التاسع، المنعقد في بكين بين 4 إلى 6 أيلول/سبتمبر 2024، اقترح الرئيس الصيني أمام أكثر من 50 ممثلاً للدول الأفريقية "رفع العلاقات الثنائية بين الصين والدول الأفريقية إلى مستوى استراتيجي...". كما وعد بتوفير مليون فرصة عمل ومنح أفريقيا دعماً مالياً قدره 50 مليار دولار أميركي خلال ثلاث سنوات: 29 مليار دولار في شكل خطوط ائتمان، 11 مليار دولار في شكل مساعدات و10 مليارات دولار في شكل استثمارات. وصرّح أن الصين ستعمل على منح معاملة صفرية جمركية لـ 100% من المنتجات المصدرة إلى الصين من قبل الدول الأقل نمواً التي لها علاقات دبلوماسية معها. كما عبّر عن استعداد بلاده لتطوير منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (ZLECAf).
الاستعمار في مواجهة الصين في أفريقيا
تتوجس الدول الغربية خيفة من التعاون الصيني الأفريقي الاستراتيجي والتعاون الروسي الأفريقي، وخصوصاً حينما يتعلق الأمر بمشاريع تنموية يلتبس فيها المدني بالعسكري كما هو الشأن بالنسبة إلى ميناء جيبوتي التي فازت الصين في عام 2013 بصفقة تسييره، وميناء "دوراليه" الذي أقامت فيه قاعدة جو- بحرية سنة 2016 والواقعة قرب قاعدة "ليمونيي" الجوية الأميركية. وهي أول قاعدة عسكرية صينية دائمة في الخارج. كما يرى الغرب في هذا التعاون فرصة لتمرد بعض حكام القارة السمراء على هيمنته (نموذج مالي، بوركينا فاسو، النيجر...)..
يتهم الأوروبيون وأميركا، الصين، بأنها تسعى لوضع اليد على الثروات الأفريقية واحتكار استغلالها، وفي مقدمتها التربة النادرة، كما يتهمونها بإغراق أفريقيا بالديون التي فاق حجمها 1.8 تريليون دولار أميركي، ما سيؤدي إلى إيقاع الدول الأفريقية في فخ المديونيات من أجل السيطرة على اقتصاديات تلك الدول. كما يتهمون الصين وروسيا بتغلغلهما العسكري المتزايد في هذه القارة. وكما يقول المثل "رمتني بدائها وانسلت".
التنافس على أفريقيا تجاري اليوم، ولكن باعتبار أن الصين مصنفة من طرف الولايات المتحدة وحلفائها "كمنافس محتمل يتعين هزيمته في المستقبل"، فقد يتحول التنافس إلى صراع وحرب باردة، فحروب بالوكالة، ثم حروب مفتوحة بين القوى العظمى.
طبعاً هناك لاعبيون جدد بدأوا يهتمون بأفريقيا كالهند واليابان وتركيا وإيران... ما سيزيد من حدة التنافس على قارة المستقبل: أفريقيا.